تعليمات أردوغان لن تخفض أسعار المواد الغذائية

منذ نوفمبر، أصبحت تركيا أكثر جدية في مكافحة التضخم المرتفع. وقد رحب المستثمرون الأجانب بالتغييرات في فريق إدارة البنك المركزي والسياسة النقدية الأكثر تشددًا، والذين يمكنهم الآن جني الأرباح مما يسمى "تجارة المناقلة". 

بدأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وأكبر مجموعة أعمال في البلاد في الشكوى من ارتفاع أسعار الفائدة. لكن البنك المركزي أوضح تمامًا أنه سيتم الحفاظ على سعر الفائدة القياسي البالغ 17 بالمئة وربما المعدلات الأعلى طوال معظم عام 2021.

ولكن لم يتضح بعد إلى متى سيبقى ناجي أغبال محافظًا للبنك المركزي - تم تعيينه من قبل أردوغان في أوائل نوفمبر بعد انخفاض الليرة إلى مستوى قياسي. لكن في النهاية، لا ينبغي أن يُتوقع من أردوغان، اليائس من تدفقات الاستثمار الأجنبي، تدمير الاستقلال المؤسسي للبنك المركزي.

سيبدأ مزيج من التباطؤ في الطلب المحلي واستقرار الليرة في إبطاء عجلة التضخم - الذي يبلغ حاليًا 14.5بالمئة - في الربع الأول من هذا العام. وسيبدأ التضخم الرئيسي، الذي سجل 14.6 بالمئة في ديسمبر، في الانخفاض تدريجياً بعد تسارعه لبضعة أشهر أخرى.

وفي حالة عدم حدوث صدمة خارجية أو داخلية غير متوقعة، سينتهي التضخم العام عند ما بين 11 بالمئة و 12 بالمئة، طالما ظلت الليرة مستقرة حول المستويات الحالية. وبحلول نهاية الربع الثالث، ستسمح ديناميكيات التضخم للبنك المركزي بخفض أسعار الفائدة تدريجياً.

سيعلن البنك المركزي عن تقرير التضخم الفصلي في 28 يناير. وستكون محتوياته مهمة في إظهار كيفية استيعاب البنك المركزي للتغييرات في توقعات التضخم، والتي كانت تتزايد، وستكون بمثابة اختبار صلاحية لإطار سياسته النقدية. سيكون من المهم أيضاً أن نرى كيف يدمج البنك ارتفاع أسعار السلع العالمية في نموذج التضخم الخاص به.

وعند النظر إلى أسعار السلع الأساسية، يجب ألا نغفل ارتفاع أسعار الغذاء العالمية. وفي هذا السياق، فإن دعوة أردوغان هذا الأسبوع للشركات لخفض أسعار المواد الغذائية، بما في ذلك زيت الطهي والبقول والخضروات والفواكه، هي دعوة جيدة كبداية.

وقالت صحيفة صباح المقربة من حزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة أردوغان في الأسبوع التالي "الرئيس أعطى تعليمات نهائية للفريق الاقتصادي بشأن التجار الانتهازيين الذين اشتكى منهم المواطنون. وسيتم تخفيض الأسعار".

Turkish inflation

أولاً وقبل كل شيء، لا يمكن خفض أسعار المواد الغذائية عن طريق إصدار التعليمات. لن يحدث أي تغيير. لقد جربت حكومة حزب العدالة والتنمية نفس النهج من قبل ولم ينجح. وفُرضت عقوبات على وسطاء يُعتقد أنهم "يرفعون أسعار المواد الغذائية" لكن المبادرة فشلت. ولفهم أسباب هذا الفشل، من الضروري النظر في المشاكل في القطاع الزراعي، وواردات المنتجات الغذائية والزراعية، وبالطبع أسعار الغذاء العالمي.

ولمساعدة فريق المراجعة الذي يتصرف الآن بلا شك بناءً على أوامر أردوغان، فلنبدأ في فحص خلفية سبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية.

Turkey food prices

سجل مؤشر أسعار الغذاء العالمي الذي أعلنت عنه منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أعلى مستوى له في ست سنوات في نهاية عام 2020. وقد أدت خسائر الإنتاج بسبب تغير المناخ والتشوهات الناجمة عن جائحة كورونا إلى ارتفاع الأسعار في كل مكان تقريبًا، بينما يتناقص دخل الأسرة على نطاق عالمي.

وبالبحث في الأرقام، وصلت أسعار العقود الآجلة للذرة وفول الصويا إلى أعلى مستوى لها منذ ست سنوات لأن الجفاف يهدد المحاصيل في أميركا الجنوبية في وقت يتزايد فيه الطلب في الصين. ارتفع سعر زيت النخيل المستخدم في كل المواد الغذائية التي تباع في السوبر ماركت إلى أعلى مستوى له منذ 10 سنوات. كما أن الإجراءات الحمائية ترفع الأسعار. ففي الأرجنتين، علقت الحكومة تراخيص تصدير الذرة لخفض الأسعار بينما أعلنت روسيا، الدولة الرائدة عالميًا في تصدير الحبوب، عن فرض قيود على صادراتها بدءًا من منتصف فبراير للحد من تضخم أسعار الغذاء في الداخل.

وفي غضون ذلك، فقد مؤشر الدولار 6 بالمئة العام الماضي. ومع انخفاض قيمة الدولار، ارتفعت أسعار السلع، بما في ذلك المواد الغذائية. ومع الانتشار العالمي للقاحات فيروس كورونا، ستندمج كل من الزيادة في دخل الأسرة وإنهاء إجراءات حظر التجول، التي أعاقت قطاع الخدمات، لزيادة الطلب على الغذاء في النصف الثاني من العام. وسوف ترتفع الأسعار أكثر من ذلك.

علاوة على ذلك، من المتوقع أن تستمر هذه الزيادات في الأسعار طوال عام 2021.

وبالنظر إلى القطاع الزراعي في تركيا، وفي ظل وجود مشاكل الكفاءة وقضايا المناخ من ناحية وزيادة ضغوط التكلفة من ناحية أخرى، فإن أسعار المواد الغذائية آخذة في الازدياد. يعد التمون والتخزين الناجم عن الوباء، وارتفاع أسعار المواد الخام، وتقلب أسعار الصرف، وزيادة تكاليف المدخلات من بين الأسباب الرئيسية لتضخم أسعار المواد الغذائية في تركيا.

كما ارتفعت أسعار الأسمدة، وهي مُدخل زراعي مهم، بنسبة 90 بالمئة خلال العام الماضي. وارتفعت أسعار أعلاف المصانع المستخدمة في تربية الماشية بنحو 60 بالمئة بسبب طبيعة التوريد التي تعتمد على الاستيراد. كما أدى ارتفاع أسعار الكهرباء المستخدمة في الزراعة في الأشهر الـ 12 الماضية، وارتفاع سعر وقود الديزل بسبب ارتفاع أسعار النفط وانخفاض قيمة الليرة، إلى زيادة تكاليف إنتاج الغذاء.

استوردت تركيا 3.5 مليار دولار من المواد الخام للأعلاف الحيوانية العام الماضي، و 2.3 مليار دولار من الزيت النباتي و 2 مليار دولار من الدقيق. لا ينبغي أن نستغرب ارتفاع أسعار اللحوم والألبان وزيت الطعام وأي منتج بما في ذلك الدقيق بسبب انخفاض الليرة بنسبة 20 بالمئة مقابل الدولار في عام 2020.

يستهلك الري الزراعي 75 بالمئة من إمدادات المياه في تركيا كل عام. ومن أصل 78 مليون هكتار من الأراضي التركية، تشكل الأراضي الزراعية أكثر من ثلث المجموع، أو 28 مليون هكتار.

وفي تركيا، تتطلب 93 بالمئة من الأراضي الزراعية الري لإنتاج الحبوب والخضروات والفواكه. ومن حيث موارد المياه الجوفية والسطحية المحتملة، هناك 8.5 مليون هكتار فقط من الأراضي الزراعية في البلاد قابلة للري بشكل اقتصادي؛ مما يعني الاعتماد الشديد على هطول الأمطار. وتمتلك فقط 8 بالمئة من إجمالي الأراضي الزراعية بنية تحتية للري بالتنقيط. ومن ثم عندما يكون هناك جفاف كما كان الحال العام الماضي وهذا العام، وكما سيكون الحال في السنوات القادمة بسبب تغير المناخ، ستظل أسعار المواد الغذائية مرتفعة بسبب انخفاض الإنتاج مقارنة بالطلب.

هذه هي العوامل التي تؤدي إلى ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية في تركيا.

وسواء كنت رئيسًا لتركيا أو رئيسًا للكون، لا يمكن خفض أسعار المواد الغذائية ببساطة عن طريق إعطاء "تعليمات". يتطلب خفض أسعار الغذاء زيادة الإنتاج بناءً على سياسات زراعية عقلانية. يجب أن تأخذ هذه السياسات في الاعتبار أيضًا التغييرات المتوقعة في قطاع الزراعة على مدى الثلاثين عامًا القادمة وتتطلب تمويلًا كافيًا لإحداث التحول.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/why-food-prices-turkey-will-not-decline-presidential-instructions
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.