جان تيومان
سبتمبر 04 2019

صهر أردوغان يطيح بمدراء بنوك وفق أجندات سياسية

بشكل مفاجئ، قرّر فؤاد إربيل، المدير العام لبنك غرانتي – رابع أكبر مصرف في تركيا، والأكبر في البلاد بين بنوك إقراض المستهلكين – الاستقالة من منصبة في التاسع عشر من أغسطس والتقاعد ولم يتجاوز عمره بعد 51 عاماً. وتولى رجب باشتوغ منصب المدير العام خلفاً له في الأول من سبتمبر.

كان هذا التغيير المفاجئ إشارة على بداية أيّام عصيبة للبنك، وتسبب في انتشار شائعات على الفور تقول إن الحكومة التركية شجّعت إربيل على اتخاذ قرار التقاعد.

وفي واقع الأمر، فإن هناك أقاويل شائعة عن أن من سعى للإطاحة بإربيل هو صهر الرئيس، وزير الخزانة والمالية، بيرات البيرق، ولا أحد غيره.

ومن غير الممكن التحقق من هذه الشائعات؛ بيد أنه من الجدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي يُقال فيها إن استقالات مشابهة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بنفوذ البيرق.

وقد قيل إن الوزير كان وراء موجة من الاستقالات في بنك إيش أواخر مارس الماضي، عندما استقال أرسين أوزينجي، رئيس مجلس الإدارة، وثلاثة آخرون من أعضاء مجلس الإدارة من مناصبهم.

وكان أوزينجي قد جرى تعيينه رئيساً لمجلس إدارة البنك في عام 2011، بعد أن استقال من منصب رئيس جمعية البنوك التركية، وكان يسعى للتقاعد من منصب المدير العام في بنك إيش بعد خلاف آخر مع حكومة حزب العدالة والتنمية التركي.

قبل استقالة أوزينجي في مارس، كان بنك إيش قد أصبح أوّل بنك يتحدي أوامر الحكومة ويرفع أسعار الفائدة على القروض.

وكان معروفاً عن رئيس مجلس الإدارة السابق أيضاً أنه من أشد المعارضين لمطالبة الرئيس رجب طيّب أردوغان المستمرة بتسليم الخزانة حصة حزب المعارضة الرئيس، حزب الشعب الجمهوري، في البنك. وكان مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك قد ورّث تلك الحصة البالغة 28 في المئة للحزب.

وتقول الدوائر الاقتصادية إن هذه الخلافات مع الحكومة هي السبب الذي جعل أوزينجي مضطرّاً للاستقالة من رئاسة إمبراطورية مالية يصل حجمها إلى 75 مليار دولار.

ويبدو أن أوزينجي ظل مجرد نقطة في بحر التدخلات الحكومية في إدارات البنوك. فقد شهد العام الماضي عشرات التغييرات على مستوى كبار الموظفين في أكبر البنوك التركية.

وبالمثل، يُقال إن إربيل أُجبر على الاستقالة بعد أن رفض الرضوخ للسياسات الاقتصادية التي تنتهجها الحكومة.

وإربيل أحد أبرز الشخصيات التي ظلت في البنك من بين فريق العمل الذي شكّلته مجموعة دوغوش، المالك السابق للبنك. وقد ساعد إربيل البنكَ ليصبح الأكثر شهرة بين المستهلكين، عندما كان يعمل مديراً عاماً مساعداً.

وقد أذهل هذا النجاح بنك بي.بي.في.ايه الإسباني، الذي أصبح مساهماً رئيساً بعد الاستحواذ على أسهم من مجموعة دوغوش. وصل إربيل إلى المنصب التنفيذي الأعلى في عام 2015، متفوقاً على منافسين أقوياء وأكثر خبرة منه.

ولدى رجب باشتوغ، رئيس مجلس الإدارة الجديد تاريخ مهني في العمل لدى غرانتي، شأنه في ذلك شأن إربيل. لكن هناك خلافاً واحداً مهماً، وهو أن باشتوغ أمضى فترة بداية في فبراير 2018 كعضو في مجلس إدارة مجموعة جينار، المعروفة بارتباطها الوثيق بحكومة حزب العدالة والتنمية.

وتتركز أنشطة جينار بشكل أساسي على التعدين، وهو مجال يلزمه وجود علاقات جيدة مع الحكومة والطبقة البيروقراطية في أنقرة. وقد أسس تورغاي جينار، مالك المجموعة، لهذه العلاقات القوية واستخدمها لجمع ثروة ضخمة.

ويُقال إن العلاقات التي بناها باشتوغ في أنقرة عندما كان يعمل لدى مجموعة جينار، كانت سبباً رئيساً لاختياره ليحل محل إربيل، وهو اختيار يُعتقد أن الحكومة تدعمه بشكل مباشر.

ويمكن تفسير أسباب هذا الدعم انطلاقاً من أدائه في مجموعة جينار. وعانت تركيا العام الماضي من أزمة عملة تسببت في هبوط قيمة العملة المحلية إلى مستويات متدنية بلغت 7.2 ليرة للدولار.

وفي الوقت الذي كانت الليرة مهددة فيه بمزيد من الانهيار والخروج عن السيطرة، خرج باشتوغ من حيث لا يدري أحدٌ بسيولة وصل حجمها إلى 1.6 مليار دولار، ضخها في صورة ائتمانات لتُستخدم بالكامل في تركيا. وقد وفرّت إحدى الشركات المملوكة لمجموعة جينار هذا المبلغ من بنوك في إنكلترا.

وفي واقع الأمر، فإن هذا لم يكن مجرّد قرض، وإنما كان عملية شملت تأسيس شركة في لندن على يد مجموعة جينار، واستخدام الأصول التركية التي لدى المجموعة كتأمين لهذا القرض.

لكن القرض الضخم جاء للحكومة في وقت حاسم للغاية. وقد هللت الحكومة وأبواقها الإعلامية وقتها وملأت الدنيا حديثاً عن أن هذا القرض إشارة على ثقة المستثمرين الأجانب في تركيا.

وعلى الأرجح، فإن هذا جعل الرئيس الجديد لغرانتي يكسب ثقة أنقرة في أنه سيعمل بما يتماشي مع سياسات الحكومة.

غير أن مصرفياً متقاعداً أبلغ موقع أحوال تركية بأن من يعملون في القطاع ما زالوا في حالة صدمة بشأن ما يبدو من تدخل حكومي في بنكي غرانتي وإيش، أكبر مصرفين بين المصارف الخاصة في تركيا.

فضلاً عن ذلك، فإن التدخل الحكومي أصبح فيما يبدو متفشياً على جميع مستويات القطاع المصرفي.

وقال المصرفي إن "العلاقات بين البنوك والسياسيين ظلّت دائماً عاصفة، لكن السياسيين بوجه عام لم يكونوا يتدخلون في عمل المحترفين في البنوك.

"أما الآن، فنحن نسمع عن أن الموظفين بدرجة مدير عام مساعد والموظفين الأقل درجة – ناهيك عن أعضاء مجالس الإدارات – الذين يُعلّقون تعليقات ناقدة (بشأن السياسات الحكومية) على شاشة التلفزيون، يتعرضون لعقوبات من الحكومة.

وتُظهر الأرقام أن هذا التدخل بلغ مستوى ذروة منذ تعيين البيرق وزيراً في يوليو 2018.

ويُظهر الموقع الإلكتروني لجميعة البنوك التركية أن 80 مديراً في القطاعات المصرفية الرئيسة في 27 بنكاً تغيرّت مناصبهم خلال العام الماضي. ومن بين هؤلاء الثمانين، هناك ستة في منصب رئيس مجلس إدارة، و34 في منصب عضو مجلس إدارة، واثنان في منصب مدير عام، و38 في منصب مدير عام مساعد.

ولا ينبغي التقليل من شأن وتيرة التغيير، التي تنعكس في تلك الأرقام، في قطاع مُحافظ ومتخصص للغاية مثل القطاع المصرفي.

ونصف التغييرات التي طالت موظفين رفيعي المستوى، حدثت في البنوك العشرة الأكبر، التي تشكّل 80 في المئة من النظام المصرفي. ومن الواضح أيضاً أن البنوك الأجنبية النشطة في أسواق مثل أسواق السندات والعملات والأسهم، والتي ينظر إليها حزب العدالة والتنمية على أنها ساحات معارك، تعرضت لموجة من التغيير طالت كبار موظفيها.

فضلاً عن ذلك، فإن هناك أمثلة ملموسة على تدخل حزب العدالة والتنمية في المستويات العليا في القطاع المصرفي، كما كان الحال مع المدير العام المساعد السابق لبنك آك كريم روتا، الذي أثارت قضيته غضباً على وسائل التواصل الاجتماعي التركي العام الماضي.

كان روتا قد قبل بعرض لتولي منصب المدير العام لبنك أوديا، واستقال من منصبه في بنك آك ليتولى المنصب الذي عُرض عليه. لكن لجنة مراقبة الأعمال المصرفية وتنظيمها – التي تملك سلطة رفض تعيين الشخصيات المرشحة لمناصب عليا – رفضت السماح لروتا بالانضمام لبنك أوديا، قبل أن يتمكن حتى من تسلم منصبه الجديد.

ولم تكن اللجنة قد أبدت أي اعتراض على التعيين حتى اللحظة الأخيرة، ولم تقدم أي مبررات لتدخلها. ورفضت اللجنة أيضاً السماح له بالعودة لبنك آك.

وأسباب تدمير حياة المصرفي الشاب الوظيفية غير واضحة. لكن مصدراً على دراية بهذه الواقعة قال إن روتا أغضب الحكومة عندما كان مسؤولاً عن أقسام السندات والعملات في البنك. وذكر المصدر نفسه أن وسائل الإعلام الموالية للحكومة التركية كانت قد وصفت بنك آك بأنه "متآمر" مع مضاربين خلال آزمة العملة، عندما كان حزب العدالة والتنمية يُحمّل ما أسماه هجمات المضاربة المسؤولية عن تذبذبات العملة. ومن ثم، فقد اعُتبِر روتا على الفور أحد الأشخاص غير المرغوب فيهم لدى أنقرة.

وهناك عدد آخر من الأمثلة المشابهة، كما هو واضح في العدد القياسي من التغييرات التي طالت موظفين في مناصب عليا خلال العام الماضي في بنوك دولية، مثل سيتي بنك ودويتشه بنك، اللذان حمّلتهما الحكومة مسؤولية اضطراب الأسواق في تركيا.

هناك أيضاً حالة بنك إتش.إس.بي.سي، الذي أفلت من التغييرات التي طالت موظفين في مناصب عليا، على الرغم من أن وسائل الإعلام الموالية للحكومة كانت قد وصفته بأنه أحد البنوك المتورطة في عمليات "تلاعب".

لكن ربما كانت هناك واقعة أكثر خطورة ترتبط بسليم كرفانجي، المدير العام لإتش.إس.بي.سي، الذي كان مهدداً بعقوبة بالسجن أواخر العام الماضي عندما كان يخضع للتحقيق في اتّهامات بإهانة الرئيس أردوغان عبر تغريدات من حسابه على تويتر خلال الاحتجاجات المعارضة للحكومة في عام 2013.

حصل كرفانجي على حكم بالبراءة وأُعيد إلى منصبه. لكن تلك الواقعة ما زالت رسالة واضحة للمصرفيين بشأن المخاطر التي قد يتعرضون لها إذا خرجوا عن الخط المرسوم لهم.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-finance/ousting-turkish-bank-staff-sparks-political-interference-fears