صحُف تركية تُسارع للإشادة ببوريس جونسون رغم الانتقادات

كان الجد الأكبر لرئيس الوزراء البريطاني الجديد، بوريس جونسون، عثمانياً متحرراً، وقد قُتل بعد أن وقع في أيدي قوات تابعة للزعيم القومي مصطفى كمال أتاتورك إبان نهاية الحرب الثورية.

وبغض النظر عن التفاصيل التاريخية الدقيقة – إذ لم تكن تلك التفاصيل التاريخية أبداً أحد مواطن القوة، سواء للقوميين الأتراك أو البريطانيين – فإن عدداً من الصحف التركية يعتبر انحدار جونسون من أصول تركية خبراً إيجابياً للعلاقة بين بريطانيا وتركيا.

وفي عام 2006، كان جونسون من صغار أعضاء البرلمان، أو ممن يُطلق عليهم أعضاء المقاعد الخلفية في البرلمان، وكان على وشك المنافسة على منصب عمدة لندن. في ذلك الوقت، كان جونسون يطرح نفسه كمحافظ ليبرالي، حيث كان المحافظون في تلك الفترة يحاولون تصحيح صورة الحزب والتخلص من صفه "الحزب القذر" التي لازمته عندما خسر الانتخابات مرتين، حاول خلالهما دق إسفين مستخدماً قضية الهجرة.

كان واضحاً أن جونسون فطن إلى حقيقة أن الجهر بالعنصرية ليس بالاستراتيجية الجيدة في بلد يتمتع بالتنوع مثل لندن، ومن ثم فقد قرر أن يسير في اتجاه الموج، وأعدّ برنامجاً تلفزيونياً تحدث فيه بحماس عن انضمام تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي.

لكن كانت هناك مفارقة في طريقة إشادة جونسون بجمهورية أتاتورك العلمانية في ذلك البرنامج، بالنظر إلى تاريخ عائلته. وأدعوك عزيز القارئ لمطالعة صفحة علي كمال، الجد الأكبر لجونسون، على موقع ويكيبيديا، لأن هذه القصة أكثر تعقيداً من أن أوفيها حقها هنا. لكن الأمر المهم، أنه بالضرورة اختُطف على يد قوات موالية لأتاتورك. فقد اطلعت على هذا السرد الرائع الذي كتبه الشاعر ناظم حكمت حول قتله على أيدي الغوغاء في أزميد، متهمين إياه بأنه كان "أجير الإنكليز. كان رجل الخليفة".

ظل جونسون يدعو لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، حتى بعد أن صوتت بريطانيا بأغلبية ضئيلة لصالح مغادرة الاتحاد في عام 2016. بيد أنه كان أيضاً أحد أبرز أعضاء حملة التصويت للخروج، والتي دعت لمغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي، واستغلت الخوف من انضمام تركيا لعضوية الاتحاد في سعيها لإقناع الشعب البريطاني بالتصويت لصالح الانفصال البريطاني. وشارك جونسون أيضاً في التوقيع على خطابٍ لرئيس الوزراء ديفيد كاميرون قبل أسبوع على التصويت في استفتاء عام 2016، جاء فيه أن "السبيل الوحيد لتجنب وجود حدود مشتركة مع تركيا هو التصويت لصالح الانفصال". وعندما سأله الصحفي أندرو مار عن سلوكه إزاء انضمام تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي، رد قائلاً "بصراحة، أنا لا يعنيني انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي من عدمه، خاصة أن المملكة المتحدة في طريقها للخروج من عضوية الاتحاد".

على الرغم من هذا، فإنه أبلغ الصحفيين في شهر يناير من العام الجاري قائلاً "أنا لم أنبس ببنت شفة عن تركيا خلال الاستفتاء".

ولم يُثن التهكمُ بعضَ وسائل الإعلام التركية عن هرولتها للإشادة برئيس الوزراء البريطاني الجديد ووصفه بأنه من إنتاج تركيا. ومن الأمور المثيرة أن صحيفة (صباح) أجرت مقابلة مع أحد أبناء عمومة جونسون، وهو من القرية التي وُلد فيها جده الأكبر، والتي تشتهر بأن أبناءها من "الشُقر". وذكرت الصحيفة أن جونسون "لاقى ترحيباً وإشادة لدى وصوله إلى مقر الإقامة الرسمي لرئيس الوزراء". لكن مشاهد وصوله على تويتر رسمت صورة مختلفة حول الشعبية التي يحظى بها لدى الجمهور. ولم يكن كُتّاب الرأي في صحيفة (صباح) على القدر ذاته من الكياسة التي ظهرت في عناوين الصحف، إذ وصفوه بأنه كاذب ومثال جيد على انغماس الغرب في سياسة تجاوز الحقائق.

أما صحيفة (يني أكيت) الدينية القومية، والتي لم تعتد على استخدام لغة معتدلة في خطابها، فقد وصفت جونسون بأنه "عدو الإسلام"، وأشارت إلى كتاب (حلم روما) الذي صدر في عام 2006، وإلى مقال آخر كتبه في عام 2007 وذكر فيه أن الإسلام هو سبب تخلف العالم الإسلامي عن ركب التقدم. ولم يفُت الصحيفة أن جونسون وصف النساء اللاتي ترتدين النقاب (البرقع) بأنهن تبدُنّ مثل صناديق البريد، وأنه حصل على المركز الأول في مسابقة لكتابة قصيدة فيها هجاء للرئيس رجب طيب أردوغان.

في الوقت ذاته، قررت صحيفة (يني شفق) أن تتجنب التاريخ المعقد لجذور جونسون التركية، وآثرت الميل إلى مشاعر القومية الطيبة والبسيطة، التي تتجسد في الادعاء بأن جونسون واحد من بني جلدتهم. ومن المنتظر حتى أن يتوجه رئيس القرية التي ينحدر منها جد جونسون الأكبر إلى بريطانيا لتهنئة رئيس الوزراء الجديد، الذي ستسره معرفة أن "أهالي سليم باريشكان... قالوا إنهم ينتظرون أن يساعدهم (جونسون) في حل مشاكل قريتهم".

ومن الأمور المثيرة التي يجب الإشارة إليها تلك السرعة التي تستطيع بها وسائل إعلام مثل (يني شفق) أن تتحول من فكرة أن بريطانيا قوة إمبريالية تسعى لتقويض مكانة تركيا، إلى منبر يدّعي أن رئيس الوزراء البريطاني واحد من أبناء الشعب. ويبدو أن هذا الخط، المتمثل في تجنب المشاكل ذات الصلة بعلاقة جونسون بالإسلام وجذوره التركية، يبدو أنه النهج الحالي للحكومة التركية. وبعد كل شيء، فإن بريطانيا  التي باتت على وشك الخروج من عضوية الاتحاد الأوروبي من الناحية النظرية، قد تكون شريكاً تجارياً مهماً لتركيا. ومن الممكن أن تحتاج بريطانيا اتفاقاً للتجارة الحرة مع تركيا بأسرع وقت ممكن.

ربما لا ينبغي علينا أن نتوقع من رجل مثل جونسون أن يكون ثابتاً على معتقداته، إذ يُقال إن طموحه وقت صباه، كان أن يُصبح "ملك العالم". إنه رجل تُغريه السلطة، ومن يملكونها، حتى إذا كان هؤلاء قد أمروا بإعدام جده. لكن السؤال الذي يشغل بال الناس في بريطانيا الآن هو ما إذا كان جونسون يعرف ماذ يفعل بهذه السلطة التي وصل إليها.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/uk-turkey/turkish-newspapers-rush-hail-boris-johnson-despite-his-cynicism
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.