سوريا والإمارات، العمل الإنساني يتجاوز الحسابات السياسية الضيّقة

 

باريس / عبدالناصر نهار - تحت وطأة الظروف والتدابير القاسية التي يفرضها تهديد وباء فيروس كورونا العدو المشترك للجميع، والتحدّيات التي تواجهها الحكومات والشعوب في شتى أنحاء العالم، جاء الاتصال الهاتفي من قبل الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، مساء الجمعة، مع الرئيس السوري بشار الأسد، في مُبادرة تضامن وانحياز إماراتية للإنسانية والعروبة على حدّ سواء، مُعلنة عن ضرورة إغلاق كل الملفات ووضع استراتيجية موحدة لحماية الإنسان أولاً وأخيراً.
وفيما انكشفت اليوم الكثير من الدول العُظمى بزيف مبادئها ورسائلها مُتخلية عن واجباتها تجاه دول أخرى مُنهكة اقتصادياً وتكاد تخرج من ورطة حروبها الداخلية، مُتخذة من شعار "نحن أولاً" استراتيجية لها، جاءت سياسة الإمارات في قمة المسؤولية تجاه الإنسانية والعالم، وهي التي سبق وأن أرسلت الدعم الطبي لإيران واستضافت الطلبة العرب والأجانب من ووهان الصينية بعد أن تخلى العالم عنهم، وقدّمت المُساندة حتى للدول المُتقدمة.
أنور قرقاش، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، قال في تغريدة له إنّ "الظروف الاستثنائية المرتبطة بفيروس كورونا تتطلب خطوات غير مسبوقة، وتواصل الشيخ محمد بن زايد بالرئيس السوري هذا سياقه، البعد الإنساني له الأولوية وتعزيز الدور العربي يعبر عن توجه الإمارات، خطوة شجاعة تجاه الشعب السوري الشقيق تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة".
صحيفة البيان الإماراتية، وتحت عنوان "أبشري يا سوريا"، كتبت في افتتاحيتها تقول إنّ محمد بن زايد يُترجم اليوم ما دعا إليه في وقت سابق من ضرورة توحّد الجهود العالمية وتضامنها، في مواجهة هذا العدو الشرس (وباء كورونا)، ويُقدّم للقريب والبعيد نموذج التعاون والتضامن اللازم في هذه اللحظة.
وأضافت مُتسائلة أن دولة الإمارات التي أغاثت في الغرب والشرق، فكيف لا تغيث سوريا؟ إذ لا اعتبار الآن لمواقف سياسية أو حرب اقتصادية وتجارية، كل ذلك يتراجع أمام التحدي الذي يواجه الإنسانية. وأكدت البيان أنّه، وبقدر ما لهذه الرسالة من معانٍ سياسية، فإنها في بعدها الأول إنسانية خالصة، لا مجال فيها لتأويل أو تفسير سوى الوقوف مع الأخ والشقيق والصديق.
وفي الوقت الذي ما زالت فيه دول العالم تبحث عن حلول وتدابير لا تتجاوز حدود أراضيها، جاء اتصال الشيخ محمد بن زايد آل نهيان مع الأسد لبحث الإجراءات الاحترازية المتخذة في البلدين للتصدي لهذا الوباء وإمكانية مساعدة ودعم سوريا في هذا الصدد.
وأكد الشيخ محمد بن زايد ضرورة أن تسمو الدول فوق المسائل السياسية في هذه الظروف الاستثنائية وتغليب الجانب الإنساني في ظل التحدي المشترك الذي نواجهه جميعا. وشدّد على أن سوريا البلد العربي الشقيق لن يكون وحده في هذه الظروف الدقيقة والحرجة.
من جانبه، رحب الرئيس السوري بمبادرة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، مُثمناً "موقف دولة الإمارات العربية المتحدة الإنساني في ظل ما تشهده المنطقة والعالم من هذا التحدي المستجد، وأكد ترحيبه بهذا التعاون خلال هذا الظرف، وأشاد بهذه المبادرة بكل معانيها السامية".
واتخذت دولة الإمارات إجراءات احترازية ووقائية استباقية فاعلة للحدّ من انتشار فيروس كورونا المُستجد، وفقاً لأعلى المعايير الصحية العالمية، وتبنّت استراتيجية متكاملة أثبتت نجاحها في المحافظة على أداء جميع القطاعات بمنأى عن التأثيرات السلبية، وشكّل تضافر جهود جميع الجهات في الدولة والوعي المُجتمعي خط الدفاع الأول في تحصين وسلامة المجتمع.
ونجحت الإمارات في تضييق مساحة انتشار فيروس كورونا إلى أقصى حدّ ممكن، ولم تُسجّل فيها لغاية اليوم سوى حالتي وفاة بالفيروس رغم مرور شهرين على الإعلان عن أول حالة إصابة على أراضيها، وذلك بفضل الشفافية الحكومية والاستعدادات المُبكّرة في القطاع الصحي الذي أثبت كفاءته العالية.
صحيفة "العرب اللندنية" واسعة الانتشار، عنونت اليوم في تقرير لها على صفحتها الأولى "دعم الإمارات لسوريا في أزمة كورونا.. البُعد الإنساني أكبر من الخلافات السياسية"، وقالت إنّ الاتصال الذي أجراه ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان مع الرئيس السوري بشار الأسد، عكس رؤية إماراتية تقوم على اعتبار أن الهدف من أيّ علاقات هو الشعوب وأن الخلافات السياسية يجب أن توضع جانبا في حال أزمة مثل هذه.
ووصف مراقبون الخطوة الإماراتية بأنها تعكس مبادئ السياسة الخارجية للإمارات، والتي تقوم على فصل الخلافات السياسية بشأن أيّ ملف عن البعد الإنساني بما يعنيه من حق الشعوب في الحصول على الدواء والغذاء وعدم تركها تواجه الأزمات لوحدها، خاصة في بلد مثل سوريا، حيث استنفدت الحرب إمكانيات الدولة.
وبالتأكيد فإنّ موقف أبوظبي اللافت الذي حاز تقديراً داخل وخارج سوريا، كما في الداخل الإماراتي، لم يسلم من تفسيرات سياسية ذات أبعاد جغرافية، بالتزامن مع صعود أوراق جديدة على الصعيدين الإقليمي والدولي، خاصة وأنّ اختيار الكشف علناً عن الاتصال الهاتفي جاء تتويجاً للتحوّلات الجذرية التي شهدتها العلاقات بين سوريا والإمارات، والانفتاح العربي عموماً على دمشق، في العام الأخير بشكل خاص، الأمر الذي تمّ تفسيره أيضاً على أنّه قرار خليجي نهائي بعودة العلاقات مع سوريا وإعادة عضويتها لجامعة الدول العربية.
وسبق أن أكدت دولة الإمارات في مناسبات كثيرة على دور عربي في سورية سواء سياسيا أو أمنيا، مُشيرة إلى أنّ قرار إعادة فتح السفارة في دمشق نهاية ديسمبر العام 2018، إنما هو "لإعادة سورية إلى حضنها العربي"، وأعقب ذلك تبادل واسع لزيارات رجال الأعمال بين البلدين.
بالمقابل أبدت وسائل إعلام قطرية وتركية امتعاضها الشديد المتوقع من المبادرة الإماراتية التي فسّرتها على نحوٍ مُختلف يُوافق أهوائها السياسية وخطابها الإسلاموي، فجاء خبر قناة الجزيرة مثلاً بعنوان "بذريعة احتواء كورونا.. أول اتصال علني بين محمد بن زايد وبشار الأسد منذ 2011"، كما أعربت وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية في تقرير لها عن استيائها من الاتصال الهاتفي واصفة ذلك بأنه يأتي في سياق دعم دمشق ضدّ المعارضة المسلحة (المُتشدّدة)، المدعومة من أنقرة والدوحة.
يُذكر أنّ الانفتاح العربي الإيجابي على دمشق شهد مُبادرات لافتة مؤخراً من قبل كل من مصر والبحرين وحتى السعودية التي تردّدت أنباء عن تحضيرات تُجريها لإعادة فتح سفارتها في دمشق، فيما تمّ افتتاح السفارة الليبية في العاصمة السورية من قبل حكومة الجيش الوطني الليبي بقيادة المُشير خليفة حفتر، مع توقعات بزيارات قريبة يقوم بها كل من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون لسوريا من بوابة التضامن والدعم في حربها ضدّ الإرهاب.
وكانت الجامعة العربية قررت في نوفمبر 2011، وبتحريض قطري، تجميد مقعد سوريا، وفي مارس 2012 قرّر مجلس التعاون الخليجي سحب سفراء الدول الست من سوريا.
بالمقابل تشهد اليوم العلاقات التركية مع غالبية الدول العربية توتراً مُتزايداً نتيجة تدخل الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان في الشؤون الداخلية لتلك الدول سياسياً وعسكرياً ودينياً، والذي لم يبقَ له حليف واضح في المنطقة باستثناء أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني المُقاطع خليجيا وعربيا لدوره في دعم الإرهاب، بالإضافة لبقايا فلول تنظيم الإخوان المُسلمين في بعض الدول.
يُذكر أنّ دولة الإمارات اعتبرت العملية العسكرية التركية المُسمّاة "نبع السلام" أكتوبر الماضي، تعدّياً سافراً على وحدة الأراضي السورية بما يُقوض جهود مكافحة الإرهاب، وحذّرت من تغيير ديموغرافي جراء الحرب التركية على شمال سوريا، وهو ما أثار استياءً واسعاً من قبل أنقرة وحزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم.