طموحات أردوغان الطائشة تدفع بتركيا إلى عزلة إقليمية ودولية

أنقرة – إلى أين يقود الرئيس أردوغان تركيا بسياساته التي توصَف من قبل معارضيه ومنتقديه بالمتهورة؟ هل أبقى أردوغان على أصدقاء لبلاده أم أنّه يحترف سياسة تحويل الأصدقاء إلى أعداء؟ إلى أيّ حدّ يمضي أردوغان بالأسلوب العدوانيّ في المنطقة؟

يشير محللون أتراك إلى أنّ الرئيس أردوغان ينتقل ببلاده من أزمة إلى أخرى، وكأنّه يحتمي بالأزمات من أجل إدامة عمر نظامه الذي تصفه المعارضة بالمتهالك الذي ينخره الفساد، ويواجه اتّهامات بالدكتاتورية وتحويل البلاد إلى إقطاعة عائلية، عبر توزيع المنافع والامتيازات على أفراد أسرته والمقرّبين منه.

وورّط الرئيس التركي بلاده في عدد من الأزمات في المنطقة والعالم، ودفع بالجيش التركي إلى خارج الحدود في أكثر من جبهة، في العراق وسوريا وليبيا وناغورني قره باغ، كما أنّه يزيد التصعيد والتوتّر شرق المتوسّط، ناهيك عن استعدائه للولايات المتّحدة من خلال اختبار منظومة صواريخ إس-400 الروسية التي تقول واشنطن إنّها تشكّل خطراً على منظومة أسلحة الناتو.

وفي هذا السياق، كتب المحلل أندرو ليونارد لموقع يورواسيا ريفيو أمس السبت أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتخذ تحركات جيوسياسية تصادمية ومتهورة وطموحة بشكل متزايد لتركيا، كما لو أنّه يسير على عكس سياسة الرئيس الأميركي السابق ثيودور روزفلت "الحديث بهدوء وحمل عصا كبيرة" للدبلوماسية.

وقال ليونارد إن تركيا أصبحت معزولة عن جيرانها حيث ضغطت من أجل المزيد من التحديات للمياه الإقليمية في البحر الأبيض المتوسط، وتنصلت من القانون الدولي بصفقاتها مع ليبيا، وتعاملت مع "جهات فاعلة بغيضة من خارج مؤسسات الدول". وأضاف أن "هذه المبادرات غير الحكيمة تركتها مع عدد أقل من الشركاء الاستراتيجيين وعدد متزايد من الخصوم الجيوسياسيين".

وقفت أنقرة بقوة وراء أذربيجان في نزاعها الذي اندلع مؤخرًا مع أرمينيا بشأن ناغورني قره باغ، وقامت بنقل مرتزقة سوريين لمساعدة حليفها إلهام علييف. وعلى الرغم من نفيها ذلك، إلّا أنّه ظهرت تقارير مؤكدة على الأرض بعد أن أجرى صحفيون مقابلات مع مقاتلين سوريين وعائلاتهم.

وتوسطت روسيا، الوسيط الرئيسي في المنطقة، والتي لديها أيضًا اتفاق أمني مع أرمينيا، لوقف إطلاق النار الأسبوع الماضي، لكن كل من أذربيجان وأرمينيا اتهمتا بعضهما البعض بانتهاك الشروط. وقال المسؤولون الأتراك مرارًا وتكرارًا إن الطريق الوحيد إلى السلام هو انسحاب أرمينيا بالكامل من ناغورني قره باغ وغيرها من الأراضي المتنازع عليها والمعترف بها دوليًا على أنها تابعة لأذربيجان.

وقال ليونارد إن هذا الموقف "يسلط الضوء على موقف تركيا المتصلب بشأن الصراع." ولفت أنّه قد يبدو محيرًا، وأن عدم التضارب بين المواقف السياسية والأفعال الميدانية من خلال الأعمال العدائية المتزايدة هو طريقة عمل أنقرة بشكل عام.

كما تدهورت العلاقات التركية اليونانية بسبب تصرفات تركيا في شرق البحر المتوسط​​، ويفكر الاتحاد الأوروبي في فرض عقوبات على تركيا لانتهاكها الحقوق الإقليمية للدول الأعضاء في اليونان وقبرص. كما حثت وزارة الخارجية الأميركية تركيا على "إنهاء هذا الاستفزاز المحسوب".

وينبع تدخل أنقرة في ليبيا من عدة قضايا: الشركات التركية لديها عقود بناء في الدولة الواقعة في شمال إفريقيا التي مزقتها الحرب، والتي قد تفشل إذا تم اجتياح حكومة الوفاق الوطني التي تتخذ من طرابلس مقراً لها من قبل القوات المتنافسة بقيادة المشير خليفة حفتر.

وتهتم تركيا أيضًا بموارد الطاقة الكبيرة في ليبيا، وقد وقعت مؤخرًا اتفاقية بحرية مع حكومة الوفاق الوطني في محاولة لتقوية يدها في المفاوضات مع اليونان.

وأضاف المحلل أندرو ليونارد إنّه على الرغم من أن تركيا نجحت في قلب المدّ في الصراع الليبي من خلال تقديم الدعم العسكري لحكومة الوفاق الوطني، إلا أن روسيا والإمارات العربية المتحدة وفرنسا ومصر تدعم حفتر، ولا يمكن أن تنافس تركيا القوات المشتركة للجيوش الأربعة المذكورة أعلاه لفترة طويلة.

وتابع أن تركيا "فشلت في تأمين منطقة عازلة بطول 20 ميلاً" في إدلب السورية، وذكر أنّ ذلك "يرجع ذلك إلى حد كبير إلى الدعم الروسي للجيش العربي السوري". وتمكنت القوات المسلحة التركية والميليشيات التي تدعمها في سوريا من إبعاد الجماعات الكردية عن الحدود الجنوبية، لكن احتمال موجة أخرى من اللاجئين السوريين الذين يسعون لدخول البلاد لا يزال قائما.

وتستمر تركيا في الخلاف مع حلف الناتو والولايات المتحدة، اللذين عارضا شراءها أنظمة الدفاع الصاروخي الروسية الصنع إس-400 ويواصلان معارضة تفعيل النظام. وباعتبارهما حلفاء منذ فترة طويلة للجمهورية التركية، فإنهما يقولان إن نظام إس-400 يشكل خطرًا أمنيًا على الناتو، ولا سيما على المقاتلة الشبح إف-35 التي طورتها الولايات المتحدة.

وقال ليونارد كذلك: "في النهاية، يجب على تركيا أن تقرر أين تكمن ولاءاتها، لأن عضويتها في الناتو قد تكون في النهاية على المحك". وأشار إلى إن أنقرة عهدت بتأمين أهدافها الاستراتيجية إلى المرتزقة والجهاديين الأجانب، لكن التورط في الصراع الخارجي "لم يسفر إلا عن القليل من المكاسب الجيوسياسية الجوهرية". وأكّد أنه يتعين على تركيا تقليص سياساتها الاستقطابية "لإنقاذ شرعيتها"، وإدراك أن سياساتها الخارجية ليست مستدامة.