تحقيق استقصائي يكشف بالوثائق جرائم النظام التركي بحقّ المعتقلين

تونس – استوطن "ملاك الموت عزرائيل" السجون التركية لتعذيب المحتجزين بأوامر من حكومة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إذ كشف تحقيق استقصائي عن قائد شرطة تركي، أنشأ موقعين غير رسميين وسريين لتعذيب أكثر من ألفي معتقل عام 2016، وأشرف عليهما، حتى بات يلقب بـ"عزرائيل".

وكشف موقع " نورديك مونيتور" الاستقصائي، وفقا لمئات الصفحات المسرّبة من محاضر المحاكم، تورط قائد شرطة يدعى "طاهر دارباز أوغلو"، في عمليات تعذيب كثيرة باعتباره المسؤول الرسمي عن مواقع احتجاز غير رسمية، أقيمت في العاصمة أنقرة بأوامر من حكومة الرئيس التركي.

وتوضّح الروايات التي نقلها الموقع عن إفادات ضحايا أمام المحاكم التركية، سياسة التعذيب المعتمدة والمعاملة غير الإنسانية التي تعرض لها المعتقلون.

وليست هذه الجرائم التي يكشفها التحقيق الأولى من نوعها في سجلّ النظام التركي، اذ يمتلئ سجل نظام الرئيس رجب طيب أردوغان، بتجاوزات خطيرة في مجال حقوق الإنسان، وخاصة في قطاع السجون، أين تجري أعمال تعذيب وتنكيل وعمليات قتل تطلق السلطات التركية على بعضها صفة الانتحار للهروب من مساءلة المجتمع الدولي.

وحسب تصريحات سابقة للنائب التركي سازجين تانريكولو، تجري عمليات التعذيب داخل سجون أردوغان، بصورة ممنهجة، إذ تم رصد 2196 واقعة، خلال عام 2018، و1123 واقعة تعذيب خلال 2019، وهذه الأرقام تؤكد أن استمرار التعذيب لم يعد يقتصر على السجون الثلاثة الشهيرة في "إسطنبول" و"أنقرة" و"ديار بكر" فحسب، التي تدخل ضمن قائمة أسوأ 10 سجون في العالم، بل امتد إلى باقي سجون البلاد المعلومة والسرية منها.

وكشف الموقع أنّ قائد الشرطة دارباز أوغلو كان رجلا حكوميا في مراكز الاحتجاز، يمارس أقسى أنواع التعذيب لانتزاع اعترافات كاذبة من الضحايا لدعم السيناريو الرسمي التركي حول محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016.

وتزايد عدد المعتقلين عقب الحملات الأمنية الواسعة التي أطلقتها السلطات بعد الانقلاب المزعوم عام 2016، الذي طال عددًا كبيرًا من المواطنين من مختلف الأطياف بتهمة التورط فيه، ولاستيعاب الزيادة الكبيرة في أعداد السجناء، أعلنت المديرية العامة للسجون ومراكز الاحتجاز التابعة لوزارة العدل، في عام 2019، أنها تخطط لبناء 193 سجنًا جديدًا خلال 5 سنوات، ليُصبح إجمالي عدد السجون غير السريّة 582 سجنًا. 

وكشف التحقيق الاستقصائي أن قائد الشرطة وفريقه من عناصر جهاز المخابرات لا يختلفون عن تنظيم داعش الإرهابي، باستعبادهم زوجات الضحايا وبناتهن واعتبارهن غنائم حرب يجوز فيهنّ الاغتصاب والسرقة والتحرش الجنسي.

ومن الوثائق التي نشرها الموقع، محضر محكمة يتضمن شهادة الرائد أوكان أتاوغلو التي يذكر فيها "الجلاد"، طاهر دارباز أوغلو ، المعروف أيضاً باسم "ملاك الموت".

معتقلات سرية في قلب أنقرة لتعذيب المعارضين تحت إشراف "عزرائيل"
معتقلات سرية في قلب أنقرة لتعذيب المعارضين تحت إشراف "عزرائيل"

وفي شهادته أمام المحكمة الجنائية العليا السابعة عشرة في أنقرة بتاريخ 20 نوفمبر 2017، وصف المحتجز الرائد أوكان أتا أوغلو،  وهو ضابط أركان يبلغ من العمر 39 عاماً في هيئة الأركان العامة، دارباز أوغلو بأنه رجل يبلغ من العمر 51 عاماً، يتراوح طوله بين 160 و 165 سم. تفاخر في خطبه التي ألقاها أمام المحتجزين، بكيفية خدمته كجندي "كوماندوز" في مقاطعة سيرت خلال خدمته العسكرية الإلزامية، وغالباً ما أطلق على نفسه اسم عزرائيل.

وذكر أنّ "الحادثة الأكثر ترويعاً والتي لا يمكنني أن أنساها أبداً، هي أن هذا الرجل، الذي أطلق على نفسه عزرائيل، كان يصرخ في وجهي بأنه سيقود سيارتي وينهي نسل عائلتي، سيأخذ أطفالي، وإذا كان لدي ابنة، فإنه يحولها إلى عاهرة وسيتعين عليّ مشاهدة كل هذا من داخل السجن، السجن الذي يفتقر للماء والطعام ويضطر فيه نحو 900 شخص إلى استخدام حمامين فقط بدون صابون، وتتوسطه بركة من الدماء".

وأفاد النقيب إردم إيراسلان، ضابط الأركان الذي يبلغ من العمر 39عاما، في شهادته بتفاصيل واقعة اغتصاب لمحتجزة أمام زوجها المعتقل "في الصالة الرياضية لاتحاد الكرة الطائرة باشراف دارباز أوغلو"، مضيفاً أنّ "ضابطا آخر متورط في التحرش الجنسي بملازم أول شابة كانت محتجزة في القاعة مع زوجها".

ونشر الموقع صورة مسرّبة لقاعة الرياضية التي يملكها اتحاد الكرة الطائرة بحي "بيستيب" في أنقرة كموقع احتجاز غير رسمي.

وذكر النقيب أنّ "هذا الضابط سحب الرجل المعتقل إلى مكان منزوي وترك زوجته في ملابسها الداخلية أمام زوجها، ثم صب عليها الماء من رأسها حتى أخمص قدمها بحضور ثمانية إلى عشرة من رجال الشرطة هناك. أجبرها على لمس أصابع قدميها بيديها دون ثني ركبتيها".

وكشفت الوثائق المسرّبة عن كينان شيمشك، الرقيب الرئيسي البالغ من العمر 40 عاما، وضحية أخرى لعزرائيل، والذي قال في شهادته أمام المحكمة في 2 أكتوبر 2018، "كان عزرائيل يقول باستمرار أن زوجاتك وأطفالك هم غنائمنا، نحن نعرف عناوين السكن لكم جميعاً، سنجمعهم جميعاً، سنفعل هذا وذاك (إشارة إلى الاعتداء الجنسي والاغتصاب)".

ويسرد شيمشك كيف تمّ "الترحيب" به بمجرّد إحضاره إلى قاعة التعذيب، أين انهال عليه نحو ثمانية ضباط شرطة بالضرب، لينظم إثر ذلك إلى حوالي 1000 محتجز أجبروا على الركوع مكبلي الأيدي من الخلف ومجردين من ملابسهم الداخلية".

ويتذكّر الرقيب كيف " تركت أتضور جوعاً لمدة ثلاثة أيام دون أن أحصل على أي مساعدة، ولم يوزع حتى الماء". وتضمن محضر الإفادة الخاص بشيمشك تقريراً طبياً يشرح علّة صحية ألمت به نتيجة إجباره على التبول في زجاجات بأوقات معيّنة فقط.

وأظهرت إحدى الوثائق، أنّ الرائد إمره إلغاز، ضابط ركن يبلغ من العمر 41 عاما، عانى مراراً وتكراراً من نوبات هلع من جلسات التعذيب المتقطعة، لكنه لم يُنقل إلى المستشفى لتلقي العلاج.

ونقل الموقع عن الملازم موسى كيليساسلا، المحارب المخضرم الذي أصيب بإعاقة عندما أطلق عليه "حزب العمال الكردستاني" النار كيف تم نقعه بالماء أولاً ثم ضرب بمسدس صاعقة، ومن ثم سكب الحمض عليه، في الوقت الذي تكسرت جماجم وأضلع محتجزين آخرين.