كوتاي أرسوز
أغسطس 12 2019

تأثير تقلبات الدولار على مناقصة بث دوري الكرة في تركيا

في شهر يناير 2017 شهد الإعلام الرياضي بتركيا واحدة من أكثر لحظاته التي لا يمكن نسيانها. ففي ذلك التاريخ شارك غوكسل غوموشداغ، رئيس كل من نادي "بشاق شهر"، ورابطة الأندية آنذاك، في بث مباشر على قناة "إن تي في الرياضية". وخلال حديثه في البرنامج أشاد بعبارات من المدح بمناقصة بث الدوري العام التركي التي أبرمت يوم 25 من شهر نوفمبر 2016، كما وجه انتقاداته لعزيز يلدريم، رئيس نادي فنربخشه آنذاك، الذي تساوره الشكوك بشأن بعض تفاصيل الاتفاق.

وبناء على ما قاله غوموشداغ من تصريحات خلال البث على القناة الرياضية المذكورة، دخل عزيز يلدريم في اتصال هاتفي على الهواء مباشرة مع القناة بشكل مفاجئ، وبدأ الطرفان يناقشان بعضهما أمام الجميع. ومن الجمل التي قالها يلدريم خلال المداخلة قوله "ماذا كان سيحدث لو أصبح الدولار بـ4 ليرات في 1 يونيو 2017؟".

الجهة التي فازت بالمناقصة (في إشارة إلى مجموعة دي جي ترك وبي إن ميديا) بمجرد فوزها بها مقابل 500 مليون دولار، كانت قد طلبت تثبيت سعر الصرف. وفي الوقت الذي رحبت فيه رابطة الأندية بهذه الفكرة، كان عزيز يلدريم وحده هو الذي عارض الأمر، وعبّر عن ذلك كتابة. ووفق يلدريم فإنه إذا تقرر تحديد سعر الصرف يجب أن يكون الحديث عن ذلك في التاريخ الذي سيدخل فيه الاتفاق حيز التنفيذ.

أما الرأي العام فكانت تتبادر إلى أذهانه أسئلة جديدة، وذلك من قبيل: مادام سعر الصرف سيتم تثبيته، لماذا تم إبرام الاتفاق بالدولار؟ وإذا كان الدولار أمرًا ضروريًا للأندية، لماذا تم تثبيت سعر الصرف؟

ومنذ اليوم الذي تمت فيه المناقصة وحتى الآن والدولار في ارتفاع متسارع. ولم يصل في يونيو 2017 إلى المستوى الذي خاف منه عزيز يلدريم. إذ بلغ سعر الدولار في ذلك التاريخ 3.50 ليرة، لكنه في 1 يونيو 2018 وصل إلى 4.64 ليرة وفي 1 يونيو 2019 أصبح سعره 5.80 ليرة. أما اليوم الذي تمت فيه الصفقة (21 نوفمبر 2016) فكان سعر الدولار 3.3 ليرة فقط.

ولا شك أن الجميع كانوا محقين، وذلك بسبب سعر الصرف الذي تضاعف تقريبًا خلال عامين. فكانت الجهة التي فازت بالمناقصة تدفع للأندية بالدولار، بينما كانت تبيع البث لعملائها بالليرة التركية. حتى إنها واصلت خسائرها لعدم تمكنها من البيع لأحد.

أما نفقات الأندية فكانت بشكل عام يتم تحديدها إما باليورو أو الدولار. كما أن الأندية كانت ترغب في شراء عنصر دخل واحد على الأقل بالعملة الأجنبية، بأسعار قريبة من سعر الصرف اليومي. وذلك لأن العائدات أو الإيرادات المهمة التي تأتي من رسوم دخول الملاعب، وبيع الزي الرياضي الخاص بها، كانت تتم بالعملة المحلية الليرة، ولم تكن كافية لسد العجز.

قد نختلف حول طريقة عزيز يلدريم، وقد لا يعجبنا أسلوبه، وحتى نظرته للرياضة بشكل عام؛ لكن لا يمكننا قول شيئ حول قيامه بنذر حياته لعمله ومهمته التي أخذها على عاتقه. ففي تلك الفترة حينما خاطر عدد من رؤساء الأندية بمستقبل أنديتهم من خلال التفكير في علاقاتهم الشخصية، كان عزيز يلدريم الشخص الوحيد الذي لديه الجرأة ليلفت الأنظار إلى النقطة التي غفل عنها من قدموا آنذاك الاتفاق الخاص بالمناقصة على أنه خلاص ونجاة لكرة القدم التركية.

الأجزاء المتقدمة من هذه المسألة علينا أن نتركها للاقتصاديين للحديث بشأنها، لكننا سنتناول نقطة أخرى. وفيها نؤكد على أنه من الظلم البين تحميل سبب الأزمة الراهنة لتقلبات أسعار الصرف أمام العملة المحلية الليرة؛ وذلك لأن جهة البث التي فازت بالمناقصة وكذلك رابطة الأندية كانا يتفقان بداية كل عام على سعر صرف ثابت. لكن هذا العام لّوحت شركة البث بتهديد الانسحاب. وذلك لأنه من المحتمل أن يكون التعويض الذي ستدفعه منقذًا لها من ضرر أكبر.

المشكلة في مكان آخر وأكثر وضوحًا. فلا شركة البث لديها القدرة على جعل الآخرين يتابعون بثها ولا الأندية قادرة على ملء استاداتها. فكرة القدم في تركيا لم تعد اللعبة التي تحظى بالمتابعة باهتمام وشغف. ودعونا الآن نتخطى هذه النقطة، ونترك مسألة أسعار الصرف للاقتصاديين فهم أدرى بها منا. 

شركة البث، ورغم تثبيت سعر الصرف كانت تدفع سنويًا 457 مليون دولار في المتوسط. وهذا الثمن يشكل أكثر من نصف الاقتصاد الرياضي التركي. وهذا إن دل على شيء فيدل على أنه لا يوجد أي كيان آخر باستثناء الشركة المذكورة يقوم باستثمارات في مجال كرة القدم التركية.

ولهذا السبب جاءت التبريكات والتهاني التي تمت في اليوم الذي أبرمت فيه المناقصة، مثيرة للدهشة ومفاجئة. فالدوري الممتاز التركي الذي لا يدخل ضمن أفضل الدوريات الأوروبية، وقع بهذه الصفقة على اتفاقية بث تعتبر واحدة من الاتفاقيات الأعلى في أوروبا. وذلك لأن فرقنا تعجز عن تحقيق الانتصارات في المنافسات الأوروبية. بل بتنا متأخرين على المستوى الدولي أيضًا.

فاستاداتنا وملاعبنا لا تمتلئ بالجماهير. والبرامج الرياضية لا تتحدث عن كرة القدم، كما أن قنوات التلفزة لا تبدي أية رغبة لبث ملخصات المباريات. كما أن الركود أصاب مبيعات الصحف الرياضية. وعزف الشباب عن الرياضية، والأطفال باتوا لا يلعبون كرة القدم في الشوارع.

وكما يعلم المهتمون بالشأن الرياضي، فإن محطة "دي جي ترك" لديها مليونا مشترك. وهو رقم غير كافٍ على الإطلاق بالنسبة لبلد تبلغ كثافته السكانية 80 مليون إنسان. كما نتوقع أن يكون عدد من يشترون المباريات أقل بكثير من هذا العدد المذكور. وبخلاف العزوف الذي تشهده كرة القدم، نجد أن هناك مسألة أخرى تتمثل في اتجاه المهتمين بهذه الرياضة إلى مصادر البث الغير قانونية. وهذا أمر له علاقة بالاختراق المؤسسي لجهة البث. فالسياسة التي تُصعِّب على المشترك المحتمل مسألة متابعة البث، تضيِّع كثيرًا من الأشخاص الذين يترددون بين أن يكونوا عملاء أم لا.

كما أن معظم من يتابعون كل ما يحدث في الدوري الممتاز لحظة بلحظة، لا يرغبون في مشاهدة مباراة كاملة مدتها 90 دقيقة. ناهيكم عن أن من يتابعون مبارايات غير مباريات الفرق التي يشجعوها، أعدادهم قليلة للغاية. فلا شك أن أعداد المهوسون بالدوري الممتاز تتقلص مع مرور الوقت.

ومن الجدير بالذكر أن المنافسة بين فرق غلاطه سراي، وفنربخشه وبشيكطاش هي التي تتم متابعتها باهتمام كبير؛ لكن ليست هناك حاجة لمشاهدة المبارة بأكملها من أجل متابعة هذه المنافسة. فبعض البرامج الرياضية التي تؤجج وتعزز ثقافة النقاش وإثارة الجدل في بلد لا تبث فيها حتى ملخصات المباريات، تحظى بالمشاهدة والمتابعة أكثر من المباريات نفسها.

انخفاض العملات الأجنبية، وثبات سعر الصرف، ليست بالمشكلات المستعصية على الحل. لها حلول وإن كلفنا ذلك بعض الأضرار. لكن المهم بعد الحل أن نجد هناك من يهتم بالرياضة، وإلا فإن كل هذه الجهود ستذهب هباءً.

مناقصة البث الثانية ستبرم في العام 2021، ومن ثم لم يتبقَ الكثير من الوقت. لكن يا ترى من سيتقدم لهذه المناقصة؟ ومن سيطلب التقدم لها ؟ وهل سنرى المنصات الإعلامية التي ترغب في بث المباريات تتقدم لها؟

وحتى ذلك اليوم كم شخص سيستمر في متابعة وتعقب الدوري الممتاز؟ وكم شاب سيبدأ في حب كرة القدم؟ وهل الناس سيقفون صفوفًا من أجل الظفر بتذكرة لمشاهدة المباريات في المدرجات؟

وبحسب الأجوبة على هذه الأسئلة يمكننا أن نحدد ما إذا كانت ستظهر مشكلات مستقبلًا أم لا. لكن دعونا نؤكد على أن قيمة الدوري كماركة تتجلى في قلوب المواطنين وليس في قيمة المناقصات. ولا يمكن لأسعار الصرف أن تكون عائقًا أمام هذا. لكن يتعين بذل مزيد من الجهود.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/futbol/sabit-kur-degil-izlenen-bir-lig