ثروات كركوك تتصدّر لائحة أطماع أنقرة في العراق

كركوك (العراق) – تتصدّر ثروات كركوك لائحة أطماع تركيا في العراق، ولا سيما أنها تعتبرها في خطابها الإعلامي "ولاية" ذات نفوذ لها، مستغلة تركمان كركوك ليكونوا أدواتها في المدينة.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة العرب اللندنية واسعة الانتشار، فإنّ تركيا تظهر “سخاء” غير معهود و”تطوّعا” استثنائيا لـ”مساعدة” أهالي محافظة كركوك بشمال العراق في أي ظرف طارئ يواجهونه، واضعة ذلك تحت عناوين من قبيل “حسن الجوار والتضامن الإنساني والأخوّة الدينية”، وهو ما ينفيه أغلب العراقيين بمن في ذلك أبناء المحافظة نفسها معتبرين أنّ أطماع أنقرة في محافظتهم الغنية بالنّفط وراء تركيزها الواضح عليها.

وأعلنت تركيا عن تقديمها بضعة آلاف من الكمامات لمديرية الصحة في كركوك العراقية “بمبادرة من سفيرها (الجديد) في بغداد فاتح يلدز، ضمن إطار مساعيها الرامية لدعم العراق في مكافحته لفايروس كورونا”.

ويبدو أنّ تعيين يلدز نفسه سفيرا لتركيا في العراق جاء مؤخّرا في إطار تدشين أنقرة لمرحلة جديدة من العمل على مدّ النفوذ في البلد الجار المفتوح على التأثيرات الخارجية، بالاستناد إلى حالة الضعف التي تمرّ بها إيران راهنا وربما تقود إلى تراجع نفوذها في البلد.

وعبّر يلدز عن ذلك بالقول إنّ التوازنات السياسية التي تأسست في العراق عام 2003 قد تغيّرت، وإن أنقرة تعمل على تحسين التعاون الثنائي التركي العراقي، وخاصة في مجاليْ الأمن والاقتصاد.

وكان السفير يشير بذلك إلى النظام القائم في العراق والذي ساهمت إيران في إنشائه وفي وضع مقاليد قيادته بين أيدي حلفائها من قادة الأحزاب والميليشيات الشيعية، لكنّه بدأ مؤخّرا يواجه صعوبات في التماسك وحماية نفسه من السقوط بفعل رفض الشارع له والمعبّر عنه في الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في أكتوبر الماضي، وأيضا بفعل استشراء الخلافات بين أهمّ الأحزاب والشخصيات القائدة له، الأمر الذي انعكس في عدم تمكّنها من التوافق على رئيس حكومة جديد يسدّ الفراغ النّاتج عن استقالة حكومة عادل عبدالمهدي في نوفمبر الماضي.

وتكفّلت تركيا قبل أشهر، في إطار تركيزها الاستثنائي على كركوك، بتمويل عملية ترميم سوق قيصرية وسط المدينة والذي يعود إلى الحقبة العثمانية، بعد أن أتى عليه حريق هائل سنة 2018.

وكان لافتا في خطاب الإعلام التركي وهو يقوم بالترويج للمساعدة المقدمة إلى السلطة المحلية في كركوك، رغم بساطتها، استخدامه تسميات غير موجودة في التقسيم الإداري المعتمد رسميا في العراق والاستعاضة عن ذلك بمصطلحات التقسيم الإداري التركي.

ونقلت وكالة الأناضول التركية عن “عضو اللجنة التنفيذية في الجبهة التركمانية العراقية علي مهدي أن تركيا تبرّعت لمديرية الصحة في كركوك بـ18 ألف كمامة”.

وقال مراسل الوكالة “أضاف مهدي أن مدينة كركوك كانت بحاجة ماسة لهذه الكمامات، متقدما بالشكر إلى تركيا لوقوفها إلى جانب أبناء الشعب العراقي على الدوام”.

وتعمّدت الوكالة إغفال التقسيم الإداري العراقي الذي يقسّم البلاد إلى محافظات على رأس كلّ منها محافظ، لتورد في خبرها المتعلّق بالمساعدة التركية ما نصّه “قال والي كركوك راكان سعيد، في تصريح للصحافيين، إن تركيا قامت مجدّدا بما يليق بها، من خلال دعمها الولاية بالكمامات”.

تعمل تركيا على استغلال تركمان كركوك كأدوات لها
تعمل تركيا على استغلال تركمان كركوك كأدوات لها

ويرى متابعون للشأن العراقي أنّ ما تحويه كركوك من ثروات نفطية كبيرة هو ما يدفع تركيا لدخول حلبة الصراع على المحافظة التي يطالب أكراد العراق بضمّها إلى إقليمهم، بينما تتمسّك الحكومة المركزية العراقية ببقائها خارجه.

ويوجد خط أنابيب يصل كركوك بميناء جيهان التركي تحرص أنقرة على ضمان تواصل تدفّق النفط عبره، حيث سبق أنّ خبرت الضرر الذي يلحق بها من وراء انقطاعه عندما توقّف ضخّ الخام عن طريقه لدى سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من الأراضي العراقية بدءا من صيف سنة 2014 ما اضطر تركيا إلى شراء النفط المهرّب من العراق وسوريا من قبل التنظيم نفسه، فضلا عن النفط الذي يقوم الأكراد ببيعه بأسعار دون أسعار السوق العالمية خارج سلطة شركة سومو الحكومية المكلّفة حصريا بتصدير النفط العراقي.

ورغم أنّ تركيا كثيرا ما تواطأت مع أكراد العراق في موضوع النفط، إلاّ أنها لا تريد أن ترى نفط كركوك يقع تحت سيطرتهم بالكامل، الأمر الذي سيعني امتلاكهم موردا كبيرا ومقوّما من مقوّمات “دولتهم” التي لم يتخلّوا عن فكرة السعي لإنشائها في الإقليم وتحيّن الظرف المناسب لذلك، على غرار ما قاموا به سنة 2017 عندما استغلوا سيطرة تنظيم داعش على ما يقارب ثلث مساحة العراق وأجروا استفتاء شعبيا على استقلال إقليمهم، لكن مسعاهم أحبط بتعاون سريع وفعّال بين كلّ من بغداد وأنقرة وطهران.

ولمعادلة نفوذ الأكراد في كركوك، تعمل تركيا على التمكين لأبناء القومية التركمانية بهدف اتخاذهم جسرا ومدخلا لاختراق المحافظة، في ظلّ ما يبديه قادة هذا المكوّن من ولاء لأنقرة يفوق في كثير من الأحيان ولاءهم للدولة العراقية بحدّ ذاتها.

ولم تتردّد تركيا في فبراير 2019 في افتعال ضجّة حول كركوك عنوانها أنّ قوات البيشمركة الكردية عائدة بتواطؤ بين بغداد وأربيل إلى المحافظة التي طُردت منها سنة 2017 على يد الجيش العراقي بعد الاستفتاء الذي أجراه أكراد العراق على استقلال إقليمهم.

ومنذ طرد قوات البيشمركة من كركوك في أكتوبر من السنة نفسها لا تكفّ حكومة كردستان العراق عن المطالبة بإعادة تلك القوات إلى المحافظة ملوّحة في أغلب الأحيان بالورقة الأمنية وأهمية التنسيق والتعاون في مواجهة تنظيم داعش، غير أن تركمان المحافظة يقولون إنّ “كركوك لن تعود إلى ما قبل 16 أكتوبر مرة أخرى”، مثلما ورد في وقت سابق على لسان أرشد الصالحي زعيم الجبهة التركمانية العراقية الذي لا يوفّر مناسبة لشكر تركيا لأنّها “لم تترك الشعب العراقي وتركمان العراق لوحدهم أبدا”، بينما تعبّر شخصيات تركية بصراحة عمّا تعلّقه تركيا من آمال على التركمان في كركوك بالذات.

ويقول دولت بهجلي زعيم حزب الحركة القومية التركية إنّ تركمان العراق لن يُتركوا لوحدهم، وإن هناك الآلاف من المتطوعين القوميين “المستعدين وينتظرون الانضمام للقتال من أجل الوجود والوحدة والسلام في المدن التي يقطنها التركمان خاصة كركوك”، فيما يقول الناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن إنّ “كركوك فيها الأكراد وفيها العرب أيضا، إلا أن الهوية الأساسية لها أنها مدينة تركمانية”.