سلطوية أردوغان استفادت من الشبكات السرية

ناقشت في مقالتي السابقة بأن أحد السياسات الأساسية التي يتبناها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تحطيم أي مصادر للمقاومة المحتملة وتعزيز نظامه يكمن في نجاحه في استمالة الشبكات السرية. وقبل التعمق في آليات عملية الاستقطاب هذه، أود إلقاء نظرة سريعة على تاريخ هذه الشبكات.

تعود أصول الدولة التركية العميقة المعاصرة إلى محاولات حلف الناتو إنشاء قوات سرية لدعم الدول الأعضاء خلال السنوات الأولى من الحرب الباردة. وفي تركيا، تم تشكيل هذه القوات رسميًا داخل "مجلس تفتيش التعبئة"، أو في عام 1952 تحت قيادة الأركان العامة التركية. كان هذا الاسم لإعطاء الانطباع بأنه مرتبط بالدفاع المدني في زمن الحرب. تم تغيير اسم "مجلس تفتيش التعبئة" إلى "وحدة الحرب الخاصة" في منتصف الستينيات.

وفي أوائل التسعينيات، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، تم تغيير اسمه هذه المرة إلى أوزيل "قيادة القوات الخاصة" وتحول تركيزه من الحرب السرية إلى عمليات مكافحة التمرد.

وكان بولنت أجاويد، الذي شغل منصب رئيس وزراء تركيا أربع مرات بين عامي 1974 و 2002، أول سياسي يعلن عن هذه الهيئة السرية. وكتب في مذكراته أنه أصبح على علم بوحدة الحرب الخاصة في عام 1974 عندما اتصل به رئيس الأركان العامة آنذاك، الجنرال سميح سنكار، للموافقة على تخصيص أموال من الميزانية التقديرية لوحدة الحرب الخاصة.

وقيل له إن هذا يرجع إلى حقيقة أن الولايات المتحدة أوقفت تمويلها مؤخرًا كرد فعل على التدخل العسكري التركي في قبرص. وبعد تلقي إحاطة، حاول أجاويد الاستفسار بشكل أعمق عن طبيعة هذه المنظمة. لكن قيل له إنه "ليست هناك حاجة له ​​للنظر عن كثب في الموضوع". تم إعطاؤه معلومات تفيد بوجود عدد معين من الوطنيين المتطوعين، الذين ظلت أسماؤهم سرية ومشاركين مدى الحياة في هذا القسم الخاص.

أطلق اسم "أرغينيكون" على منظمة سرية وعلمانية وقومية متطرفة تربطها صلات مزعومة بأعضاء في الجيش وقوات الأمن في البلاد. يعتقد البعض أن المنظمة المحتملة هي جزء من "الدولة العميقة". وعلى الرغم من أن علاقتها بالهيئة الرسمية لوحدة الحرب الخاصة غير معروفة، فقد تمت الإشارة إلى منظمة أرغينيكون في عام 1997، خلال محادثة تلفزيونية حول الآثار السياسية لحادث سوسورلوك، حيث ادعى إيرول موتيسيملر، وهو ضابط سابق في البحرية ومحلل سياسي، أن الجنرال السابق، ممدوح أونلوتورك، أخبره ذات مرة أنه كان عضوًا في منظمة سرية تسمى أرغينيكون. وأضاف أونلوتورك أن أرغينيكون تعاونت بنشاط مع مقاتلين يمينيين في القتال بين الفصائل في السبعينيات. وأكد أن أرغينيكون تتكون من شبكة واسعة لا تتألف من ضباط عسكريين فحسب، بل تضم أيضًا أعضاء من الشرطة والقضاء والأوساط الأكاديمية والتشكيلات السياسية اليمينية.

وفي عام 2007، بدأ تحقيق رسمي حول أرغينيكون بادعاء أنها تنوي الإطاحة بحكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم بقيادة أردوغان. وفي المحاكمات التي بدأت في عام 2008، تم اتهام المئات من الأفراد المشتبه بهم، ليس فقط العديد من الجنرالات العسكريين المتقاعدين والعاملين وكبار الضباط، ولكن أيضًا الصحافيين والسياسيين والأكاديميين بمحاولة إثارة الاضطرابات الاجتماعية من أجل تمهيد الطريق لانقلاب الجيش.

وقد كشف التحقيق الأول عن صلات مزعومة بين هجوم مسلح على مجلس الدولة التركي في عام 2006 أسفر عن مقتل قاضٍ، وتفجير صحيفة علمانية، جمهوريت، وتهديدات وهجمات ضد أشخاص متهمين بأنهم غير وطنيين وحادثة سوسرلوك عام 1996، وكذلك باعتبارها روابط لخطط بعض الجماعات في القوات المسلحة التركية للإطاحة بالحكومة الحالية.

ووفقًا للتحقيق، كان لمنظمة أرغينيكون دور أيضًا في مقتل هرانت دينك، الصحافي البارز من أصل أرمني، والكاهن الإيطالي الأب أندريا سانتورو في فبراير 2006، والقتل الوحشي لثلاثة مسيحيين، بينهم مواطن ألماني، قُتلوا في محافظة ملاطية في أبريل 2007.

وبحسب لائحة الاتهام الرسمية لأرغينيكون، فإن "شبكة أرغينيكون" كانت على تقاطع ثلاث عمليات تاريخية: الأولى هي دور الجيش في السياسة التركية وتدخلاته المباشرة أو غير المباشرة في الطيف السياسي الذي يعود تاريخه إلى ثورة 1908 و الدور الذي خصصه الجيش لنفسه باعتباره الحارس النهائي للديمقراطية التركية "العلمانية" بعد تأسيس الجمهورية في عام 1923.

ثانيًا، كانت إرغينيكون متجذرةً في تقليد إنشاء شبكات "الدولة العميقة"، أقدمها مجموعات الفدائيين (الحارس الشخصي) عام 1905 والتي تم تنظيمها لاحقًا تحت إشراف "منظمة خاصة" عام 1914، التي تأسست على يد ضابط عسكري عثماني وقائد ثورة تركيا الفتاة عام 1908، أنور باشا، كمنظمة شبه عسكرية سرية تحت سيطرة الدائرة المقربة من لجنة الاتحاد والتقدم التابعة لوزارة الحرب. ولعبت دوراً رئيسيا في مذبحة الأرمن 1915-1916.

وأخيرًا، يجب فهم هذه الشبكة من منظور الناتو: فمنذ انضمام تركيا إلى الناتو في عام 1952 وإنشاء الفرع التركي من "الجيوش السرية" لحلف شمال الأطلسي، انخرطت الشبكات السرية العاملة داخل جهاز الدولة والأمن في قتال شبه عسكري في حالات الغزو الشيوعي.
وأثناء التحقيقات، كان رئيس الوزراء آنذاك أردوغان هو من كان صريحًا في إعلان نفسه المدعي العام لهذه القضايا. كان قطاع عريض من المجتمع التركي مقتنعًا بشكل عام بأن محاكمات أرغينيكون تمثل ضربة قوية لعناصر الدولة العميقة ووصفها بعملية "تطهير القرن". وفي أغسطس 2008، أعلن 300 مثقف من تركيا دعمهم للتحقيق ودعوا جميع المؤسسات المدنية والعسكرية إلى تعميق التحقيق من أجل الكشف عن بقية الأشخاص المرتبطين بأرغينيكون.

ومع ذلك، ضعفت هذه الموجة الأولية من التفاؤل في النهاية وبدأ العديد من الناس في انتقاد الطريقة التي يجري بها تحقيق إرغينيكون، مستشهدين على وجه الخصوص بالتنصت على المكالمات الهاتفية في انتهاك لقوانين الخصوصية، وجمع الأدلة بشكل غير قانوني. لطالما كان التورط المزعوم لجماعة دينية متهمة بتدبير محاولة الانقلاب عام 2016، وهي حركة غولن، في مؤامرة أرغينيكون مسألة نقاش، والتي وصفها المنتقدون بأنها "ذريعة" من قبل الحكومة "لتحييد المعارضين" في تركيا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/deep-state/historical-roots-turkeys-clandestine-networks-and-erdogans-authoritarianism-ii