علي آغجاكولو
يونيو 09 2019

تكتيك الخميني في حرب أردوغان الخفية ضد الولايات المتحدة

تركيا أردوغان تشبه في نواحٍ كثيرة إيرانَ محمد رضا بهلوي المحكومة بالملكية. لكن أردوغان يفضل أن يتصرف مثل الخميني مهندس الثورة الإيرانية. فالشاه محمد رضا الذي ورث عن والده رضا خان إيران حديثة ومتقدمة بعض الشيء قد أفسد اقتصاد البلاد أكثر فأكثر يومًا بعد يومٍ في ظل سياسات فاشلة؛ فمع تراجع الزراعة تسارعت وتيرة الهجرة من القرية إلى المدينة، وكان نصف السكان في المدن يعيشون في فقر.

لم يكن خريجو الجامعات يستطيعون العثور على عمل، ولم يتسنَّ دمجهم في الاقتصاد. وزادت الفجوة بين الأغنياء والفقراء، علاوة على ذلك هز الشاه، وبشدة، الاقتصاد من خلال استثمار عسكري بقيمة تفوق 6 مليار دولار طمعًا في امتلاك واحد من أكبر خمسة جيوش تقليدية في العالم. وعلى الرغم من الاستياء المتزايد في المجتمع إلا أنه لم يكن يستمع إلى صوت الشعب، وكان يعيش في عالم الأوهام الخاص به.

في السنوات التي سبقت الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 زاد الشاه رضا في إيران من ضغوطه على المعارضة. وكان فرض الرقابة الشديدة على الصحف، وزيادة الضغوط على المثقفين، وإغلاق الأحزاب المعارضة، وزيادة سيطرة الاستخبارات على المجتمع وحتى تنظيم التجمعات واللقاءات الميدانية، وتسبب احتكارات الدولة في إفلاس التجار، وزيادة فقر الطبقة المتوسطة أكثر فأكثر يومًا بعد يوم، ووجود خريجين عاطلين عن العمل، وانهيار الأخلاق الاجتماعية؛ كل ذلك هيأ إيران لثورة إسلامية.

والحقيقة أن هذا الظرف السياسي والاقتصادي في إيران يشبه كثيرًا تركيا أردوغان. وبالتالي فمن المتوقع قيام ثورة ضد هذا النظام المستبد في تركيا أيضًا. وعلينا التذكير بأن أحداثًا مماثلة لهذا حدثت قبل الثورة الفرنسية عام 1789.

تلك التطورات السيئة المذكورة في إيران دفعت الشعب إلى الشوارع، ووجد الشاه الحل في مغادرته البلاد.

وبحلول 1 فبراير 1979 عاد إلى طهران آية الله الخميني الذي كان في المنفى في فرنسا. ومع عودته تحققت الثورة الإسلامية الإيرانية.

بعد الثورة حاول الخميني عزل إيران عن الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا بشكل أساسي، حتى يقيم النظام الذي كان هو مؤسسه. لأن إنجلترا والولايات المتحدة الأميركية كانتا تمتلكان استثمارات عسكرية واقتصادية مهمة في إيران.

وكان يجب الحيلولة دون تدخلهما. لهذا اتبع سياسة توتر مضبوطة القوام والتردد بشكل جيد. وكان لهذه السياسة جانبان؛ أولهما: ضمان توحيد الجمهور دون خلق فرصة لمناقشة النظام في الداخل؛ وذلك من خلال توليد أعداء خارجيين. ثانيهما: كسب الوقت من أجل استقرار النظام الجديد تمامًا، وذلك من خلال جذب انتباه البلدان التي يمكن أن تتدخل في البلاد إلى اتجاهات مختلفة.

استثمر الخميني كل فرصة سنحت له من أجل الوصول إلى هذه الأهداف. ومن أكبر الفرص احتلال السفارة الأميركية في طهران. وفي 4 نوفمبر 1979 اقتحمت السفارة الأميركية في طهران مجموعةٌ من الطلاب الذين يحتجون على لجوء شاه إيران المخلوع إلى الولايات المتحدة الأميركية، واحتجزت 52 شخصًا كرهائن.

وكانوا يطالبون بإعادة الشاه والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الولايات المتحدة الأميركية. وقد دعم الخميني هذا الإجراء الذي نفذه الطلاب، وأكسبه الوقت الذي يحتاجه لتحقيق أهدافه.

وخلال أزمة الاحتجاز التي استمرت 444 يومًا قامت الولايات المتحدة الأميركية بعملية إنقاذ فاشلة، أدت بالرئيس الأميركي كارتر إلى أن يترك مقعده في الانتخابات التالية إلى الرئيس الأميركي ريجان، وذلك لأنه لم يستطع إدارة أزمة الرهائن جيدًا.

وقد حدثت في تركيا بعد انقلاب 15 يوليو أحداث مشابهة لأزمة الرهائن التي شهدتها إيران في 1979؛ وتم القبض على بعض العاملين في السفارة الأميركية بتهمة "التجسس والإطاحة بالحكومة". والأكثر من ذلك تم احتجاز القس برانسون الذي كان مبشرًا في إزمير؛ وذلك من أجل مبادلته مع فتح الله غولن. ونتيجة لتهديدات الرئيس ترامب تم إطلاق سراحه. لكن عمال السفارة الآخرين لا يزالون معتقلين.

وعليه فإنه لا يزال يحدث في تركيا مثل أزمة الرهائن التي وقعت في إيران.  ويستحيل القول إن الرئيس ترامب استطاع أن يُدير الأزمات مع تركيا بشكل جيد. ومن الممكن أن يتسبب هذا الوضع في أن يواجه ترامب مصير كارتر. ولا يمكن القول أيضًا أن مجلس الشيوخ والكونغرس يوافقان على سياسات ترامب بشأن تركيا.

تسببت الثورة الإسلامية الإيرانية في هجوم صدام حسين على إيران؛ إذ تخوف من انتقال الثورة إلى أراضيه، مما أدى إلى نسيان الإيرانيين الخلاف والنقاش المتعلق بالنظام والإدارتين الجديدين، والالتفاف حول الخميني. كما استخدم الخميني العدو الخارجي والحرب كليهما من أجل توحيد الداخل وتعزيز ثورته هذه اعتمادًا على هذه الخلفية السياسية.

لجأ أردوغان أيضًا إلى طريقة مماثلة. فبعد مدة قصيرة من انقلاب 15 يوليو يحاول تناسي المناقشات المتعلقة بالنظام الجديد من خلال إدخال القوات المسلحة التركية إلى الأراضي السورية بذريعة الإرهاب. ويهدف إلى توجيه انتباه السياسة والمجتمع إلى الإرهاب والعدو الخارجي، وتحفيز المجتمع فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب وجمعه حوله شخصيًا من خلال ذلك.

ووجود وحدات حماية الشعب الكردية المسوقة من أجل دخول سوريا في منطقة "روجافا" عبارة عن وهم كبير. لأنه ليس هناك أحد سوى أردوغان هو الذي فتح الممر الذي أدى إلى تمركز وحدات حماية الشعب الكردية في منطقة روجافا.

وبحلول التسعينيات تم إحراز تقدم في الدراسات المتعلقة بالحوار الإسلامي المسيحي في أوروبا. وسنحت الفرصة للمسلمين أن يتعرفوا على الغرب المسيحي، وكذلك أن يتعرف المسلمون الموجودون في الغرب على الشرق. وبالتالي سوف تتضاءل حالة الاستقطاب بين العالمين، وستفقد الأفكار الراديكالية التي تتغذى من هذه التحزبات أسسها الغذائية.

النظام الإيراني الذي أسس نفسه على معاداة الغرب لم يكن راضيًا عن هذا الوضع. فإذ بسلمان رشدي يسارع إلى نصرة الخميني. وفي عام 1989 نشر كتاب بعنوان "آيات شيطانية"، وفي أعقاب هذا بدأت المظاهرات في العالم الإسلامي.

وعليه أصدر الخميني فتوى ب"القتل لكاتب الكتاب وناشريه". وهكذا اختفى المناخ المعتدل بين الدينين، وواصل الخميني سياسة التوتر وعزل إيران التي شعر أنها بحاجة شديدة إليها عن الغرب.

لم يخرج في تركيا بعدُ سلمان رشدي الذي سيكون بمثابة ماء الحياة بالنسبة لأردوغان. لم يخرج، ولكن أردوغان يسعي إلى ملء تلك الفجوة عبر شيطنة المثقفين في بلاده أنفسهم.

وأعتقد أن "عثمان كافالا" واحد من أهم الأسماء التي تم اختيارها ضحية لهذا الحدث. حيث يخطط أردوغان لتوتير العلاقات مع الغرب من خلاله، وتعزيز نظام 15 يوليو من خلال الوقت الذي سيوفره له هذا التوتر.

لكن هناك اختلافات مهمة جدًا بين ثورة الخميني وثورة أردوغان، فالثورة الإسلامية الإيرانية ثورة حقيقية، أما 15 يوليو فهو إنقلاب زائف. من الغش محاولة إحداث ثورة من خلال قطع رؤوس مجموعة من الطلاب العسكريين لا يعرفون ماذا يفعلون ولماذا خرجوا إلى قارعة الطريق كما تفعل عناصر داعش.

إنها لحقيقة هجوم صدام ضد إيران ودفاع الأخيرة عن نفسها. ولكن الادعاء بأن وحدات حماية الشعب هاجمت تركيا وبالتالي قيام تركيا بدخول سوريا نتيجة لذلك هو تزييف وضلال. كما أنها حقيقة ثابتة أن لسلمان رشدي كتاب يزدري الإسلام، وهناك سبب حقيقي لما ناله من ردود فعل. لكن شيطنة أردوغان للمثقفين خطأ وبهتان كبير وتشهير.

إن محاولة تطبيق خطة ثورية تم اختبارها وتسنى لها النجاح في إيران من قَبلُ على تركيا من خلال تكوين حقائق كاذبة وزائفة يقدم الخيوط الدقيقة الحقيقية للعقل المدبر وراء إنقلاب 15 يوليو في الأساس. والواقع أن إيران التي اتهمها أردوغان بالطائفية قد ذكرته "بأنه لم ينم حتى الصباح ليلة الـ 15 يونيو."

 هذا المقال يعكس آراء الكاتب فقط، وليس بالضرورة أن يكون متوافقًا مع سياسة التحرير في موقع "أحوال تركية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/guncel/erdoganin-abd-ile-ortulu-savasinda-humeyni-taktigi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.