صناعة الإرهاب: بماذا يختلف أردوغان عن بن لادن؟

أنقرة - تعود صورة الإرهاب إلى الواجهة ويتداخل فيها ما هو سياسي وما هو إيديولوجي، ولكنها تلتقي عند نقطة واحدة وهي قضية الرؤوس والرموز التي كرّست الإرهاب وأصبحت عنوانا له.

لقد كانت التجربة المريرة التي مر بها العالم خلال العقود الأربعة الماضية، والتي رسخت مبادئ تنظيم القاعدة الإرهابي، وشهد العالم مذابح لم يسبق لها التاريخ، كما عاش العالم اضطرابا كبيراُ، إذ وضعت دول العالم أجمع الإرهاب في مقدمة التحديات الكبرى.

المآسي الكبرى التي عصفت بالعالم أجمع كان تنظيم القاعدة الإرهابي وإيديولوجيا اسامة بن لادن يعززان فيها نزعة تدميرية لا حدود لها، لكن ما شاهدناه بعد أفول نجم تنظيم القاعدة بتصدي كل دول العالم لذلك الوباء تبعه تبني مبادئ التنظيم وانتقال الوباء تحت ظل الأزمة السورية التي اندلعت في العام 2011.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بعد قرابة عقد من الزمن على اندلاع الأزمة السورية هو من الحاضن لتلك الإيديولوجيا مستغلا كارثة الحرب الأهلية السورية؟

لقد تصدر المشهد في الاستثمار في الكارثة السورية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي كان بالأمس يرتبط بعلاقة ودية مع الرئيس السوري بشار الأسد وإذا به ينقلب عدوا لدودا له، بل إنّه ذهب إلى ما هو ابعد وهو جعل هدف إسقاط النظام السوري والتمدد في الأرض هدفا استراتيجيا أساسيا له.

كان أردوغان في أمسّ الحاجة إلى أدوات تمنكه من الوصول إلى أهدافه ولهذا كان على أردوغان أن يتبع استراتيجية  تدميرية بالغة الخطورة على السلم العالمي وتتمثل بما يلي:

التساهل وتشجيع بث الأفكار الإرهابية التي أساسها فكر تنظيم القاعدة، ثم فكر ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) ثم فكر تنظيم جبهة النصرة.

- جذب أخطر العناصر الإرهابية للنهل من هذه الإيديولوجيا على الأرض التركية، وبإشراف المخابرات التركية، حيث كانت أجهزة المخابرات التركية، وعلى مدى سنوات الصراع على الأرض السورية تستقبل المئات من عتاة الإرهابيين من أنحاء العالم.

الإشراف المباشر على إعداد وتدريب وتجهيز العناصر الإرهابية القادمة من كل انحاء العالم ونقلهم من تركيا إلى المدن السورية وتعزيز تنظيم داعش والنصرة بالسلاح والرجال والمال.

السماح للعناصر الإرهابية ان تعقد اجتماعاتها على الأرض التركية وتعقد حلقات غسيل الأدمغة للقادمين الجدد.

- التغطية على كل هذه الممارسات بلصق صفة الإرهاب بأشخاص خارجين عن القانون وهم كل من لا يوالون نظام أردوغان وما قدمه من دعم مزعوم للثورة السورية.

لقد أسست المخابرات التركية وبناءً على توجيه مباشر من أردوغان وإشراف مباشر منه قاعدة إرهابية عريضة تدين لها بالولاء، ولم تكن خطورتها بأقل لامن خطر تنظيم القاعدة في أوج صعوده.

لقد كان الفارق بين الحالتين أنّ ابن لادن كان زعيم تنظيم إرهابي مطارد في كل أنحاء العالم ويختبئ في الكهوف ما بين افغانستان وباكستان حتى تصفيته مؤخرا من قبل قوات خاصة تابعة للولايات المتحدة، أما بالنسبة لأردوغان فلم يكن إرهابيا مطاردا، بل كان وما يزال إرهابيا ويقود إرهابيين ولكن تحت صفة رئيس دولة.

لقد كرس أردوغان خلال سنوات حكمه وانغماس أذرعه المخابراتية في العمل مع التنظيمات الإرهابية مفاهيم شاذة في السياسة الدولية، ومن ذلك تسخير إمكانات الدولة للقيام بعمليات الغزو والملاحقة على أراضي الغير كما حصل من قتل وتدمير وتخريب واغتيالات نفذتها جميعا أذرع أردوغان العسكرية والمخابراتية سواء في العراق او سوريا ولاحقا في ليبيا.

ونعود الى السؤال الإشكالي الخطير عن صناعة الإرهاب وكما أشرنا ان الفارق بين الحالتين، ما بين حالة ابن لادن وأردوغان، أنهما يلتقيان في الهدف والأداة والإيديولوجيا مع أن تمرير كل ذلك كان مباشرا بالنسبة ابن لادن، أما بالنسبة لأردوغان فيمر عبر قنوات عدة ويصطبغ بشتى الحالات لكي يمر بسهولة ويصل إلى أهدافه ومراميه.

كان تنظيم القاعدة الارهابي ينفذ أهدافه التدميرية ويعلن عنها مباشرة باسمه وأسماء جماعاته الإرهابية المبثوثة في أنحاء العالم، أمّا بالنسبة لأردوغان فإنه كان يستخدم منفذين بالإنابة، هم الذين كانوا يقومون بالعمليات الإرهابية، وحتى تلك التي تم تنفيذها في داخل تركيا، وتم إلصاقها بالتنظيمات الكردية تارة، وبجماعات يسارية متطرفة تارة أخرى، وذلك في مخطط محكم كان يبدو فيه أردوغان شاهدا ومنددا بالإرهاب والإرهابيين بينما كانت أذرعه وجهاز مخابراته تمضي في تنفيذ تلك الأجندة إلى نهاياتها.

ومما لا شك فيه أن الأدلة التي تؤكد ذلك الانغماس الخطير لأردوغان في نشر الإرهاب في عموم الساحات التي تتاح له ولأجهزة مخابراته التواجد فيها أكثر من واضحة، لكن السياسة التي اتبعها أردوغان في الابتزاز والتصعيد والمساس بثوابت الجغرافيا السياسية، والتهديد بإرسال الإرهابيين إلى أيّ بلد يشاء، كل ذلك كان كافيا للصمت أو التغاضي عن السلوك الخطير لأردوغان وأجهزته، وهو ما يجب أن يتنبه له العالم اجمع قبل فوات الأوان، ذلك أنّ إطلاق يد أردوغان في بث الإرهاب سوف يدمر السلم العالمي، لأنه صار ينتقل من إرهاب أفراد وجماعات كما هي حالة ابن لادن إلى إرهاب دولة وجهاز مخابرات تحت إمرة أردوغان.