تقرير الأمم المتحدة حول تركيا: هل فُقِد الأمل؟

 

قضيتُ اليومين الماضيين في جنيف. بدا الجو ببرودته وأمطاره وغيومه الكثيفة كأنه انعكاساً لما شهدناه خلال هذين اليومين. وعندما انتهت زيارتي، عدتُ أدراجي، وقد وجدت نفسي في حزن وكآبة كبيرة، تعادل ما عشته طوال حياتي.
توجهت إلى جنيف بصحبة رئيس مؤسسة حقوق الإنسان في تركيا، د. شَبْنَم كورور فينانجي، والكاتبة في موقع "أحوال تركية" نورجان بايسال، بِناءً على دعوة من المرصد الدولي لحقوق الإنسان، الذي يتخذ من لندن مقرًا له. كان الغرض من الدعوة هو تقييم النقاط، التي أشار إليها التقرير الدوري الشامل للأمم المتحدة بخصوص وضع الحقوق والحريات الأساسية في تركيا، وخاصة فيما يتعلق بعمل مؤسسات المجتمع المدني والإعلام.
يرصد التقرير الشامل، الذي يصدر بشكل دوري كل خمس سنوات، وضع الحقوق والحريات الدستورية، ومدى استقلالية القضاء، وآليات تطبيق العدالة في تركيا. ويضم التقرير كذلك تعليقات وانتقادات الدول الأخرى الأعضاء في الأمم المتحدة وتوصياتها بخصوص الأوضاع في الدولة ذات الصلة، ويتيح الفرصة أمام الدولة المعنية بالتقرير، عرض وجهة نظرها، و"الدفاع" عن نفسها إزاء ما تضمنه التقرير. وتكتسب الآراء، التي تُعرض في جلسة ممتدة في مركز الأمم المتحدة في جنيف، مصداقية أكبر من تقييمات ممثلي المجتمع المدني وآرائهم بشأن الوضع في تلك الدولة، التي تُعرض من خلال فعاليات جانبية لا تقل أهمية عن الجلسة الرئيسة.
من جهتنا، فقد بذلنا جهدنا في اليوم السابق لعقد الجلسة الرئيسة لشرح حقيقة الوضع الراهن في تركيا، من خلال المشاركة في بعض الفعاليات الجانبية، التي نظَّمها المرصد الدولي لحقوق الإنسان، وحظيت بنسبة حضور مرتفعة للغاية.
وقد شدّدَت السيدة كورور فينانجي في كلمتها على حالات التعذيب المُمَنهج، التي تتكتم عليها الدولة التركية، ولا يعلم عنها أحد بسبب حالة التعتيم الإعلامي، التي تفرضها على كافة وسائل الإعلام. أما السيدة بايسال، فشدَّدت بدورها على الضغوط، التي يتعرض لها الأكراد. ومن ناحيتي فقد تحدثتُ بدوري بشكل موجز عن القيود القانونية والإدارية المفروضة على وسائل الإعلام، التي تجاوزت ما تعرضت له بعض النماذج في دول أخرى.
وكان لاجتماع جنيف بعدان مُهمان؛ حيث صادف عرض تقرير 2020 نفس تاريخ الاحتجاجات، التي شهدها منتزه غيزي. وهو الأمر الذي أتاح الفرصة لعرض الوضع المتردي، الذي آلت إليه الأوضاع في تركيا خلال الأعوام الخمس الماضية، وانزلاق السلطة الحالية نحو الاستبداد بشكل لا يعرف حدودا، وانهيار دولة القانون بشكل كامل.
من ناحية أخرى، أدى تزامن جلسة المحاكمة الخاصة باحتجاجات غيزي (التي ضربت مثالاً حياً على اتباع تركيا خطى هتلر وستالين في المحاكمات السياسية الظالمة) مع اليوم الذي عقدت فيه جلسة الاستعراض الدوري الشامل (UPR) (آلية فريدة من نوعها تابعة لمجلس حقوق الإنسان. تنطوي هذه الآلية على إجراء استعراض لسجلات حقوق الإنسان للدول الأعضاء في الأمم المتحدة) إلى إثارة موضوع محاكمة عثمان كافالا، الذي صار اسمه رمزاً للقضية بأسرها، أمامنا وأمام المراقبين الأجانب، الذين يتابعون الفترة المظلمة التي تعيشها تركيا في الوقت الراهن.
شهدت جلسة الاستعراض الدوري الشامل عرضاً لا أعرف إن كان لنوع من الكوميديا الهزلية أم إنها مسرحية من نوع الكوميديا السوداء، ولكن المؤكد أن وقائع الجلسة دارت في مناخ مسرحي ركز على الوضع الإنساني في تركيا في معظم فصوله. ولم نستغرق وقتًا طويلًا لنفهم أن العديد من البلدان إما أن تكون غافلة بالفعل عن حقيقة الظلام الدامس، الذي تعيشه تركيا في الوقت الراهن تحت حكم العدالة والتنمية، أو أنها تتغافل عن حقيقة ما يجري هناك.
اختارت الأغلبية أن تُحوِّل دفة الحديث إلى موضع آخر، بعيداً عن فاجعة انتهاك الحقوق في تركيا، بل ووصل الأمر ببعض الحاضرين إلى حد تهنئة "حكومة القصر" على جهودها في مجال "الحقوق والقانون"، في حين فضل فريق آخر، بدلاً من التزام الصمت، أن يتحدث في موضوعات ثانوية مثل "ضرورة أن تتخذ الحكومة خطوات ملموسة للمحافظة على حقوق المرأة والطفل في تركيا".
بالطبع ، كان هناك بعض الحاضرين، الذين أثار حديثهم عن حقيقة الوضع في تركيا زخماً كبيرًا للغاية؛ فقد تحدث ممثلو دول أعضاء في الأمم المتحدة مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا وفنلندا والسويد والنرويج وإيطاليا وألمانيا وهولندا ومصر وجنوب إفريقيا وكندا والولايات المتحدة الأميركية بشكل مباشر وصريح في أربعة موضوعات رئيسة تخص الشأن التركي:
 
أ) ضمان استقلالية القضاء، وعمل إصلاحات جذرية في مجلس القضاة والمدعين العامين.
ب) إعادة النظر في مواد قانون مكافحة الإرهاب، وخاصة فيما يتعلق بالمادة رقم 7/2.
ج) احترام أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
د) العودة إلى حرية التعبير عن الرأي والإعلام، وضمان حرية التظاهر السلمي، وعدم عرقلة عمل مؤسسات المجتمع المدني.
ﻫ) وقف كافة أعمال الاعتقال والاحتجاز التعسفية.
و) وضع حد لتعيين أوصياء تابعين للحكومة في المحافظات التي تسكنها أغلبية كردية، وإعادة تسليم البلديات للرؤساء المنتخبين.
 
وعندما بدأ الوفد التركي، الذي يرأسه نائب وزير الخارجية، فاروك قايمقجي، في الرد على الانتقادات الموجهة إلى تركيا، شعرتُ حينها أنني أشاهد فيلماً مللتُ من مشاهدته مرات عديدة من قبل.
ألا تصدقون أنه لا طائل من وراء الاستماع لحديثه هذا؟ دعوني أنقل لكم بعضًا مما جاء في كلمة الوفد التركي. لقد تحدث أعضاء الوفد التركي يتقدمهم قايمقجي، بطبيعة الحال، في استهانة للعقل البشري، عن الحالة الوردية، التي تشهدها حقوق الإنسان في تركيا، وكيف أن احترام القانون في تركيا قد وصل ذروته في الوقت الحالي.
وأنا هنا أنقل لكم ما فهمته من حديثهم؛ لأنه من المحزن أيضاً أن أقول إنه لم يكن من بين أعضاء الوفد من يتحدث الإنجليزية بشكل متقن؛ وبالتالي فقد استخدموا في كلمتهم لغة ركيكة للغاية، شكلت عبئاً ثقيلاً على المترجمين، الذين عانوا أشد المعاناة في مواضع شتى؛ لنقل ما يقصدونه من حديثهم بشكل صحيح.
إنه من دواعي الأسف أن يتولى أمر غالبية الوزارات في تركيا، وعلى رأسها وزارة الخارجية، مجموعة من الموظفين غير المؤهلين لشغل هذه المناصب.
تحولت الجلسة إلى ما يشبه الكوميديا السوداء، مع اندفاع أعضاء الوفد التركي للدفاع اليائس ضد الهجوم، الذي انهال عليهم من جميع الاتجاهات. والحقيقة أنني لا أتذكر طوال سنوات عملي في مجال الصحافة، التي تمتد ﻟ 41 عاماً، أن رأيت حكومة من الحكومات، التي تتالت طول هذه الفترة، بما في ذلك الفترة التالية لأحداث 12 سبتمبر 1980، تنكر الواقع، وتتعمد الكذب مثلما تفعل حكومة العدالة والتنمية الآن.
حاول قايمقجي أن يبحث عن رد مناسب على الدول التي انتقدت تزايد العنف ضد المرأة في تركيا؛ فجاء رده في شكل كلمات جوفاء من قبيل "انظروا! جميع أعضاء وفدي من الإناث. أنا الرجل الوحيد بينهم"، واكتفى كذلك في رده على مطالبة الحكومة التركية بإتاحة الفرصة أمام وجود صحافة حرة بقوله "ولكننا لا يمكن أن نعفي أي صحفي من المساءلة القانونية، عندما يتعلق الأمر بمكافحة الإرهاب". ألا تتفقون معي الآن أن الأسلوب، الذي اتبعه أعضاء الوفد التركي في الرد على الانتقادات الموجهة للوضع الراهن هناك، لم تكن سوى كلمات جوفاء لا يملك الجميع أمامها سوى الابتسام بمرارة؟
حاول أعضاء الوفد التركي أيضًا الترويج لمزاعم أن تعيين أوصياء بدلاً من رؤساء البلديات "كان إجراءً وقائياً بعد أن ثبت تورطهم في جرائم"، وعندما استشهد الحاضرون بما قامت به السلطات التركية لمنع مسيرات "أمهات السبت" عند الحديث عن الضغوط، التي تفرضها الحكومة على تنظيم التظاهرات السلمية، لم يتراجع أعضاء الوفد، ولم يقدموا أي أعذار، ولكنهم راوغوا بقولهم "لكن هذه المظاهرة لا تندرج تحت فئة المسيرات السلمية المسموح بها، كما أن وجود تجمعات بهذا الشكل في منطقة يرتادها السائحون مثل منطقة غلاطه سراي من شأنه تكدير السلم العام في هذه المنطقة".
كان أعضاء الوفد يشعرون بارتياح؛ ظناً منهم أن هذه المناقشات لن تُفضي إلى شيء في هذا العالم الفوضوي الذي نعيشه؛ وبالتالي فلا مانع أن تستمر الفئات المظلومة في تركيا في إعلان شكواها إلى الدبلوماسيين، سواء الذين حضروا إلى القاعة بصفة مستمع أو الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة في جنيف، أو إلى ممثلي المنظمات غير الحكومية. فالمهم بالنسبة إليهم أن اليوم قد مر، على المستوى الرسمي، كأي يوم عادي، ولم يشهد اتخاذ أي إجراءات استثنائية ضد تركيا.
في تلك الأثناء، نهض أحد الحاضرين، الذين أعرفهم منذ وقت طويل، وكان مشاركًا في الجلسة بشكل رسمي، ممثلاً عن إحدى دول البحر المتوسط، وقال "لقد سئم الجميع!"، واستطرد قائلًا "لقد سئم الجميع من معاندة السلطة السياسية الحالية في تركيا وظلمها. تلك السلطة التي لم تعد تُصغي لأحد، ولا تتوقف عن ترويج الأكاذيب، التي تختلقها بأيديها. لم تعد لكلمة "تركيا" مفهوم آخر الآن سوى أنها دولة جالبة للمشكلات. لديهم مشكلات كالجبال، ومع ذلك إنهم لا يخجلون عن الدفاع عن أنفسهم. ماذا يمكننا أن نفعل مع هؤلاء؟"
سمعنا عن الفوضى، التي حدثت أثناء جلسة محاكمة كافالا، واضطر المحامون بعدها إلى مغادرة القاعة، وصدور القرار باستمرار احتجاز كافالا. صدقوني، لم يفاجئ أي شخص ممن تحدثت إليهم بما تشهده تركيا اليوم، ومع ذلك فقد لاحظت، للأسف، حالة من اللامبالاة لديهم إزاء هذه الأوضاع.
غادرتُ قاعة الأمم المتحدة بعد أن تجاذبت أطراف الحديث مع عدد من زملائي من الصحفيين الأجانب، وقد شعرتُ بغصة في حلقي؛ بسبب استمرار السلطات التركية صلفها وتعنتها إزاء محاكمة كافالا وغيره من السجناء السياسيين، الذين تخطت أعدادهم 55 ألف شخص، وبعدما استمعت لما قصَّه عليَّ الأكراد، الذين فروا من تركيا خشية التنكيل بهم أيضًا.
صدقوني، أنا أيضاً لا أدري كيف سنتخلص من هذه "الهمجية الرسمية"..
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/bm/bm-turkiye-raporu-turkiyeden-umidi-kesiyorlar-mi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.