شروط تركيا لتحسين علاقتها مع فرنسا

أنقرة – اشترطت تركيا على فرنسا أن تغيّر موقفها بشأن العمليات العسكرية التركية في سوريا، وأن تدعمها، إذا أرادت تحسين علاقاتها معها، وذلك في خطوة من شأنها زيادة الشرخ بين الجانبين اللذين يكونان على طرفي نقيض في عدد من الملفات الشائكة في المنطقة.

وفي هذا السياق قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو اليوم الخميس إن أنقرة يمكن أن تطبع العلاقات مع فرنسا لكن على باريس أن تغير موقفها بشأن العمليات العسكرية التركية في سوريا.

وتبادلت تركيا مرارا الانتقادات اللاذعة مع فرنسا بشأن السياسات في سوريا وليبيا وإقليم ناغورني قره باغ، ونشر رسوم مسيئة للنبي محمد في فرنسا. وتقود باريس مساعي لفرض عقوبات من الاتحاد الأوروبي على تركيا.

وتتّهم أنقرة باريس بهندسة سياسات مناهضة لها، وأنّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لا ينفرد بتوجيه الانتقادات لتركيا، بل معه مسؤولون فرنسيون ورؤساء سابقون يشاطرونه الأفكار نفسها.

ومع بدء قمة الاتحاد الأوروبي في 10 ديسمبر الجاري، أعلن الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا أولاند، دعمه الكامل لماكرون وحكومته في السياسات المناهضة لتركيا. وآنذاك، قال أولاند عبر التلفزيون الرسمي "فرانس 2"، إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أدلى بتصريحات ضد ماكرون في أكثر من مناسبة. كما أن الأنشطة التركية في سوريا، وأرمينيا، وليبيا واليونان "واضحة للعيان".

وأضاف: "تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو). لقد ذكرت عدة مرات عندما كنت في منصب رئيس فرنسا، إذا قام رئيس عضو في الحلف بإهانة رئيس دولة عضو أخرى، فيجب وقتها وضع حد لهذا الرئيس. اليوم هناك اجتماع لقادة الاتحاد الأوروبي. ستكون هناك عقوبات على تركيا".

وتأخذ تركيا على فرنسا أنّ سياساتها المناهضة لها واضحة للعيان، وأنّ فرنسا، خلال قمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة ببروكسل، حرصت على إظهار تلك السياسة، غير آبهة بالانقسامات التي تحدثها داخل البيت الأوروبي.

كما أنّها مستاءة جدّاً من توصيف تقارير إعلامية غربية فرنسا بأنّها "شوكة في حلق أردوغان" وغاضبة من أن باريس تدافع عن سيادة واستقرار قبرص واليونان، وأن الدور التركي بالشرق الأوسط وليبيا وقره باغ، يساهم في زعزعة استقرار المنطقة.

وتطالب تركيا فرنسا بأنّ لا تكون داعمة لموقف اليونان وقبرص، وألا تدافع عن حقوق البلدين الحقوق السيادية، وبدلًا من ذلك تدعوها أن تكون وسيطًا في حل المشاكل مع اليونان.

وتتّهم حكومة أردوغان فرنسا بانها تسعى لتشويه "صورة تركيا على خلفية دفاع الأخيرة عن حقوقها السيادية في بحر إيجة وقبرص، وإظهار هذه المشكلة كما لو أنها بسبب الرئيس أردوغان، تدرك أن هذه المشكلة موجودة منذ عقود".

وتشدّد على أنّ تعاملها مع حقوقها السيادية لن يتبدل حتى لو واجهت عقوبات إضافية من الاتحاد الأوروبي، وتنسيقًا في هذا الموضوع مع الإدارة الأميركية الجديدة، مع مسارعة مجلس الشيوخ الأميركي وتحديدًا يوم الجمعة، إلى إقرار عقوبات ضد أنقرة استنادًا إلى قانون "مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات".

وترفض أنقرة انتقادات فرنسا لها في الملف الليبي، وتقول إن دورها لا يسبب عدم الاستقرار في ليبيا، حيث يتهم ماكرون تركيا بـخرق قرار الأمم المتحدة المتعلق بعدم توريد الأسلحة إلى ذلك البلد، وتدعي أن دورها في ليبيا يتمحور حول حماية حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها من قبل الأمم المتحدة.

وتبقى المشكلة التي تقضّ مضجع تركيا، والتي تزيد من أزمة العلاقات التركية الفرنسية، متجدّدة، وهي تقديم باريس دعمًا مفتوحًا لواشنطن في مشروع الإدارة الذاتية الكردية شمالي سوريا وعلى امتداد الحدود مع تركيا، إضافة إلى ما تصفه تركيا بـ"التغاضي عن الهجمات التي تشنها المنظمة ضد تركيا وأمنها."

ويثير وصف فرنسا للعمليات التركية ضد مناطق الأكراد في الشمال السوري بأنها غزو تركي لشمال سوريا، غضب أنقرة التي تعتبر عملياتها حماية لأمنها القومي، ومحاربة للإرهاب والإرهابيين.

وكذلك أثار الموقف الفرنسي المساند لأرمينيا في نزاع ناغورني قره باغ حنق حكومة أردوغان، التي اعتبرت أن فرنسا تساند أرمينيا التي احتلت أراضي دولة جارة قرابة 30 عاما، ووصفت موقفها بأنه "يفتقر إلى التعاطف الوجداني والشعور بالآخر، وقد جرى التفاعل مع هذا الموقف بكثير من السخرية بعد الهزيمة التي تلقتها أرمينيا ومغادرتها للأراضي الأذربيجانية."

وبحسب الوقائع والمؤشرات لا يبدو أن علاقات أنقرة وباريس مرشحة في الوقت الراهن للتعافي، ولاسيما مع تكرار تركيا لشروطها بأنّ على فرنسا أن تتراجع "عن الخطوات التي تعرض أمن تركيا وازدهارها للخطر، وتنتقص من حقوقها السيادية"، بالإضافة إلى ما تصفه أنقرة بتراجع باريس عن "السياسات العدائية تجاه أنقرة"، وتهدّد تركيا كذلك بأن عدم الثقة بينها وبين فرنسا سيؤدي إلى عواقب سلبية قد تستمر لعدة أجيال.