تحويل آيا صوفيا إلى مسجد لن ينقذ أردوغان في الانتخابات

إنتشرت شائعات تفيد بأن مجلس الدولة التركي قرر إعادة تحويل متحف آيا صوفيا، الذي شيّد ككاتدرائية في إسطنبول ثم تحول إلى مسجد، على وسائل التواصل الاجتماعي التركية هذا الأسبوع.  وفي تلك الأثناء، رأى بعض المحللين أن الأمر لن يغيّر التوقعات السياسية الحائمة حول مستقبل الرئيس رجب طيب أردوغان.

وقال بيرك إيسن، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بيلكنت في أنقرة، لموقع أحوال تركية، إن القضيّة قسّمت المجتمع. وعلى الرغم من أنه أشار إلى تحويل المعلم التاريخي إلى مسجد كانتصار للرئيس التركي وللإسلاميين، إلّا أنه لا يتوقّع أن ينجح أردوغان في توسيع قاعدته الإنتخابية بناء على هذا القرار.

شبّه الأمر بجهود الرئيس طويلة الأمد لبناء مسجد في ميدان تقسيم، وهو مشروع شارف على الاكتمال. ومع ذلك، فشل هذا النجاح في زيادة نسبة الدعم للرئيس وحزب العدالة والتنمية الحاكم، حيث خسر بلديات العديد من المدن التركية الكبرى، بما في ذلك إسطنبول وأنقرة، لصالح حزب الشعب الجمهوري المعارض في 2019. وقد يتكرر نفس السيناريو مع تحوّل آيا صوفيا المحتمل.

ووصف إيسن الأمر بنصر بيروسي، قائلا "إن الوضع الاقتصادي العام لن يتغير"، في إشارة إلى الاقتصاد التركي المضطرب واستنكار كبار المسؤولين في اليونان وروسيا والولايات المتحدة لقرار تحويل آيا صوفيا. ويتوقّع أن يواجه الرئيس التركي رد فعل قوي على الساحة الدولية.

بالإضافة إلى ذلك، من غير المرجح أن يكون للتغيير أي تأثير على الناخبين الشبان في تركيا، الذين ينفرون عن حزب العدالة والتنمية، حسب ما أبرزته دراسة أجراها مركز غيزي للبحوث في يونيو.

وقال إيسن: "بالنسبة للناخبين الشباب، ليست آيا صوفيا قضية مهمة حقا. ما هو أكثر أهمية من الافتقار إلى فرص عمل جيدة، ونقص الفرص التعليمية، والانكماش الاقتصادي؟"، مضيفا أن هذه الفئة قد تخلق تأثيرا كبيرا في الانتخابات المقبلة المقرر إجراؤها في 2023، على الرغم من أنها تمثل حوالي 12 في المئة من الناخبين فقط. وأشار إلى أن الفارق في نتائج الإنتخابات الماضية كان ضئيلا مما يجعل نسبة هؤلاء الشباب قادرة على تغيير الموازين.

وجدت الدراسة التي أجراها مركز غيزي للبحوث أن حوالي 13 مليون شاب تركي لا يتبنّون قيم حزب العدالة والتنمية المحافظة. ويبقى أكثر من ربعهم عاطلين عن العمل، حيث بلغت نسبة البطالة لدى المواطنين الأتراك الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 24 سنة حوالي 25 في المئة في الأشهر الأخيرة. ومع ذلك، تحدّث العديد من هؤلاء الشباب غير الراضين عن عدم التصويت لأي حزب أو مغادرة البلاد لرسم مستقبلهم في أوروبا أو الولايات المتحدة.

وقال إيسن: "بدأ أردوغان يفقد أصوات الجيل الشاب بشكل خطير"، لكن مصير هذه الأصوات الضائعة مجهول، حيث يمكن أن يختار هؤلاء الشباب الإحتفاظ بها أو تقديمها إلى أحزاب المعارضة. وقد تقلّصت خياراتهم في مغادرة البلاد بسبب القيود المفروضة على السفر بسبب الوباء. كما أنه لم يرهم يميلون تلقائيا لصالح حزب الشعب الجمهوري، الذي لم يفعل سوى القليل لغرس الثقة في نفوس الناخبين خلال السنوات الأخيرة.

وقال إيسن يجب على أحزاب المعارضة ألا تعتبر الحصول على أصوات هؤلاء الناخبين أمرا مؤكّدا وأن عليها بذل المزيد للحصول على دعمهم.

كما يعتبر الانزلاق إلى الاستبداد والابتعاد عن سيادة القانون منذ الانقلاب الفاشل في 2016 سببا آخر لابتعاد بعض الناخبين الأتراك عن حزب العدالة والتنمية، حيث أعلنت الحكومة حالة الطوارئ وطردت أكثر من 150 ألف موظف حكومي من الشرطة والقضاء والجيش والتعليم.

وسُجن عشرات الآلاف من المواطنين الأتراك لصلاتهم المزعومة بمخططي الانقلاب، في حين سجن عشرات الصحفيين والنشطاء والسياسيين البارزين، مثل عثمان كافالا وصلاح الدين ديميرطاش، بتهم ملفّقة. بالإضافة إلى ذلك، دعمت وسائل الإعلام الموالية للحكومة والتمويل الخاص والعام الكبير حزب العدالة والتنمية.

في فبراير، أشار سفير الاتحاد الأوروبي السابق لدى تركيا، مارك بيريني، في حديث إلى موقع أحوال تركية إلى أن تركيا تتجه نحو الاستبداد. يختلف موقف إيسن عن هذا، ويرجع ذلك إلى أن تركيا تُجري انتخابات حرة ونزيهة نسبيا، تتمتع فيها أحزاب المعارضة بفرصة حقيقية للفوز، كما حدث في 2019. لكنه اعترف بأن الرئيس التركي احتكر سلطة الدولة إلى حد كبير.

وقال إن الحزب الحاكم أصبح معزولا، بعد أن أصبح منحصرا في أردوغان ودائرة صغيرة من حوله.

لكن البيئة السياسية لا تعدّ سليمة في جنوب شرق تركيا، حيث شنت الدولة حملة صارمة على حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد، وطردت أكثر من 125 من المنتخبين على قائماته، وسجنت العشرات من قادته، بما في ذلك ديميرطاش، واحتجزت الآلاف من أعضائه متهمة إياهم بالتورّط في الإرهاب.

إذا اتخذ أردوغان موقفا عدوانيا مشابها تجاه حزب الشعب الجمهوري، وهو أمر يتوقّعه البعض، فستتحول تركيا رسميا إلى الأوتوقراطية، وفقا لإيسن الذي لا يرى ذلك مرجحا.

ويرى أنه من الأكثر إقناعا أن يظل الزعيم الاستبدادي منافسا في الساحة الانتخابية، لأن ذلك يمنحه بعض الشرعية الشعبية وبعض الدعم في الساحة الدولية وربما يسمح له بالسيطرة على الوضع بسهولة أكبر.

وبالتالي، وفي حالة عدم تآكل الديمقراطية أكثر، من المرجح أن تحظى معارضة تركيا بفرصة حقيقية في الانتخابات القادمة، خاصة بالنظر إلى الانكماش الاقتصادي الذي ترك الكثيرين دون عمل وقدرة على تحمل الإيجار وكلفة الغذاء.

وفي مقال حديث، جادل إيسن والمؤلف المشارك شبنام غيميشجي من كلية ميدلبري بأن صدمة اقتصادية كبيرة ستحد من الصدقات التي يستطيع حزب العدالة والتنمية تقديمها لشبكات دعمه الرئيسية، والنخب والفقراء، مما يمكن أن يؤدي إلى تفكك الاعتماد المتبادل بينهم والقائم منذ عقود.

قال إيسن: "مع الانكماش الاقتصادي وتقلص القاعدة الاقتصادية ، تغيرت حظوظ الحزب الانتخابية كثيرا".

وكما هو الحال مع الناخبين الشباب، يرى إيسن أن أمام المعارضة طريقا طويلا لإقناع المترددين والمستائين من حزب العدالة والتنمية بالإنضمام إليهم. ومع ذلك، أقر بأن الظروف مواتية لزيادة دعم المعارضة من الآن وحتى نوفمبر 2023.

توقع العديد من المحللين أن يدفع هذا أردوغان إلى الدعوة إلى انتخابات مبكرة. ولا يرى إيسن احتمال حدوث هذا في 2020. وبدلا من ذلك، أشار إلى احتمال أن نشهد هذا السيناريو بعد عام ونصف من الآن، أي قبل أن تتمكن الأحزاب المنشقة بقيادة شخصيات حزب العدالة والتنمية السابقة من تحقيق مكاسب، وبعد أن يمنح الاقتصاد التركي بعض الوقت للتعافي حتى يعتمده الحزب كعامل من شأنه أن يجذب الناخبين.

وقال إن الدعوة إلى الانتخابات بحلول خريف 2021 أو ربيع 2022 سيمنح أردوغان تلك اللحظة المثالية، وهي اللحظة المناسبة الأكثر للقدرة على التنافس ضد المعارضة. وأكّد على أن المنافسة ستبقى شرسة، لكن تلك الفترة ستكون الأمثل للرئيس التركي وحزبه الحاكم.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/hagia-sophia/hagia-sophia-mosque-changes-nothing-turkeys-erdogan
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.