تحول تركيا غير المحتمل نحو الغرب

مع تاريخ من العداء والإهانة كادعاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن "النازية على قيد الحياة في الغرب"، كانت رغبة تركيا في "فتح صفحة جديدة" في علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مفاجأة. لكن، ربما لم يجب أن تكون كذلك، فقد قررت الولايات المتحدة فرض عقوبات على تركيا، ويبقى الاتحاد الأوروبي سادس أكبر شريك تجاري بالنسبة إليها ومصدرا رئيسيا للاستثمار الأجنبي.

لكن، ما الذي أحدث هذا التغيير المفاجئ؟ لا شك أن له علاقة بالانهيار الاقتصادي في تركيا، وتنامي الفقر والبطالة وتراجع فرص إعادة انتخاب أردوغان.

كما أشارت ورقة بحثية من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين، لم تكن محاولة تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مدفوعة بالرغبة في الإصلاح الديمقراطي بقدر ما كانت أداة لتسهيل تنميتها الاقتصادية. وبالمثل، جادل كوراي جاليشكان، وهو أستاذ العلوم السياسية في جامعة البوسفور، بأن سبب تخلي حزب العدالة والتنمية  الحاكم عن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يعود لفرضه هيمنة تامة على السياسة المدنية بمجرد إبعاد الجيش. إذ احتاج إلى دعم الاتحاد الأوروبي لكبح نفوذ الجيش، وهو ما تحقق في سلسلة من المحاكمات الصورية الممتدة من سنة 2008 إلى 2013.

ومنذ سنة 2013، تخلت حكومة حزب العدالة والتنمية التركية عن الادعاء بأنها نظام ليبرالي وتحوّلت إلى سحق المعارضة، داخل الحزب وخارجه. وأوضح رئيس فرع حزب العدالة والتنمية في إسطنبول أنه لن يكون في تركيا مستقبل لليبراليين الذين دعموا الحزب في وقت سابق.  وأعلنت عضو البرلمان الأوروبي عن هولندا، ماريتجي شاك، نيابة عن كتلة تجديد أوروبا: "تحول حلمنا بتركيا أوروبية إلى كابوس".

في صيف سنة 2013، انتشر ما بدأ احتجاجا بيئيّا ضد تدمير منتزه غيزي في اسطنبول إلى 80 من أصل 81 محافظة في تركيا واستهدف الحكم الاستبدادي. وهو تحرّك قوبل برد عنيف من النظام. ويتكرر هذا اليوم في الحملة الحالية على احتجاجات طلاب جامعة البوسفور ضد قرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تعيين أكاديمي مرتبط بالحكومة عميدا للجامعة.

تشهد البلاد كل يوم اعتقالات لأشخاص يشتبه في كونهم معارضين ومنتقدين للحكومة، وربما كان ذلك استعدادا لانتخابات مبكرة. وسُجّل بالفعل اعتقال 292 ألف شخص وسجن 96 ألف منذ الانقلاب الفاشل في 2016، مع فصل أكثر من 130 ألف موظف مدني.

ومع ذلك، وفي مواجهة الإدانة الواسعة لانتهاكات تركيا لحقوق الإنسان، أعلن الرئيس أردوغان أن 2021 سيكون عام الإصلاحات الديمقراطية والاقتصادية. لكنه وصف حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بالإفراج عن الزعيم الكردي صلاح الدين دميرطاش بأنه "منافق" وتجاهل أمر مجلس أوروبا بالإفراج عن المدافع عن حقوق الإنسان عثمان كافالا.

صاغ وزير الخارجية التركي السابق (ورئيس الوزراء لاحقا) أحمد داوود أوغلو سياسة "صفر مشاكل مع الجيران"، لكن هذا أدى إلى نتائج عكسية. وفي 2013، غرد كبير مستشاري السياسة الخارجية (والمتحدث الرسمي الآن) إبراهيم قالين عن "الوحدة الثمينة" لتركيا، لكن هذه الوحدة تطورت إلى عزلة، خاصة بعد اتفاقيات أبراهام.

كما علّق مبعوث الولايات المتحدة السابق إلى سوريا، جيمس جيفري، خلال ندوة عبر الإنترنت لمجلس الأطلسي مؤخرا، لا تصل قطر وأذربيجان وبلغاريا إلى تحالف إقليمي مستدام. ولا يمكن اعتبار توسع تركيا العدواني في سوريا وليبيا والعراق ودعمها لأذربيجان في قرة باغ بمثابة بناء ثقة. كما لا تجني شيئا من المواجهة مع اليونان وقبرص في شرق البحر المتوسط، وهي تحرّكات أزعجت الاتحاد الأوروبي.

مرة أخرى، في قمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة في ديسمبر، وافق التكتل على تأجيل اتخاذ قرار بشأن العقوبات حتى القمة المقبلة  في مارس مع تجاهل دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الصريحة لأوروبا لاستعادة السيادة العسكرية. وقرر المجلس الأوروبي نقل المسؤولية إلى الولايات المتحدة والانتظار لسماع ما ستقرره الإدارة الجديدة. حتى الآن، كانت سياسة المستشارة أنغيلا ميركل المتمثلة في "الحوار البناء" و"الأجندة الإيجابية" التي أنقذت المواقف، منذ أن توسطت في صفقة 18 مارس 2016، التي أقنعت تركيا بعدم إغراق أوروبا باللاجئين.

لكن دور ألمانيا هنا يبدو أقل من عظيم، كما كانت دعوة ميركل، "نعم، يمكننا القيام بذلك"، التي أدت في أغسطس 2015 إلى هجرة أكثر من مليون لاجئ إلى أوروبا من الشرق الأوسط. وفي نفس الوقت، كانت ألمانيا هي التي زودت تركيا بدبابات ليوبارد في هجومها على عفرين في 2018 وتتعاون في إنتاج ست غواصات من فئة 214.

في مؤتمر عبر الفيديو مع ميركل بمناسبة عيد الميلاد، أشاد أردوغان بالمستشارة الألمانية لكونها زعيمة تتمتع بالبصيرة، لكنه لم يتردد في تذكيرها باتفاقية 18 مارس، والتي تضمنت تحرير التأشيرات، ورفع مستوى الاتحاد الجمركي، وتجديد محادثات الانضمام، و6 مليارات يورو (7.2 مليار دولار). وفي يوليو، ارتفع هذا المبلغ بمقدار 485 مليون يورو (582 مليون دولار).

وفي مكالمة جمعت الرئيس التركي برئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بمناسبة العام الجديد، كرر أردوغان تذكيره بشأن اتفاقية 18 مارس وأكد أن تركيا ترى مستقبلها في أوروبا. كما طلب منها تجاهل "نزوات بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي وافتعالهم لمشاكل مصطنعة"، مبينا أنّ هذا الأمر لا يؤثر على مستقبل العلاقات الثنائية  فحسب، بل على مساحة جغرافية واسعة ومشتركة بين الجانبين.

تنظر الولايات المتحدة إلى الأمور بشكل مختلف. لم يتحدث الرئيس بايدن إلى أردوغان بعد. لكن مستشار الأمن القومي جيك سوليفان وافق في مكالمة مع بيورن سيبرت، وهو مسؤول مكتب رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، على التعاون مع الاتحاد الأوروبي في القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما في ذلك الصين وتركيا. كما تحدث سوليفان إلى إبراهيم قالين أيضا.

عارض وزير الخارجية الألماني هايكو ماس حظر توريد الأسلحة إلى تركيا، لأنه سيكون قرارا "غير سليم من الناحية الاستراتيجية"، لعضوية تركيا في الناتو. ومع ذلك، فقد حددت وزارة الخزانة الأميركية في مذكرة إلى وزارة الدفاع تركيا كمركز لوجستي للدولة الإسلامية.

ترجم هذا المقال إلى العربية بإذن من موقع يوراكتيف.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-foreign-policy/turkeys-unlikely-westward-turn