تجارة الأسلحة تدفع واشنطن لتوريط أردوغان مع بوتين في إدلب

 

على الرغم من أنّ التعليقات حول نطاق ومضمون اجتماع أردوغان وبوتين مختلفة، إلا أنه كان من الواضح إلى حد ما أنه سيصدر قرار بـ “وقف إطلاق النار"، كان ذلك تطورًا متوقعًا. ولقد كان ذلك. حيث أن استمرار المصادمات كان سيؤدي حتماً إلى وضع الجيشين التركي والروسي في مواجهة مباشرة، ولم يكن هذا أمرًا يفضله أحد. كانت هناك فوائد "تكتيكية" ستحصل عليها الولايات المتحدة فحسب من هذا التطور.
ومنذ ذلك الحين، يطرح المعلقون من خلال استنتاجات يستخرجونها من بين أسطر الاتفاقية تقييمات حول من سيخرج من هذا الأمر رابحًا أو خاسرًا وما مدى دقة ذلك. أمر طبيعي. إذا كان من الضروري كتابة "ربح" في خانة أحد الطرفين، فمن الواضح أن ذلك الطرف هو الأسد.
الأسد الذي تعافى بفضل الدعم الروسي والإيراني، وقطع مسافات كبيرة في استعادة سيطرته على البلاد، واستجمع جيشه قواه لم يكن في وضع يظل/سيظل معه في حالة "صراع" طويل الأمد مع تركيا. وبالطبع كانت روسيا هي الأعلم بهذا. ذلك أن الأسد الذي أدلى ببيان حول الموضوع مع إعلان خبر عقد الاتفاق أشاد بالرئيس الروسي بوتين، وشكره.
الأهم والأكثر قيمة ومعنى من نقاشات وتحليلات حول من الخاسر ومن الرابح، هو توقف الأسلحة وتوقف أخبار الموت والقتل، حتى وإن كان ذلك بشكل مؤقت. لأنه من الأفضل أن تبقى "هضبة الشهداء" فارغة، ويظل على قيد الحياة من أنهكتهم الحرب والقتل.
"العقدة" الموجودة في إدلب لا تستمر حتى النهاية. فالمستقبل الواضح هو أن سوريا ستعيد بناء نفسها من جديد كدولة ذات سيادة على أراضيها. وفي ظل الحصار المفروض على القوى الإقليمية والعالمية سنرى إلى أي مدى يمكنها تحقيق سلامها الداخلي، وبناء ديمقراطية يمكن أن تعيش فيها وتحت إدارتها سويًا وفي سلام مجتمعات عرقية ودينية مختلفة، وهل سيتمكن ملايين اللاجئين من العودة بأمان إلى ديارهم ومنازلهم. عملية صعبة وشاقة...
وعلى حين توقفت الاشتباكات في إدلب في الوقت الراهن على الأقل، وبدأت المبادرات الدبلوماسية فمن المفيد بالنسبة للجميع إلقاء نظرة فاحصة على الوجه الداخلي للفوضى الدموية في سوريا والتفكير فيها بهدوء أكبر، بعيدًا عن تأثير النعرات القومية التي لا أساس لها والمفروضة على جميع الأطراف.
لأن هذه ليست حرب"نا"، ولكنها تلحق الضرر "بنا".
معلوم أن الحرب تعني الصراع، تعني "السلاح"... ومن يصرخون "لتحترق إدلب، ولتنهدم سوريا"، ومن يقولون "نحن الصديق والحليف الحقيقي لتركيا كما هو واضح"، ومن يقولون "حسنًا، ادفع الجنود إلى الداخل السوري، حتى موضع معين"، والحاصل أن أكثر الحقائق العارية التي تطغى على الدعوة للصراخ الذي يهمين على أجندة الأعمال هي تجارة الأسلحة التي تتم عبر/فوق سوريا...
لقد كانت سوريا تعتمد على روسيا لفترة طويلة؛ فجميع أنظمة الأسلحة لديها من أصل روسي. ولقد تعزز هذا الارتباط والاعتماد أكثر خلال الحرب الأهلية.
وما دامت تركيا متورطة في الحرب الأهلية في سوريا، فلا مانع من ذلك. لأن هذا يعني بيع مزيد من الأسلحة إلى تركيا. فقد اشترت تركيا أسلحة بمبلغ 10.7 مليار دولار بما في ذلك مبلغ 2.5 مليار دولار التي دفعتها للمنظومة الصاروخية S-400 التي اشترتها من روسيا. والحصة الكبرى من هذه الواردات تبلغ 35.24 في المائة ذهبت لصالح أميركا، بينما تبلغ حصة روسيا 23.4 في المائة. والحل الذي لم ترد الولايات المتحدة الأميركية وروسيا أن تخسره مع تركيا هو تجارة السلاح التي تثير هذه الرغبة، بالدرجة الأولى، وتكمن في قلب حساسية أنها "صديق وحليف" لها. فهما تريدان تركيا "متحاربة" بطريقة أو بأخرى، أو على أهبة الاستعداد دائمًا، مستعدة للحرب في أية لحظة.
وبطبيعة الحال، فإن بُعد "تجارة الطاقة" يشكل أحد أبعاد هذه العلاقات. فروسيا تبيع الطاقة النووية لتركيا. وتبيعها الغاز الطبيعي أيضًا. إن تركيا أهم "عملاء" شراء الغاز الطبيعي من روسيا. إننا نقوم أيضًا بدفع مبالغ لروسيا من خلال فواتير الغاز الطبيعي الباهظة التي ندفعها شهريًا. كما أننا نشتري النفط من روسيا.
إننا لا نشتري الطاقة من الولايات المتحدة الأميركية. بل على العكس، هي التي تشتري النفط من المنطقة. الولايات المتحدة الأميركية هي أهم مشتري النفط من دول الخليج العربي، وذلك من خلال شركات النفط في الشرق الأوسط التي تشارك فيها. فقد اشترت من دول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية والعراق، 575 مليون برميل نفط من بين 3.6 مليار برميل من النفط استوردتها عام 2018. حتى هذا الجدول لوحده لا بد وأنه يفسر سبب الاهتمام الأميركي الكبير بالمنطقة.
في هذه المرحلة تمامًا، نحتاج إلى التفكير وفهم سبب تشبيه الشرق الأوسط بـِ"المرجل الذي يغلي". وأبرز مثال على ذلك هو سوريا...
سوريا هي المحطة الأمامية لروسيا، والتي استطاعت أن تقيم علاقات معها في الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط منذ عهد الاتحاد السوفيتي. سوريا وإسرائيل معاديتان بعضهما لبعض بسبب القضية الفلسطينية في الظاهر. تركيا معادية لإسرائيل بنفس "الحساسية" في فترة تركيا المعروفة بـ"الجديدة" (ولكن الاتفاقيات العسكرية والتجارية لا زالت سارية). الولايات المتحدة الأميركية تناهض سوريا، ولديها علاقات ارتباط مع تركيا أبعد بكثير من عضوية حلف الناتو. وبطبيعة الحال، "التابع" هو تركيا بالأساس.
القوة الإقليمية الأخرى وهي إيران أيضًا حليف لسوريا. إن سوريا وحزب الله اللبناني الذي يعمل عبر سوريا يمثلان بالنسبة لإيران الدولة الشيعية الوحيدة في العالم حليفان "لا غنى عنهما". وتشعر تركيا أنها مضطرة لمواصلة علاقاتها الرسمية وغير الرسمية مع إيران رغمًا عن أميركا.
وفي الوقت نفسه هناك أيضًا "مشكلة مشتركة" جمعت بين تركيا وسوريا وإيران، إنها المشكلة الكردية.  وحتى الأمس كانت العراق أيضًا تشكل جزءًا من هذا المكون المشترك، ولا يزال العراق هكذا في الأساس بموقفه الذي لا يعترف بحق كردستان في الاستقلال...
حاولت أن ألخص هذا المشهد المعقد: مَنْ صديقُ وحليف مَنْ، ومَنْ ضد من ولماذا، مستخدمًا لغة واضحة؛ لكنني ما زلت أدرك أن الأمر "معقد". ولكن هذا يتعلق بالمشهد نفسه أكثر من قدرتي على التعبير. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذا فقط هو البعد السوري من المشهد.
ومع ذلك، أعتقد أنه يعطي فكرة بشأن السبب في كون الشرق الأوسط "مرجل يغلي".
في هذا المشهد لا يتعين علينا أن نكون "جنود" هذه القوة أو تلك. لا يتعين علينا أن نكون ممثلًا للحسابات الإمبريالية لأي شخص. كما أن الطريقة الوحيدة لتصبح قوة معتبرة ليست هي إبراز القوة العسكرية التي تودي بأرواح الناس. أن تكون الدولة "قوة" معتبرة بفضل سلامها وديمقراطيتها التي حققتها في الداخل أكثر من قوتها العسكرية، هو خيار آخر أقوى وأكثر صحة وسلمية. فالآثار والنتائج التي ستمهد لها أكثر دواما وأصالة وبالطبع إنسانية...
أعلم أن بعض قرائي اعتبروا وجهات نظري التي تقول بالسلام "ساذجة" ولكنها "ليست واقعية".
الصحيح والأخلاقي بالدرجة الأولى أن يكون هناك ضمير وجرأة وجسارة للوقوف إلى جانب السلام على أية حال، ودون أن تقول "لكن" أو "غير أن".
دعونا لا ننسى أن القوة الحقيقية للمتنمرين ليست هي وسائل العنف التي يمتلكونها، بل دعم الجماهير التي يخدعونها.
انظروا، في 1 مارس 2003، خرج الناس في هذا البلد إلى الشوارع، وقالوا "لا للحرب!"، ولأنهم نظموا حملات مناهضة لها لم تعلن تركيا إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية الحرب على العراق بشكل فعلي. وقد أثر هذا في البرلمان بالرغم من كل ما فرضته الحكومة من نفوذ، ولم يوافق البرلمان في تلك الفترة على المذكرة التي عرضت عليها. وتحقق ما يطلق عليه "لا".
إن قول "لا للحرب" لا يمكن أن يكون قضية "محظورة". قبول هذا لا يخدم سوى التضحية لصالح حسابات تجار الحرب.
وطالما أنه تم إعلان وقف إطلاق النار في إدلب... فقد حان الوقت للتفكير على الأقل: الأموال التي تنفق على الحرب هي الأموال المستقطعة رغمًا عن إرادتنا وحقوقنا واحتياجاتنا الأصيلة مثل الصحة والتعليم والنهضة والأمن. ليست الحرب، دعونا ندافع ليس عن الحرب بل عن السلام؛ وليس عن الموت بل عن الحياة... يكفي أن نمنح الروح لـ "هضبة الشهداء"...
 

•    الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي "أحوال تركية".

 

•    يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/idlib-krizi/madem-ateskes-ilan-edildi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.