سعوديون يُذكّرون تركيا بمن قصف الكعبة وأحرق أستارها

لندن / إسطنبول / الرياض – فيما تتعالى اليوم أصوات كثيرة تدعو لإعادة كتابة تاريخ العثمانيين في المنطقة باعتباره "غزواً واحتلالاً"، ما زال موقع "تويتر" يشهد سجالاً حادّاً بين سعوديين وأتراك بشأن ما تحدثت عنه "أحوال تركية" في تقرير لها قبل نحو أسبوع بعنوان "لماذا لا تُعيد تركيا "حجر الجنة" والأمانات المُقدّسة؟" تناولت فيه ما أوردته وكالة أنباء الأناضول من معلومات حول قطع من "الحجر الأسود" ما زالت موجودة في تركيا، على غرار "الأمانات المقدسة" التي نقلتها أيضاً الدولة العُثمانية في آخر أيّامها بحجة حمايتها.
وحول ذلك، كان الأمير السعودي سطام بن خالد آل سعود، قد علّق بتغريدة له "أليس كان من باب أولى إعادة أجزاء الحجر لأسود لمكانها الطبيعي، أليست هي ملك لجميع المسلمين، ألا تعتبر هذه الأعمال هي سرقة، تخيل معي أن من قام بهذه الأفعال أحد حكام الدولة السعودية لرأيت الإخوان ومن معهم يصيحون وينوحون بكل مكان ويتباكون على هذه الأجزاء، لكنهم الآن لا صوت لهم".
وهو ما استدعى ردّ بعض الكتاب الأتراك، الذين لم يُعطوا جواباً لتلك التساؤلات المشروعة، بل حاولوا التمويه واختلاق الجدل حول مسائل أخرى، دون أن يتمكنوا من تبرير ما قام به سلاطين آل عثمان.
بالمقابل، تحدّث الدكتور طلال الطريفي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عن قصة قصفت الحاميات التركية للكعبة وإحراقها أستارها، مشيرًا إلى أن ذلك تمّ في الوقت الذي قرر فيه أهل مكة الانتفاضة بوجه الدولة العُثمانية، وفقاً لما أوردته صحيفة "المرصد" الإلكترونية التي يرأس تحريرها مشعل العريفي.
وفي برنامجه "العصملي" عبر تويتر ويوتيوب، قال الطريفي: "لم يكن عام 1334هـ عامًا طبيعيا في تاريخ المسلمين، بل لم يكن طبيعيًا في تاريخ اختلافاتهم، فهو عام ترى فيه الأفعال تدل على ما في الصدور، صدور العثمانيين الذين حكموا فطغوا وتجبروا على من سكن الجزيرة العربية، وعلى كل من أراد أن يخرج من عباءة التصوف والتتريك التي لا تليق بمقاسات العقول الحرة".
وتابع "شهد ذلك العام اشتباكات بين الحاميات التركية وأهل مكة، وقامت الحاميات بقصف بيوت الأهالي بالمدافع، وامتدت خروقات الحاميات التركية حتى وصلت للكعبة حيث سقطت قذيفة بجوارها، ولم يكتفوا بذلك وأطلقوا قذيقة أخرى أحرقت ستائر الكعبة".
وأضاف "تسلق المصلون الكعبة ليطفئوا النيران، وجلبوا الماء وأغاثوا المصلين ونقلوا الموتى، فلما فرغوا من إدراك البيت الحرام من النار رمى الأتراك ثلاثة قنابل أخرى بجوار المقام، لتثبت جريمتهم، هم يقولون إما نحن أو لا شيء حتى ولو كانت الكعبة".
وفي كتاب الاعتداء على الحرمين يصف كل من الدكتور سعد بن حسين والدكتور عبد المنعم إبراهيم ما حدث، بالقول إنّ البيت العتيق أصيب بقنبلتين من مدافع الأتراك إحداهما فوق الحجر الأسود بذراع ونصف، والأخرى بثلاثة أذرع، ويكملان وحين انطفأت النيران ألقى الاتراك قنبلة ثالثة بجوار المقام".
وفي تقرير لها نشرته قبل أيّام، كانت وكالة أنباء الأناضول التركية الحكومية، ذكرت بأنّ "مسجد صقللي محمد باشا" في إسطنبول، يستضيف منذ خمسة قرون 4 قطع من الحجر الأسود الموجود في الكعبة المشرفة "الذي يعتبر موضع إجلال في الدين الإسلامي ويعتقد أنه نزل من الجنة في مكة المكرمة.. أثناء بناء الكعبة المشرفة من جبل أبو قبيس"، دون أن تتحدث عن موعد انتهاء تلك الاستضافة (وليس السرقة) وفقاً للتسمية التركية.
وفي تبريرها لما يُمكن أن يُطلق عليه "عملية نهب وسرقة"، قالت الأناضول إنّ أجزاء من الحجر الأسود انكسرت لاحقًا بفعل الزمن، وهو ما استدعى "حرص السلطان العثماني سليمان القانوني على إحضار تلك الأجزاء المكسورة إلى إسطنبول" وهو ما ذكره أيضاً مفتي منطقة الفاتح في إسطنبول، حسين باش.
ويوضح المفتي أن الحجر الموجود في "مسجد أدرنة" ليس جزءًا من الحجر الأسود بل هو جزء من الركن اليماني، وهو الزاوية الجنوبية للكعبة المشرفة المطلة على اليمن.
وتمّ وضع قطع الحجر الأسود الأربع ضمن إطارات ذهبية وسط الألواح الرخامية الموجودة على مدخل مسجد مسجد صقللي محمد باشا، وأعلى المحراب، وفوق مدخل المنبر، وتحت قبة المنبر.
وتقول الأناضول إنّ "الجزء الأكبر من أجزاء الحجر الأسود الموجودة في تركيا موضوع فوق باب مدخل ضريح السلطان سليمان القانوني مجمع السليمانية، وخلال شهر رمضان، يستطيع الزوار مشاهدة قطع من الحجر الأسود المحفوظة منذ 5 قرون في مسجد صقللي محمد باشا".
ويشدد باش على أنّ "صحيح أن هذا الحجر هو موضع إجلال لدى المسلمين، لكن ليس من الصواب ممارسة شعائر ومناسك الحج أو العمرة في الأماكن التي تحتوي على أجزاء من الحجر الأسود، لأن الأصل في ممارسة تلك المناسك هو مكان الكعبة المشرفة، وليس الحجر الأسود".
يُذكر أنّه في نوفمبر الماضي، احتفت حكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم في تركيا بمرور 72 عاماً على وفاة القائد العثماني فخر الدين باشا، الذي قالت إنّ لقبه "نمر الصحراء"، وزعمت شهرته بما وصفته "دفاعه البطولي" عن المدينة المنورة في وجه القوات البريطانية.
وفي 30 أكتوبر 1918 وقّعت الدولة العثمانية "هدنة موندروس" وانسحبت من الحرب العالمية الأولى، ولاحقاً أعلن فخر الدين باشا في 13 يناير 1919 هزيمته لينتهي الحكم التركي بذلك في المدينة بعد أن استمر 400 عام.
ويتهم المؤرخون فخر الدين باشا بسرقة أموال سكان المدينة المنورة وخطفهم وترحيلهم إلى الشام وإسطنبول، وسرقة أغلب مخطوطات المكتبة المحمودية ونقلها إلى تركيا. كما قام بنقل "الأمانات المقدسة" من المدينة المنورة إلى إسطنبول، حيث تُعرض اليوم بعض القطع منها في قصر توبقابي الشهير.
ويصف مؤرخون للتاريخ العثماني ما حصل في المدينة المنورة بأنه "نهب وسرقة" من قبل الاحتلال العثماني وليس كما يدعى الأتراك "حماية للأمانات"، حيث تمّ الاستيلاء على مقتنيات الحجرة الشريفة.
وتكشف إحصاءات أن عدد القطع المسروقة يفوق 2320 قطعة بحسب جداول التقرير العثماني عام 1908، وهي تضم مصاحف أثرية، ومجوهرات، وشمعدانات ذهبية، وسيوفا ولوحات مرصعة بالألماس، إضافة للقطع المتعلقة بالرسول الكريم: بردته، ورايته الحمراء، ومكحلته، ونعله، وخصلة من شعره.
يُذكر أنّ السعودية أجرت العام 2019، تعديلات حديثة في المناهج الدراسية تتعلق بنشأة الدولة العثمانية حيث باتت تصفها بأنها "غازية" بعد أن كانت تُطلق عليها دولة "الخلافة العثمانية" في المناهج السابقة. وكشفت تلك المناهج عن "تعذيب العثمانيين لأئمة الدولة السعودية الأولى وتهجير سكان المدينة ومنطقة الأحساء".
كانت محافظة القاهرة قد قرّرت حذف اسم السلطان سليم الأول العام 2018 من أحد شوارعها بمنطقة الزيتون باعتبار أنّه لا يصح إطلاق "اسم مستعمر" على أحد شوارع البلاد خاصة أنّه كان مسؤولاً عن قتل آلاف المصريين، فيما قامت أمانة منطقة الرياض في المملكة العربية السعودية في 2019، بإزالة اسم ثاني من حمل لقب الخلافة من آل عثمان السلطان "سليمان القانوني" من أحد شوارعها، والذي كانت فترة حُكمه الأطول في العهد العثماني، إذ استمرت 46 عاماً.