فهمي كورو
أغسطس 27 2019

تداعيات تصريحات داود أوغلو الأخيرة

أحمد داود أوغلو الذي يحضّر لتشكيل حزب جديد منشق عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، بدأ يرتكب أخطاء منذ اليوم الأول.

كان داود أوغلو قد خرج أمام الجمهور قبل بضعة أشهر بنصّ شامل مكّننا من فهم الفروق وأوجه الاختلاف بينه وبين حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان.

كان النص الذي نشره داود أوغلو طويلا بحيث وصل عدد صفحاته إلى حوالي 15 صفحة، ولا أعتقد أنه تمت قراءته حتى مِنْ قِبَل المهتمين بالقضية. غير أنه كان بمثابة "المانيفستو". لذا فإن الذين قرؤوا هذا النص أو الذين اطلعوا على محتواه بشكل أو بآخر أبدوْا اهتماما كبيرا به.

لكن داود أوغلو ظهر مؤخراً بوجه مختلف أمام الرأي العام. فداود أوغلو الجديد يقول بأن تركيا شهدت "أخطاء" في الفترة التي كان وقتها يشغل منصب رئيس الوزراء، وأنه في حال فتح الدفاتر والملفات القديمة الخاصة بهذه الفترة لن يتشجع كثير من المسؤولين على الظهور أمام الناس. نظرًا لأنه لا يكشف على وجه التحديد عن محتوى هذه الدفاتر والملفات فلا نعرف بطبيعة الحال ماهية تلك الأخطاء وما يكتب فيها. فهو اكتفى باالإشارة إلى أن الموضوع يتعلق بـ"مكافحة الإرهاب" وما حدث بين الفترة من 7 يونيو 2015 إلى الأول من نوفمبر من العام نفسه.

لا يمكنهم الظهور أمام الناس!

من الأفضل أن أدرج أدناه ما قاله داود أوغلو حرفيًّا:

"إن فتحنا السجلات والدفاتر القديمة الخاصة بمكافحة الإرهاب فإن كثيرا من المسؤولين لن يتمكنوا من الخروج أمام الناس. إنني لا أشكّ أن الفترة الممتدة من السابع يونيو حتى الأول من نوفمبر 2015 ستُذكر على أنها أكثر الفترات خطورة عند كتابة تاريخ الجمهورية التركية."

كانت تركيا توجهت لانتخابات برلمانية في 7 يونيو 2015 وخسر حزب العدالة والتنمية الأغلبية البرلمانية لأول مرة منذ 2002. ثم اتخذ أردوغان قرارا بإعادة تلك الانتخابات في الأول من نوفمبر 2015 ليرفع حزب العدالة والتنمية رصيده من الأصوات إلى نحو 50%.

وفي غضون ذلك، توقف تطبيق المتطلبات الدستورية، وظل حزب العدالة والتنمية يحتفظ بالحكومة برئاسة أحمد داود أوغلو، على الرغم من أن الحزب لم يستطع تشكيل حكومة منفردة، نظرا لفقدانه الأغلبية البرلمانية..

بطبيعة الحال، نحن نعرف الأحداث التي عاشتها تركيا في ذلك الوقت في مجال مكافحة الإرهاب. لقد وقعت سلسلة من الأحداث في تلك الفترة انتهت بتخلي السلطة السياسية بقيادة أردوغان عن مبادرة سياسية أطلق عليها "مفاوضات السلام" التي سعت إلى تسوية ما يسمى بـ"القضية الكردية". وفي هذا الإطار بلغت الأعمال الإرهابية ذروتها، مما أثر على لغة حزب العدالة والتنمية وممارساته في هذا الصدد.

هذه الأمور معروفة، غير أن تصريحات داود أوغلو الخاصة بتلك الفترة تشير إلى وقوع أحداث خلف الأبواب المغلقة مختلفة عما يعرفه الرأي العام. 

من الواضح أن داود أوغلو سجل مذكرات، ودوّن ملاحظات حول ما حدث في ذلك الوقت، وقرر الآن الإفصاح عنها بدلاً من دفنها في ذاكرته.

بمجرد سماع وانتشار تصريحات داود أوغلو المذكورة بدأنا نقرأ شتى سيناريوهات وردت في تقارير ومقالات كتبها عديد من أرباب القلم المعنيين بالموضوع حول دلالات ومعاني تلك التصريحات.

من هم الشخصيات الذين سيخجلون من الخروج أمام الناس في حال فتح الدفاتر الخاصة بمكافحة الإرهاب يا ترى؟ وما الذي يجعل الفترة بين 7 يونيو  والأول من نوفمبر 2015 أكثر الفترات خطورة؟ وكيف سيتعرف كتاب تاريخ الجمهورية على تلك الأحداث "الخطيرة" حتى يكتبوها ويسجلوها في مؤلفاتهم؟

وبما أن داود أوغلو أكاديمي قد قدم عديدًا من المؤلفات في مجال العلوم السياسية والتاريخ، فإنه لا بد أنه توقع مدى الأثر الذي ستترك تصريحاته المثيرة للانتباه عند المستمعين إليه.

هدف داود أوغلو من المبادرة الجديدة

كان هدف رئيس الوزراء الأسبق من المبادرة الأولى، التي تمثلت في البيان المكوّن من 15 صفحة واضحًا وهو: الإعلان عن جوانب الاختلاف بينه وبين حزب العدالة والتنمية الذي لا يزال يتمتع بعضويته والتلميح بإمكانية تأسيس حزب جديد لمن ينتظرون شيئا من هذا القبيل.

هذه هي أهداف مفهومة لزعيم شمّر عن ساعديه لتشكيل حزب جديد..

الفرق بين باباجان وداود أوغلو

 علي باباجان الذي استقال من الحزب الذي أسسه انطلاقا من أسباب مشابهة مع داود أوغلو هو الآخر الذي يعطي رسائل يقول من خلالها للرأي العام: "أنا أيضا موجود في هذا الميدان" وإن لم يكن بحجم بيان داود أوغلو.

من المعروف أن هناك مجموعات تعتقد بضرورة التحرك المشترك لكل من باباجان وداود أوغلو، بواقع أنهما ينحدران من الحزب نفسه وسبق أن احتلا مناصب في الحكومة ذاتها. يأتي داود أوغلو نفسه على رأس المجموعة المطالبة بالاجتماع على حزب واحد، غير أن باباجان ورفاقه يفضلون الابتعاد عنه.

أعتقد أنه تبين بصورة أفضل السببُ الذي يقف وراء تصرف علي باباجان هكذا، بعد إقدام داود أوغلو على مبادرته الأخيرة التي تحوي في طياتها إشكاليات عديدة.

من الواضح أن همّ داود أوغلو هو تصفية الحسابات الشخصية، فإنه يعتبر رئاسته لحزب العدالة والتنمية والوزراء حقَّه، ولا يستسيغ إبعاده من رئاسة الحزب والوزراء على حد سواء بعد فترة وجيزة من توليه إياهما. فأسلوب مبادرته الأخيرة، بغضّ النظر عن محتواها، يعكس أو يظهر هذا الشعور المكبوت عنده.

في حين أن باباجان والفريق الذين ينطلقون معه يهدفون إلى إيجاد حلول للمشاكل التي تواجه البلاد، وتقديم فهم أفضل وأكثر حداثة للحكم في مجال السياسة، والتطلع إلى إدارة البلاد بهذه الأهداف، وهم يؤكدون ذلك منذ البداية.

لذا يمكن أن نستخلص بسهولة أسباب تفضيل باباجان مظلتين مختلفتين بالنظر إلى هذه الأساليب المختلفة: لأن المبادرتين لهما أهداف مختلفة للغاية.

هل سيشرح أحمد داود أوغلو كلماته المشفّرة ويشاطر الرأي العام تلك الملاحظات التي دونها في "دفاتره" يا ترى؟ أم أن داود أوغلو ليس لديه حتى نية تقديم معلومات لمن سيكتبون تاريخ الجمهورية التركية وأن تصريحاته المذكورة تحمل رسالة إلى بعض الجهات؟

فما هي الرسالة إذن؟

بحسب رأيي، فإن هذه مبادرةٌ غير ضرورية وخطأ سياسي كبير.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/yeni-parti-tartismalari/davutoglu-iste-bunu-yapmamaliydi-son-aciklamasi-iyi-hazirlanmis
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.