تاريخ وضع الدستور بين الإمبراطورية العثمانية والغرب

كانت المجتمعات التي توافقت على وضع الدستور هي نفسها التي تمكنت من حل مشكلاتها القديمة بشكل كبير، وتعبئة طاقاتها الاجتماعية نحو النهوض والتنمية. أما تركيا، فكان الوضع على النقيض من ذلك تماماً؛ إذ عجزت طوال ما يقرب من 143 عاماً عن صياغة دستور يحظى بالتوافق، ويعيش المجتمع في كنفه في مناخ من المصالحة والسلام. 

ولم يشهد المجتمع التركي، خلال فترة الربيع الكاذب هذه، أي توافق بشأن الاختلافات الموجودة في المجتمع. ولأن الحكومات لم تكن تأخذ المشاركة الاجتماعية بعين الاعتبار في عملية وضع الدستور، لذا فقدت النصوص الدستورية شرعيتها المجتمعية، بل وأصبح عدم الامتثال للوائح الدساتير فيما يتعلق بالحقوق والحريات عادة طبيعية دأب عليها كل من قاموا بوضع الدستور خلال تلك الفترة.

وفي الوقت الذي أخذت فيه الأخلاق السياسية تنزوي جانباً، ويحل التعسف وممارسات الدولة البوليسية مكان الثقة في القانون، انشغل مديرو النقابات بتقاسم السلطات، والمصالح مع السلطة، تاركين المواطنين يتقلبون فوق نيران معدلات التضخم المرتفعة.

وكان ارتفاع معدلات البطالة إلى أقصى مستوى لها، وهبوط القوة الشرائية للمواطنين وكساد الاقتصاد، إيذاناً بأن الوقت قد حان لإعادة البناء من الصفر.

كان واضحاً خلال تلك الفترة، التي اجتمعت فيها عوامل الانهيار السياسي والقانوني والاقتصادي، أن هناك حاجة للتوافق حول عقد اجتماعي جديد، بعيداً عن مؤشرات الماضي.

سينشغل جدول أعمال تركيا خلال المرحلة المقبلة بمناقشات حول وضع دستور يحظى بالتوافق. لهذا السبب، سأخصص بعض المقالات للمساهمة في النقاشات الدائرة حول هذا الموضوع.

أعتقد أنه سيكون من المناسب المقارنة بين عملية وضع الدستور في الغرب وفي الدولة العثمانية؛ حتى يتسنى الوقوف على سبب وجودنا في هذه المرحلة، دون التطرق إلى الطريقة التي سيتم بها وضع الدستور أو محتواه.

تقوم الدساتير في أصلها، باعتبارها مفهوماً يعود في أصله إلى الغرب، على مطالبات شعبية تدعمها تحركات برلمانية لتنظيم الحقوق والحريات. كان أول إعلان للحقوق والحريات هو ما أُطلق عليه اسم "الماجنا كارتا" أو "الوثيقة العظمى" في إنجلترا، وهو عبارة عن وثيقة إنجليزية صدرت عام 1215، وقبل بها ملك إنكلترا في ذلك الوقت.

ووفقًا للمادتين 12 و 14 من شروط الحرية، كما وردت "الوثيقة العظمى"، لا يمكن للملك أن يُحصِّل ضرائب جديدة من الأمراء الإقطاعيين إلا بموافقتهم. وتنص المادة 39 على عدم السماح للملك بإلقاء القبض على أشخاص أحرار أو مصادرة ممتلكاتهم أو نفيهم دون أمر من المحكمة. وتتيح المادة 41 للتجار حرية ممارسة أعمالهم التجارية.

وفي عام 1628 قيدت وثيقة أخرى تعرف باسم "التماس الحقوق" عملية فرض الضرائب بقانون يصدر في هذا الشأن، كما أتاحت وثيقة "حق المثول" في عام 1679 ضمانة قانونية ضد كافة عمليات الاعتقال التعسفية ضد المواطنين الإنكليز. 

وفي حين زادت وثيقة الحقوق (إعلان الحقوق الإنكليزي)، التي صدرت عام 1689، من سلطة البرلمان في مواجهة الملكية، قيَّد قانون التسوية عام 1701 من سلطات الملك على البرلمان.

كان الهدف المشترك من هذه النصوص، التي كانت بعيدة، كل البعد، عن الاعتبارات الأيديولوجية، هو توسيع مجال الحرية السياسية عبر زيادة صلاحيات البرلمان من ناحية، وضمان حماية الحقوق والحريات ضد جميع المؤسسات، لا سيما الملك، من ناحية أخرى.

وبمساعدة كل هذه الوثائق والأجهزة القضائية، ظهر القانون المشترك، الذي يطلق عليه أيضاً اسم القانون العام. ومنذ ذلك التاريخ، اعتبرت السلطات السياسية أن الامتثال للقانون العام واجباً لا يمكنها أن تحيد عنه. وقد أدَّى القضاة والمحامون البريطانيون دورًا مهمًا للغاية في ظهور الحريات في إنكلترا وتطورها وحمايتها.

وفي حين كان القضاة في البلدان الأوروبية، وخاصة في فرنسا، موظفين شبه مدنيين، كان القضاء في إنكلترا هيئة قوية لها سطوتها. عرف القضاة والمحامون كيف يحمون حقوق المواطنين وحرياتهم.

لم تعانِ إنكلترا في هذا الإطار من مشكلة في تنظيم الحريات، وكان شاغلها الأكبر هو كيفية حماية هذه الحريات، لهذا السبب كانت الحريات من المفاهيم الشائكة دائما في إنكلترا. 

ونتيجة للتطورات التي شهدتها إنكلترا في ذلك الوقت، لم يتم وضع دستور مكتوب. وعلى الرغم من كافة النقاشات التي دارت في إنكلترا في السنوات الأخيرة حول وضع دستور مكتوب، إلا أن القانون العام كان قادرًا، حتى الآن، على ضمان حقوق المواطنين البريطانيين وحرياتهم.

والحقيقة هي أن أولئك الذين وضعوا أقدامهم في أمريكا، وخاصة المهاجرين من إنكلترا، قد ذهبوا إلى هناك بمعتقداتهم المتشددة. وهذا يعني أنهم يعتقدون أن الله خلقهم أحراراً كسائر المخلوقات الأخرى.

وعلى الرغم من أن الوثائق البريطانية قد أثرت، بشكل كبير، على أميركا، إلا أنه سرعان ما حملت الوثائق الأميركية طابعاً عالمياً جعلها تترك تأثيرها على الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان وحقوق المواطن.

اقترح الكونغرس، في إعلانه الصادر في مايو 1776، أن تقوم كل ولاية بصياغة دستورها الخاص، وكانت ولاية فرجينيا هي أولى الولايات التي التزمت بالإعلان، ووضعت دستورها الخاص، الذي أضافت إلى ديباجته وثيقة الحقوق.

كما كرر الكونغرس الأميركي، إلى حد كبير، نفس المواد الثلاث الأُول من وثيقة الحقوق الخاصة بولاية فيرجينيا في وثيقة إعلان استقلال أميركا عن التاج البريطاني في 4 يوليو عام 1776، التي أُعلن خلالها استقلال أميركا، وقطع الولايات الأميركية كافة علاقاتها السياسية بإنكلترا.

وقد تضمنت ديباجة إعلان الاستقلال الأميركي، الذي كُتبت في الرابع من يوليو عام 1776، عبارات أكدت على الحقوق الطبيعية للمواطنين، التي لازمتهم منذ مولدهم. 

"خُلِقَ الناسُ متساوين. لقد منح الخالق لكل إنسان مجموعة من الحقوق التي لا يمكن لأحد أن يسلبهم إياها. من هذه الحقوق: الحق في العيش والحرية والبحث عن السعادة. الشعب هو مصدر السلطات، والحكومات مكلفة من قبل الشعب بحماية هذه الحقوق".  

كان هذا الإعلان هو الأساس الذي قام عليه دستور ولاية فيلادلفيا الأميركية. وتتألف ديباجة دستور 1787 من 7 مواد و 27 تعديلًا تشريعيًا؛ كانت المرجع الأساسي للدستور حتى  جون لوك.

"ولد الناس أحراراً، وهم يتمتعون ببعض الحقوق التي لا يمكن لأحد أن يسلبهم إياها، كما لا يمكن حرمانهم من المشاركة في المجتمع". 

السلطة في أميركا هي المؤسسة التي تحمي حقوق المواطنين.

وبالإضافة إلى ذلك وضع الدستور أيضًا النظام الفيدرالي الأميركي، بما يضمن حقوق الولايات واستقلاليتها.

كان يهيمن على السلطة في فرنسا قبل عام 1789 حكم ملكي مطلق. وكما هو الحال في إنكلترا والولايات المتحدة، لم يكن أحد يستفيض في الحديث عن الحريات في فرنسا لعدم وجود إعلانات حقوق خلال هذه الفترة، ولكن بعد انطلاق الثورة، أعلنت الجمعية التأسيسية الوطنية إعلان حقوق الإنسان والمواطن، الذي تأثر بإعلان الاستقلال الأميركي.

ووفقاً للإعلان، فإن الحقوق الطبيعية مقدسة، ولا يمكن المساس بها أو مصادرتها. وتتحمل الدولة مسؤولية الحفاظ على هذه الحقوق.  

 وبذلك كان القاسم المشترك بين الوثائق والدساتير التي ظهرت في البلدان الثلاثة هو أنها تناولت الحرية باعتبارها مفهوماً يرتبط بجوهر الإنسان، ولا يمكن نزعه منه، كما لا يمكن للسلطة السياسية مصادرة الحريات أو حتى محاولة المساس بها. كانت الحرية موجودة قبل ظهور الحكومات، ومهمة السلطة السياسية هي توفير الأمن القانوني لضمان حصول المواطنين على حقوقهم، والعيش بحرية.

أما في الإمبراطورية العثمانية، فقد كان الوضع مختلفاً؛ إذ لم يكن هناك وجود للحديث عن عقيدة محددة لحقوق الإنسان، قائماً على ضمان الحريات؛ فلم تبدأ الإمبراطورية تعي أهمية الإنسان إلا في منتصف القرن التاسع عشر فحسب.

ومن المؤكد أن تقييد حدود السلطة السياسية قد بدأ في البداية في الغرب. وبانطلاق ثورة عام 1879 بدأ تطبيق مبادئ المساواة أمام القانون. ومع ثورة 1848 تم إقرار مبادئ المساواة الاقتصادية كذلك. وعلى الجهة المقابلة، لم نسمع مبادئ حقوق الإنسان في الدولة العثمانية إلا في منتصف القرن التاسع عشر.

لا شك أن التحولات الجذرية التي حدثت في الغرب كان سببها قوة الفكر (الحرية  والمساواة والليبرالية والديمقراطية) وقوة المادة (الصراع الطبقي والسياسي) معاً. وكان الحصول على هذه المكاسب هو نتيجة حتمية لنضال صعب، كما لعبت البرجوازية، التي التفت طبقات الشعب حولها، الدور الحاسم في الغرب ضد المؤسسات الأرستقراطية الإقطاعية.

وعلى الجانب الآخر، لم تشهد الإمبراطورية العثمانية أي من هذه التطورات كما حدث في الغرب؛ فلم يكن السلطان العثماني يتمتع بقوة فكرية بهذا المعنى، ولم يكن هناك وجود للطبقات التي ستناضل من أجل الحريات والحد من سطوة الحكومات.  

كان أكثر ما يشغل الحكومات العثمانية، اعتباراً من اعتلاء سليم الثالث العرش عام 1789 وحتى 1918، هو الحفاظ على وجود الإمبراطورية، التي تقع تحت حمايتها ولايات متعددة الجنسيات والأعراق، وضمان استمراريتها.

وبينما كان الغرب يشهد الموجة الأولى من انتشار فكرة وضع الدستور، بعد الثورتين الأميركية والفرنسية، لم تكن الدولة العثمانية تعترف بالحقوق والحريات الفردية.

لم تتح الدولة العثمانية كذلك الحق في المساواة أمام القانون، كما لم تكن هناك ضمانة قانونية للمواطنين الذين لم يأمنوا على أرواحهم وممتلكاتهم. والحقيقة أن الخروج من هذا الموقف راجعاً، في الأساس، لمؤثرات وضغوط خارجية، استجابة للأوضاع في الداخل، مما حدا بالسلطان العثماني لإصدار وثيقة الخط الهمايوني المعروفة باسم "فرمان كلخانة" عام 1839.

أخذت هذه الوثيقة، كما هو واضح من مسماها، شكل فرمان أحادي الجانب صادر من قِبَل الحاكم فقط.

وعلى الرغم من أن هذا الفرمان قد أتى بقائمة غير مكتملة، فيما يتعلق بالحقوق والحريات الفردية، وأن توقيتها جاء متأخراً، مقارنة بما يحدث من حول الإمبراطورية العثمانية، إلا أنها أُعتبرت بداية مهمة للخوض في هذا المضمار.

هذا وتكمن جوانب القصور في الوثيقة في غياب الطبقة البرجوازية، وفي كون الليبرالية أيضاً لم تكن قد تأصلت في المجتمع التركي في ذلك الوقت، ومع ذلك فقد تضمن الفرمان مفاهيم أخرى تتعلق بتحقيق المساواة أمام القانون، والحفاظ على أمن المواطنين، وعدم المساس بأرواحهم وممتلكاتهم.  

وخلال فترة التنظيمات، صدرت فرمانات إصلاح فرعية أخرى؛ من أجل تنفيذ الفرمان الذي ذُكرت فيه المبادئ العامة للإصلاح.

ومن أهم هذه الفرمانات ما عُرِف باسم فرمان الإصلاحات، الذي جاء استجابة لنفوذ وضغط من جانب القوى الخارجية على الدولة العثمانية. وكان الهدف الأساسي من إصدار هذا الفرمان هو تحقيق المساواة بين مواطني الامبراطورية العثمانية غير المسلمين.

ومع هذا، لا يمكننا اعتبار هذين المرسومين المهمين دستوريين بالمعنى الحقيقي للكلمة، لكنهما قاما، على الأقل، بوظيفة الإعلانات الأميركية والفرنسية السابقة عليهما. وخلال هذه الفترة، كان الغرب يشهد الموجة الثانية من مسيرة وضع الدستور مع اندلاع ثورتي 1830 و1848. 

وكان انتقال الإمبراطورية العثمانية إلى عصر المشروطية (حركة المطالبة بالدستور. سُميت بهذا الاسم لأن القائمين بها اعتبروا مواد الدستور بمثابة "الشروط" التي يجب على السلطان العثماني أن يتقيد بها في حكم رعيته) استجابة أيضًا لتأثير الدول الغربية، ولحركة إعلان الدستور في البلقان على حدٍ سواء، وأقرت رومانيا نظاماً انتخابياً في إمارتي الحكم الذاتي (والاشيا وبوغدان) استناداً إلى وثيقة دستورية  صدرت عام 1834.

ووضعت صربيا (بوصفها إمارة ذاتية الحكم) أول دستور لها في عام 1869، كما بدأت الحياة الدستورية في اليونان، تحت قيادة البرجوازية اليونانية الشابة، بإعلان دستور 1844. ومع دستور عام 1864، تم إقرار النظام البرلماني هناك.

وهكذا اكتفت الإمبراطورية العثمانية، التي لم يكن لها، حتى ذلك الوقت، دستور خاص بها، بالتصديق على الإجراءات الدستورية لدى الإمارات ذات الحكم الذاتي التابعة لها.  

كان "القانون الأساسي"، الذي صدر عام 1876، هو أول وثيقة دستورية بمعناها الحقيقي في الإمبراطورية العثمانية. وقد تضمن "القانون الأساسي" ابتكارات مهمة في موضوع الحقوق الشخصية والضمانات القانونية للمواطنين. ومع ذلك، فقد ثار الجدل حول الاعتراف بهذه الوثيقة، باعتبارها دستوراً بالمعنى الحقيقي للكلمة، من عدمه؛ فعلى سبيل المثال يرى البروفيسور مونجي كاباني، إنها ليست دستورًا حقيقيًا، بل منحة مقدمة للأمة.

مع التغييرات المهمة التي أُدخلت عام 1909على نسخة عام 1876 من "القانون الأساسي"، انتقلت الإمبراطورية العثمانية إلى المشروطية الثانية، وجرى تحديد سلطات الحكومة الملكية آنذاك بشكل فعلي. وبذلك تم تأسيس ملكية دستورية برلمانية لأول مرة في تاريخ الدولة العثمانية، تعمل على إعادة تنظيم جهاز الدولة وحقوق الأشخاص.

وبعد عام 1918، عانت الدولة العثمانية من مشكلة تأسيس الدولة الوطنية، وصدر قانون التشكيلات الأساسية (دستور 1921)، الذي يعد أول دستور للدولة التركية الحديثة، يتم إعلانه كنتيجة لإرادة النضال من أجل التحرير على أساس قانوني دستوري. وللموضوع بقية... 

هذا المقال يعكس آراء الكاتب، ولا يشترط أن يأتي متوافقًا باستمرار مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/anayasa/anayasacilik-bati-osmanli-anayasa-hareketleri
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.