دايفيد ليبسكا
أكتوبر 16 2019

تفكير أميركا وتركيا غير العقلاني يسلم السلطة للأسد وبوتين

أسهم الخلاف المحتدم بين تركيا والولايات المتحدة بشكل أساسي في اتساع دائرة نفوذ الرئيس السوري بشّار الأسد ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. وفرضت واشنطن عقوبات على أنقرة يوم الاثنين بسبب الهجوم الذي شنته الأخيرة في شمال شرقي سوريا.

وبعد مرور سبعة أيام منذ بداية الغزو التركي، تجاوز عدد الضحايا المدنيين 60 قتيلاً، وبلغ عدد النازحين نحو 150 ألف شخص. وتتحدث تقارير عن عمليات إعدام يُنفذها مسلحون مدعومون من تركيا في الشوارع.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في بيان إن "تركيا لا تبدو تخفف الآثار الإنسانية الناتجة عن الغزو". أدلى ترامب بهذا البيان في الوقت الي أعلنت فيه وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على وزراء الدفاع والداخلية والطاقة الأتراك، حيث جمّدت ما يملكونه من أصول وحظرت أي تعاملات مرتبطة بالولايات المتحدة.

وقال مسؤول أميركي كبير إن العقوبات تهدف بشكل أساسي إلى لفت نظر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومسؤولين آخرين في تركيا إلى الموقف في شمال شرقي سوريا، حيث تأمل أنقرة في تكسير عظام غريم كردي سوري وإنشاء منطقة آمنة لإعادة توطين ما يصل إلى ثلاثة ملايين لاجئ.

ويرى نيكولاس دانفورث، وهو زميل أول زائر في صندوق مارشال الألماني، أن العقوبات لها أثر ضعيف. وأبلغ موقع أحوال تركية قائلاً إن "من الصعب جداً تخيُّل تراجع أردوغان عن تقديم الدعم".

وترى تركيا أن قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد، والتي كانت في طليعة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، امتداد لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمرداً مسلحاً في تركيا منذ عقود، والمصنف كمنظمة إرهابية في كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا.

وقال دانفورث إن التهديدات المُبالغ فيها من ترامب والسيناتور لينزي غراهام ومسؤولين آخرين في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى فرض عقوبات غامضة "يجعل هذه العقوبات غير مؤثرة بشكل خاص... والأرجح أن تأتي ببساطة بأثر عكسي وتلعب دوراً عقابياً".

وتبنّى السيناتور الأميركي كريس فان هولاند رأياً مشابهاً، حيث قال يوم الاثنين في تغريدة إن هذا "رد فعل مثير للشفقة". ودعا فان الكونغرس الأميركي إلى "فرض عقوبات قاسية تؤثر على السلوك التركي".

وتسببت الجولة الماضية من العقوبات الأميركية، والتي فُرضت قبل عام بسبب اعتقال تركيا القس الأميركي أندرو برانسون، في هبوط الليرة التركية هبوطاً شديداً، وقادت الاقتصاد التركي في نهاية المطاف إلى الدخول في ركود لفترة وجيزة.

وقال يوسف إريم، المحلل السياسي لدى مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية (تي.آر.تي وورلد) التي تديرها الدولة، "من يهتم لأمر اقتصادك، إذا كان مواطنوك لا ينعمون بالأمن في الداخل؟" وذلك في إشارة منه إلى المخاوف الأمنية بشأن قوات سوريا الديمقراطية. أضاف "من المهم تأمين الوطن قبل أي شيء".

ومنذ أن توصلت قوات سوريا الديمقراطية إلى اتفاق مع الرئيس بشّار الأسد يوم الاثنين، وبدأت القوات السورية تتحرك في المدن التي كانت تخضع من قبل لسيطرة الأكراد بالقرب من الحدود التركية، ويبدو أن القتال في شمال شرقي سوريا قد تباطأ.

بيد أن إريم ردد ما دفع به أردوغان في مقال رأي نشرته صحيفة وول ستريت يوم الثلاثاء، وقال إن تركيا ما زالت عازمة على إنشاء منطقة آمنة بطول 480 كيلومتراً وبعمق 32 كيلومتراً جرى تطهيرها من قوات سوريا الديمقراطية.

وقال إن تركيا "تخطط لإعادة توطين اللاجئين في اللحظة التي سيشعرون فيها بأن هذه المنطقة آمنة، ويرغب فيها هؤلاء اللاجئون في العودة إلى وطنهم... هذا في المقابل سيطلق عملية لحل سياسي ويدعمها".

وشكك دانفورث في هذا قائلاً إن "من الصعب أن نعرف ماذا يمكننا أن نفعل بهذه الادعاءات التركية بشأن إعادة توطين كل هؤلاء اللاجئين، لأن تلك الادعاءات واهية من البداية". أضاف أن من المحتمل ألا تتمكن تركيا من إنشاء منطقتها الآمنة تلك، نظراً لأن موقف اللاجئين صار يميل إلى كفة الأسد.

وقال دانفورث "الموقف الآن يشير إلى أن تركيا، وربما الاتحاد الأوروبي أيضاً، قد تسعى للتوصل إلى أي اتفاق مع نظام الأسد يسمح للكثير من هؤلاء اللاجئين بالعودة إلى وطنهم". وتوقع دانفورث أن تتسبب أعمال القتال التي اندلعت في الآونة الأخيرة في نزوح مزيد من اللاجئين.

وقال "سيكون هناك الكثير من الضغط على الجانبين للموافقة على شروط (الأسد) مقابل عدم قتله اللاجئين الذين سيعودون إلى البلاد بشكل أساسي".

واتفق المحللان على أن الأسبوع الماضي زاد نفوذ الأسد وبوتين، وعلى أن أي حل سياسي في سوريا سيكرر على الأرجح اتفاقية أضنة التي أُبرمت في عام 1998، والتي وافقت سوريا بموجبها على السماح لتركيا بتولي العمليات عبر الحدود من دون وجود طويل الأجل، إذا كان لدمشق أن تدعم أي ميليشيا كردية على أراضيها.

وقال دانفورث "هذا ما تضغط روسيا والنظام من أجله، وما أعتقد أنهما سيحاولان إجبار تركيا على التسليم به... ستصبح تركيا الآن على الأرجح معتمدة على روسيا بصفتها الطرف الوحيد الفاعل في المنطقة، والذي يمكنه كبح جماح نظام الأسد ومنعه من استخدام حزب العمال الكردستاني ضد تركيا".

وقال إريم إن المشاكل بدأت عندما قررت الولايات المتحدة الدخول في شراكة مع قوات سوريا الديمقراطية، المعروفة أيضاً بوحدات حماية الشعب، في صفعة قوية للعلاقات الأميركية التركية.

أضاف "لقد كانت علاقة قائمة على الأمن على مدى نصف قرن من الزمان... تلك العلاقة القائمة على الأمن تبددت تماماً في ظل الشراكة بين الولايات المتحدة ووحدات حماية الشعب".

وفرضت دول الاتحاد الأوروبي حظراً على واردات تركيا من السلاح. ويقول بعض المحللين إنه ينبغي طرد تركيا من حلف شمال الأطلسي. وبدأ مسؤولون أميركيون مراجعة خطط لسحب أسلحة نووية يقدر عددها بنحو 50 من تركيا، كانت الولايات تحتفظ بها هناك منذ فترة طويلة على بعد نحو 250 ميلاً من الحدود السورية وفقاً لصحيفة نيويورك تايمز.

وقال إريم إن الولايات المتحدة ليس أمامها أي بديل غير تركيا.

وتساءل "لماذا تسحب (الولايات المتحدة) أسلحة نووية من بعض المواقع الأعلى قيمة من حيث الأهمية الجيوسياسية حول العالم؟" أضاف "إذا خسرت تركيا، فمن سيكون البديل، من سيحل محلها – إيران؟ المملكة العربية السعودية؟"

وبدا دانفورث غير متأكد من أن هذا سيحول دون تغير العلاقة بين الحليفين المُفترضين من النقيض إلى النقيض ليصبحا غريمين.

وقال "الأمر المنطقي للبلدين هو أن يستمرا في تحالفها... لكنك عندما تنظر إلى واشنطن وأنقرة الآن، فلن ترى بالضرورة دليلاً على أن هناك تفكيراً عقلانياً".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/erdogan-trump/us-and-turkish-irrational-thinking-hands-power-assad-putin
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.