إيسار كاراكاش
أغسطس 28 2019

سلطة أنقرة غير الدستورية على البلديات

في الأسبوع الماضي، عزلت الحكومة التركية رؤساء بلديات في أكثر ثلاث مدن تسكنها أغلبية كردية في البلاد بعد خمسة أشهر فقط من انتخابهم، كل بأغلبية كبيرة من الأصوات.

وخلال الانتخابات المحلية التي جرت في الحادي والثلاثين من مارس الماضي، حصل سيلجوق ميزراكلي المنتمي لحزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد على 63 بالمئة من الأصوات ليتولى منصب رئيس بلدية ديار بكر.

لكن في اليوم التالي، وقبل حتى أن يبدأ رئيس البلدية الجديد مهام عمله، بعث مكتب حاكم ديار بكر طلبا إلى وزارة الداخلية لعزل ميزراكلي، وفقا لما ورد في وثيقة سُربت الأسبوع الماضي.

كانت هذه على الأرجح وثيقة سرية، وتظهر حقيقة تسريبها كيف يخسر حزب العدالة والتنمية الحاكم السيطرة بسبب البيروقراطية.

في قرارات العزل من الوظيفة، تم الاستناد إلى المادة 127 من الدستور التركي.

وتنص المادة المذكورة على أن التجريد من مناصب مسؤولي البلديات هو أمر يفصل فيه القضاء، لكنه يمنح وزارة الشؤون الداخلية سلطة العزل بصورة مؤقتة لحين صدور حكم المحكمة.

وتقول المادة 127 "تملك الإدارة المركزية الوصاية الإدارية على الإدارات المحلية في إطار المبادئ والإجراءات المنصوص عليها سلفا في القانون بهدف ضمان استمرار تقديم الخدمات المحلية."

يتبين هنا أن قرارات العزل مخالفة للقانون بما أن رؤساء البلديات هؤلاء انتخبوا وأقرت اللجنة الانتخابية فوزهم في الحادي والثلاثين من مارس.

وفي الظروف العادية، كانت أي محكمة إدارية لترفض قرارات العزل وبشكل فوري.

لكن هذا ينطبق على الظروف الطبيعية، لذا دعونا ننحي جانبا غياب القانون في اتخاذ القرار ونناقش بدلا من ذلك مفهوم الوصاية  الإدارية.

تقدم الدولة خدمات عامة، لذا ينبغي التعامل مع جميع المهام التي تقوم بها الدولة على أنها خدمات عامة.

وبالتالي، فإن أي عمل تقوم به الدولة ولا يمكن اعتباره خدمة عامة يكون قانونيا، لكنه يفتقر للشرعية.

في تركيا هنا قطبان أساسيان للخدمات العامة: الإدارة المركزية في أنقرة والخدمات المحلية التي تتولى البلديات المحلية القيام بها.

وفي الحالات الاستثنائية، يتيح الدستور للحكومة حق تشكيل هيئات خارج هذه التصنيفات، كحكام الأقاليم على سبيل المثال.

وبالتالي، فإن الإدارة المركزية والخدمات المحلية تمثل جميعها الخدمات التي تقدمها الدولة التركية.

ومن المستحيل تعريف بنية هيكلية بين الخدمات العامة. وبالتالي، سيكون من الخطأ القول إن الخدمات التي تقدمها وزارة الشؤون الخارجية هي أهم من تلك التي تقدمها إدارة الإطفاء في منطقتك.

وبما أن الإدارات المركزية والمحلية تقدم خدمات تكمل بعضها بعضا ولا تداخل بنيوي بينها، فإن مفهوم الوصاية الإدارية، الذي يشير إلى سلطة الإدارة المركزية على الحكومات المحلية، يصبح غير قانوني ولا يمكن تفسيره إلا بأنه محاولة للتأسيس لهيمنة سياسية.

غير أن الدستور يتيح لوزارة الداخلية حق عزل مسؤولي الإدارات المحلية، بصفة مؤقتة.

فالحكومة التركية عزلت بالفعل أكثر من 90 من رؤساء البلديات المنتمين لحزب الشعوب الديمقراطي بتهم الارتباط بإرهابيين بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة عام 2016.

وتظهر الاحتجاجات المستمرة منذ صدور قرارات العزل الأسبوع الماضي كيف أن مثل هذه القرارات لا تساهم في تحقيق سلم اجتماعي. كما أنها في الحقيقة لا تسهم في تغيير تفضيلات الناخبين، بل تؤدي لتمسكهم بها أكثر وأكثر.

كل من على الأرض قد يرتكب جريمة. وبالتالي، لا يمكن لأي منا القول إنه لا يصح عزل أي مسؤول بلدي من المنصب بسبب مزاعم ارتكاب مخالفات جنائية.

غير أن مثل هذه القرارات يجب أن تتم بعناية كبيرة وحرص بالغ، واستنادا إلى معايير واضحة وموضوعية تقررها هيئة دستورية تعمل في إطار من الشفافية وتضم مسؤولين منتخبين.

كما لا ينبغي استغلال مثل هذه التحركات لتحقيق وصاية إدارية. وبموجب المبادئ العامة للقانون، لا يمكن ترك سلطة اتخاذ مثل هذه القرارات لشخص واحد، بمن في ذلك وزير الداخلية.

وينطبق هذا أيضا على أعضاء البرلمان التركي، وهؤلاء قد يرتكبون جرائم أيضا تستوجب عزلهم من المنصب.

لكن مثل هذه القرارات يجب أن تصدر فقط عن مجلس نيابي منتخب.

إن تركيا بحاجة إلى تحليل هذا المفهوم الخاص بالوصاية الإدارية وتطوير بدائل له لمنع أي عزل غير قانوني في المستقبل بحق مسؤولين منتخبين.

لكن بالطبع في تركيا، ينظر إلى جميع الأمور من منظور سياسي بحت، وباتت سيادة القانون مفهوما ثانويا، هذا على أفضل تقدير.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/dismissed-kurdish-mayors/ankaras-false-power-over-municipalities
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.