أحوال تركية
أكتوبر 08 2019

تداعيات إخراج البنتاغون لتركيا من تنسيق العمليات الجوية بسوريا

واشنطن - ما الذي يعنيه إخراج وزارة الدفاع الأميركية؛ البنتاغون، لتركيا من مجموعة تنسيق العمليات الجوية بسوريا؟ ألا يشير ذلك إلى تنصّل واشنطن من أيّة عواقب لاحقة إذا ما قامت تركيا باجتياح أحادي وتحليق منفرد في الأجواء السورية؟ هل تجرؤ الطائرات التركية على التحليق في سوريا بدون موافقة أميركية أو روسية؟

يلفت محللون إلى أنّ أحد أبرز وأهمّ تداعيات إخراج البنتاغون لتركيا من تنسيق العمليات الجوية، هو أنه سيصبح من المستحيل أمام الطيران التركي التحليق في المجال الجوي السوري من دون تنسيق مسبق، ما يعني تملص البنتاغون من أية مسؤولية تترتّب على ذلك لاحقاً في حال قيام تركيا بشكل منفرد بعمليات جوية.

كما يشيرون إلى أنّ إعلان البنتاغون يشير إلى تنصّله مما قد يفهم منه أنّه مساهمة من قبله لدعم العملية العسكرية المحتملة على شمال سوريا، ويعدّ بمثابة إنذار وتحذير أنّه قد تكون هناك عواقب لأيّ تحليق تركي في الأجواء السورية.

ومن الناحية العسكرية فإن قوات التحالف تعمل من خلال تنسيق العمليات الجوية على كشف الأجواء فوق المنطقة، ورصد حركة أي طيران يحلق ضمن مدى معين، وتحديد نوع الطائرات والدول التي تتبع لها، باستخدام أحدث تقنيات الرصد الراداري، ما يعني تقليص فرصة حصول حوادث جوية إلى الحد الأدنى.

كما أنّ ذلك يعني حرمان تركيا من هذه المعلومات اللوجستية الهامّة، ما يجعل القوات الجوية والطائرات الحربية التركية المشاركة في الهجوم المحتمل تعتمد على معلوماتها الخاصة، أي ما توفرها لها الرادارات التركية فقط، ويلغي أي تنسيق للطلعات الجوية مع طيران قوات التحالف، أو حتى الطيران الروسي والسوري أيضاً.

وكانت الأناضول نقلت خبراً أفادت فيه أن مركز العمليات الجوية المشتركة، أعلن إخراجه تركيا من "ترتيب المهام الجوية" في سوريا. وجاء ذلك في تصريحات صحفية أدلت بها المتحدثة باسم وزارة الدفاع الأميركية كارلا غليسون للأناضول. وقالت غليسون إن المركز أوقف تزويد تركيا بمعلومات مراقبة واستكشاف.

وردا على سؤال عمّا إذا كانت هذه الخطوة بمثابة إغلاق المجال الجوي بوجه سلاح الجو التركي، أوضحت غليسون: "من الناحية التقنية لا يمكننا القول بأن المجال الجوي أُغلق في وجه الطيران التركي، ولكن عندما يتم إخراج آلية جوية من ترتيب المهام الجوية، فإن تحليقها في مجال جوي دون تنسيق أشبه بالمستحيل".

وبحسب الأناضول قال أحد مسؤولي البنتاغون إن القوات الأميركية لن تقف في وجه القوات التركية في عمليتها المرتقبة شمال سوريا. وادعّى مسؤول البنتاغون، وفق الأناضول، مفضلا عدم الكشف عن هويته، أن الخطوة التركية ستسفر عن نتائج أخرى.

وأكد البنتاغون الاثنين أنه لا يؤيد العملية التركية في شمال سوريا بعد إعلان الرئيس دونالد ترامب عن انسحاب جنود أميركيين من هذه المنطقة، ما يفتح أمام أنقرة إمكانية القيام بعمل عسكري ضد الأكراد.

وأضاف البنتاغون في بيان أنّ "وزارة الدفاع قالت بشكل واضح لتركيا - كما فعل الرئيس- إننا لا نؤيد عملية تركية في شمال سوريا"، وحذر من "العواقب المزعزعة للاستقرار" لمثل هذه العملية "بالنسبة لتركيا والمنطقة وخارجها".

وأوضح البيان أن وزير الدفاع مارك إسبر حذر نظيره التركي من "المخاطر على تركيا" التي قد تنجم عن "تحرك أحادي" لأنقرة. وأكد أن "القوات المسلحة الأميركية لن تؤيد أو تشارك في عملية من هذا النوع".

الهجوم الذي تعتزم أنقرة شنه هذه المرة يستهدف قلب مناطق سيطرة الأكراد
الهجوم الذي تعتزم أنقرة شنه هذه المرة يستهدف قلب مناطق سيطرة الأكراد

ومع بدء الولايات المتحدة سحب قواتها من المناطق السورية الواقعة على الشريط الحدودي مع تركيا، بات الطريق مفتوحا أمام أنقرة لشن هجوم توعد به الرئيس رجب طيب أردوغان، غير أنه يضع أنقرة كذلك أمام تحديات جسيمة.

وتلوح تركيا منذ أشهر بشن هجوم على مناطق في شرق الفرات تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، الشريك الرئيسي للتحالف الدولي بقيادة واشنطن في قتال تنظيم الدولة الإسلامية، غير أن أنقرة تعتبر المقاتلين الأكراد الذين يشكلون عمودها الفقري "إرهابيين".

وبعد إعلان البيت الأبيض مساء الأحد انسحاب القوات الأميركية من المنطقة، لم يعد هناك أي عائق يمنع أردوغان من تنفيد تهديداته. لكن الانتقال إلى الهجوم قد ينطوي على مجازفة.

وتعتزم أنقرة إقامة "منطقة آمنة" في شمال سوريا. والهدف عمليا هو إقامة شريط بعمق 30 كلم وبطول حوالى 500 كلم يمتد من الفرات إلى الحدود العراقية، ويفصل بين الحدود التركية ومواقع وحدات حماية الشعب.

يرى ستيفن كوك من "مجلس العلاقات الخارجية" الأميركي أن إعلان البيت الأبيض يشكل انتصارا لأردوغان الذي "لم يوفر جهدا لإقناع ترامب".

وجاء الضوء الأخضر من واشنطن في أعقاب مكالمة هاتفية بين ترامب وأردوغان الذي راهن على علاقاتهما الشخصية لنيل تأييد نظيره الأميركي، بالرغم من المقاومة التي أبدتها الإدارة في واشنطن.

وسبق أن نفذت تركيا عمليتين في شمال سوريا منذ 2016، مستهدفة تنظيم الدولة الإسلامية والمقاتلين الأكراد في الأولى، والمقاتلين الأكراد حصرا في الثانية.

لكن خلافا للعمليتين السابقتين، فإن الهجوم الذي تعتزم أنقرة شنه هذه المرة يستهدف قلب مناطق سيطرة الأكراد الذين يحميهم مقاتلون سلحتهم واشنطن واكتسبوا مهارات قتالية جراء معاركهم مع تنظيم الدولة الإسلامية.

كما أن العملية العسكرية التي تخطط لها أنقرة أضخم من حيث مداها الجغرافي. وبحسب محللين ستتأتى عن ذلك كلفة اقتصادية، وليس من المؤكد على ضوء الانكماش الاقتصادي الحالي في تركيا، أن يكون البلد يملك الموارد، وهناك مخاطر قيام معارضة داخلية من قبل رأي عام يزداد تشكيكا في انخراط بلاده في الفوضى السورية.

ويثير السؤال عن كيفية التعامل مع مسألة الجهاديين الأسرى لدى قوات سوريا الديمقراطية أكبر سؤال يشغل الدول الأوروبية التي قاتل عدد من رعاياها في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية قبل أن تقبض عليهم القوات الكردية بالمئات عند انهيار التنظيم.

ويضغط ترامب منذ عدة أسابيع على هذه الدول لحضها على استعادة مواطنيها المعتقلين في سوريا، ووصل إلى حد التهديد بإطلاق سراح المقاتلين الأوروبيين.

وبإعطاء الضوء الأخضر لهجوم تركي على المقاتلين الأكراد، فإن ترامب يسعى أيضا إلى إلقاء هذا العبء على عاتق تركيا.