تراجع قدرة تركيا المالية مع عودة الليرة إلى مستويات الأزمة

هبطت الليرة التركية اليوم الثلاثاء إلى أدنى مستوياتها منذ أزمة العملة التي حدثت في صيف عام 2018، بفعل مخاوف بشأن قدرة تركيا المالية على تحمُّل الأثر الاقتصادي لفيروس كورونا المستجد.

وسيعقد الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان اجتماعاً للوزراء وكبار المسؤولين يوم الأربعاء، لمناقشة الخطوات الإضافية اللازمة لمكافحة أثر الفيروس، الذي يُنذر بانهيار إيرادات قطاع السياحة المهمة وإحداث هزة في قطاع التصدير.

وتعني حالة الذعر، التي تسببت فيها زيادة عدد حالات الإصابة بالفيروس في تركيا وأماكن أخرى من العالم، أن السلطات التركية من المحتمل أن تكون بحاجة إلى عشرات المليارات من الدولارات لمواجهة أي هبوط محتمل في قيمة الليرة التركية وإنقاذ الشركات من الانهيار. وقبل أيام قليلة، كان نصيب الأسد من دخل تركيا بالعملات الأجنبية يأتي من الزوّار الأوروبيين ومبيعات السلع إلى ألمانيا ودول أخرى في القارة. لكن هذا لم يعد الوضع الآن.

وانخفضت الليرة التركية واحداً في المئة إلى 6.49 ليرة للدولار بعد ظهر يوم الثلاثاء بالتوقيت المحلي في تعاملات متقلّبة، مقتفية أثر عملات الأسواق الناشئة الأخرى. ونزل مؤشر البورصة الرئيس 4.3 في المئة إلى 84 ألفاً و101 نقطة. وسجّلت تركيا 47 حالة إصابة بفيروس كورونا، وفقاً لما أعلنته وزارة الصحة يوم الاثنين.

وأفادت وكالة رويترز بأن أردوغان قد يعلن يوم الأربعاء المقبل إعفاءً ضريبياً للشركات، ويوافق على تأجيل مدفوعات ديون مستحقة على الشركات المتعثرة، خاصة شركات قطاع التصدير والسياحة. ونقلت رويترز الخبر عن مصدرين على دراية بالخطط لم تسمّهما.

وقد تكون هذه الإجراءات مفيدة لبعض الوقت، لأسباب أبرزها تراجع مستوى الثقة في إدارة الحكومة للاقتصاد. وأنفقت تركيا مبالغ كبيرة خلال العام الأخير، مع سعي أردوغان لإنعاش الاقتصاد في أعقاب أزمة العملة.

لكن عجز الميزانية اتسع بشكل كبير، ووافقت البنوك التي تديرها الدولة على قروض للشركات والأفراد بأسعار فائدة دون معدل السوق. فضلاً عن ذلك، فإن البنك المركزي خفّض أسعار الفائدة إلى مستويات دون معدل التضخم، واستنفد احتياطياته من النقد الأجنبي في دفاعه عن الليرة، مما جعل العملة التركية في وضع مكشوف.

ويرفض الأتراك الادخار بالليرة، واتجه الكثير منهم إلى إيداع مدخراتهم بالدولار على مدى العام ونصف العام الماضي. ووصل حجم تلك المدخرات في البنوك إلى عشرات المليارات من الدولارات. وخلال ذروة أزمة العملة، كان أردوغان يصرّ على أن تركيا لن تطلب قرض طوارئ من صندوق النقد الدولي، ويقول إن بلاده لديها ما يكفي من الموارد التي تمكّنها من التعافي دون الحاجة إلى مساعدة.

هذا الاستقلال السياسي كان له ثمن مالي كبير. فبينما اتجهت الأرجنتين في أزمتها إلى صندوق النقد الدولي للحصول على 50 مليار دولار في صيف عام 2018، وبدأت تستخدم تلك الأموال تحت رقابة صارمة، أنفقت الحكومة التركية زهاء المئة مليار ليرة من احتياطيات البنك المركزي وأرباحه لإنعاش الاقتصاد.

آخر تلك الاحتياطيات جرى تسليمها في يناير. وسجلت تركيا فائضاً في الميزانية بقيمة 21.5 مليار ليرة في ذلك الشهر، بعد أن دفع البنك المركزي أرباحه التي حققها في عام 2019 للحكومة في وقت سابق. وذكر وزير الخزانة والمالية يوم الاثنين أن عجز الميزانية بلغ 7.4 مليار ليرة، حيث قفز الإنفاق بوتيرة أسرع من وتيرة ارتفاع معدل التضخم.

وخفّض البنك المركزي أسعار الفائدة إلى 10.75 في المئة مقارنة مع 24 في المئة في يوليو الماضي، عندما أقال أردوغان محافظَ البنك لرفضه خفض أسعار الفائدة ودعم الحوافز الاقتصادية الحكومية. ويبلغ معدل التضخم 12.4 في المئة، مما يعني أن الليرة تحقق عائداً ضعيفاً للمستثمرين والمودعين، وهو الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من التراجع في مستوى الثقة.

وفي خطوة جديدة تنطوي على مخاطرة، خفض بنك تركيا المركزي سعر الفائدة الرئيسي 100 نقطة أساس اليوم الثلاثاء في اجتماع أجري قبل الموعد المحدد له، واتخذ خطوات لدعم الأسواق المالية المتقلبة سعيا لحماية الاقتصاد من وباء فيروس كورونا. وفي سابع خفض له على التوالي من أجل التغلب على ركود سابق وتجنب آخر محتمل، خفض البنك سعر إعادة الشراء لأسبوع إلى 9.75 بالمئة من 10.75 بالمئة.

وتتبنى تركيا سياسات اقتصادية مضللة، ينفّذها صهر أردوغان – وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق – بطلب من حميه. هذه السياسات تعني أن ثقة المستثمرين والمواطنين الأتراك العاديين في إدارة الرئيس للاقتصاد، باتت الآن في أدنى مستوياتها منذ أن وصل حزبه الحاكم إلى السلطة في عام 2002.

وقال مايكل روبين، الخبير لدى معهد المشروع الأميركي لأبحاث السياسة العامة، يوم الاثنين إن حلم أردوغان بأن يجعل تركيا ضمن أكبر عشر اقتصادات في العالم بحلول مئوية الجمهورية عام 2023 بات صعب المنال الآن. أضاف أن تركيا ستكون محظوظة إذا بقيت على قائمة العشرين الكبار، وذلك بسبب مزيج من الفساد والمحاباة وسوء الإدارة الاقتصادية.

لكن ما زال يفصلنا وقت طويل عن عام 2023. وبدأ الاقتصاد التركي، والبلد بشكل عام، لتوهما في الشعور بأثر فيروس كورونا المستجد، من ناحية الصحة والتكلفة المالية، كما حدث في العديد من البلدان الأخرى.

وقال مراد مراد أوغلو، الكاتب في صحيفة سوزجو – وهي إحدى الصحف المعارضة القليلة المتبقية في تركيا – يوم الثلاثاء إن "بلدنا بحاجة إلى العملة الصعبة. السياحة انهارت، والصادرات تواجه عقبات".

وخلال الأيام القليلة الماضية، أعلن زعماء سياسيون في أنحاء أوروبا – ومن بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل – عن حزم مساعدات مالية بمئات المليارات من اليورو لمساعدة الشركات المتضررة من الأزمة.

وفي ظل رفضه الشديد للجوء إلى صندوق النقد الدولي، فما الذي يستطيع أردوغان أن يقدمه للاقتصاد التركي؟ لا يبدو أن لديه الكثير، اللهم إلا طباعة المزيد والمزيد من الليرات التي تتراجع قيمتها يوماً بعد يوم.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-lira/turkish-capital-concerns-intensify-lira-returns-crisis-levels
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.