تركيا الشريك المضطرب للغرب

قطعت تركيا شوطًا طويلاً في كونها ركيزة أساسية لحلف شمال الأطلسي خلال الحرب الباردة، وعضوا موثوقا في مجلس أوروبا، ودولة واعدة ومرشحة للاتحاد الأوروبي، لكنها كانت مع كل ذلك هي الشريك المضطرب للغرب.

 خلافات أنقرة مع كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ليست خافية، وخلال نشوب تلك الخلافات، كان يجري تفكيك بنية سيادة القانون في تركيا بشكل مضطرد وكان الاقتصاد التركي يعاني من سياسات غير متناسقة وسنوات من المحسوبية.

شكل عام 2020 نقطة تحول في علاقات تركيا مع شركائها الغربيين التقليديين.

تميزت السياسة الخارجية للبلاد بالتوجه نحو العسكرة في محاولة لتأكيد قوة أنقرة في الخارج القريب وتغذية نزعة قومية متشددة، وذلك بحسب مارك بيريني، الباحث الزائر في معهد كارنيجي أوروبا، الذي نعرض هنا المحاور المهمة لمقاله بهذا الشأن، ونقوم بتسليط الضوء عليها ومناقشتها.

في البدء، يجمع كثير من المراقبين أن تعطيل دور تركيا المتعمد سوف تكون له عواقب وخيمة دون شك خاصة على علاقاتها مع حلفائها الغربيين وحلف شمال الأطلسي.

رداً على ذلك، يجب على الإدارة الأمريكية الجديدة والاتحاد الأوروبي اتخاذ سلسلة من الخطوات لحماية مصالحهم ومصالح حلف شمال الأطلسي مع امكانية الحفاظ على علاقات وثيقة مع تركيا.

هنا لابد أن نتذكّر أن تاريخ تركيا المعاصر هو تاريخ ارتباط عميق مع أوروبا والغرب.

فلطالما كان التوجه الغربي للبلاد مبدأً أساسيا في الموقف الدولي لأنقرة - من مشاركتها في الحرب الكورية 1950-1953 إلى انضمامها إلى مجلس أوروبا في عام 1950 وحلف شمال الأطلسي في عام 1952؛ من اتفاقية الشراكة لعام 1963 مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية إلى الاتحاد الجمركي بين الاتحاد الأوروبي وتركيا عام 1995؛ ومن إلغاء عقوبة الإعدام في أوائل العقد الأول من القرن الحالي إلى الاتفاق على فتح مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2004.

اوروبا

التوجّه نحو الغرب والعلاقة مع الإتحاد الأوروبي مبدأ أساس في السياسة التركية شهد تشوّهات تحت حكم أردوغان

خلال هذه الفترة، كانت أوروبا والولايات المتحدة مطمئنتان من وجود شريك موثوق به على مضيق البوسفور، لكن في الآونة الأخيرة، اتخذت العلاقات بعدًا أكثر صعوبة بكثير.

في البداية، تميزت فترة حكم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، والذي ضمن أول فوز انتخابي له في عام 2002، بالتقدم الاقتصادي وإصلاحات في نظام الحكم.

 بالأسعار الحالية، تضاعف نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في تركيا ثلاث مرات تقريبا بين عامي 2002 و 2019. ومع ذلك، كان هنالك كثير من التخبّط والإجراءات غير الراشدة التي انتجت ملامح نظام سياسي واقتصادي غير متوازن، وفي بعض الأحيان غير فعال.

أحدثت السنوات الأولى من حكم حزب العدالة والتنمية تغييرات مؤسسية وسياسية كبيرة.

انقطعت الحكومة الجديدة عن الماضي وانخرطت في محادثات إيجابية مع الاتحاد الأوروبي، وبدأت سلسلة من الإصلاحات الهيكلية التي دفعت الاقتصاد إلى مستويات غير مسبوقة من النمو. عندما بدأت مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2005، كانت الدولة تتماشى مع القواعد والمعايير الأوروبية في العديد من المجالات، بدعم مالي وتقني من الاتحاد الأوروبي بحسب رأي الباحث.

عندما انضمت قبرص إلى الاتحاد الأوروبي في مايو 2004 ورفضت أنقرة تطبيع العلاقات مع حكومتها، بدأت العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في التدهور.

فرضت بروكسل قيودا على عملية انضمام تركيا في ديسمبر 2006، تلتها قبرص وفرنسا.

 خلال ذلك عزز حزب العدالة والتنمية قبضته الواسعة على مراكز القوة والقرار في البلاد لخلق بيئة مواتية للفساد والمحسوبية.

منذ بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لم تبذل أنقرة أي محاولة جادة لإصلاح نظامها الاقتصادي والمالي.

حتى في ذروة نموها، عرّض اعتماد تركيا على الاقتراض بالعملة الصعبة والاستثمار الأجنبي البلاد لصدمات خارجية.

رافق التباطؤ في الإصلاحات الاقتصادية تدهور ديمقراطي تدريجي، تسارع بشكل كبير في عام 2013.

اردوغان

التعامل الوحشي مع المعارضة وانفتاح السجون للمعارضين وسجناء الرأي كان علامة فارقة لحكم اردوغان

كان الرد الوحشي على الاحتجاجات المدنية في حديقة جيزي عام 2013 والمواجهة الحاسمة بين رئيس الوزراء التركي آنذاك، رجب طيب أردوغان، والداعية الإسلامي فتح الله غولن، حليفه السياسي حتى ذلك الحين، بمثابة نقطة تحول.

وأدى ذلك إلى عمليات تطهير في الشرطة والقضاء والإدارة العامة وإلى تدهور بنية سيادة القانون في تركيا، بما في ذلك تكميم أفواه وسائل الإعلام ومضايقة منظمات المجتمع المدني والمفكرين الأحرار والمحامين.

لاحقا، بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، اتخذت الإجراءات التصحيحية أبعادا خطيرة تمثلت في عملية تطهير واسعة النطاق ولا نهاية لها على ما يبدو: تم فصل حوالي 150 ألف موظف حكومي، في حين لا يزال حوالي 70 ألفًا آخرين محتجزين، والعديد منهم محتجزون من دون توجيه اتهام لهم.

من بين آلاف آخرين، كانت الاعتقالات التي لا أساس قانوني لها قد طالت الصحافيين والمؤلفين مثل أحمد ومحمد ألتان، والسياسي الكردي صلاح الدين دميرطاش، والصحفي نازلي إليجاك، ورجل الأعمال والمحسن أوسم.

ليس من المستغرب استمرار تدهور الديمقراطية التركية. منذ البداية، مارس أردوغان، الذي أصبح رئيسًا للوزراء في عام 2003 ورئيسًا في عام 2014، شكلاً من أشكال الديمقراطية تتمحور حول شرعية صناديق الاقتراع.

لم يتضمن هذا المفهوم الضيق أبدا دورا حقيقيا للضوابط والتوازنات التقليدية التي شوهدت في الديمقراطيات الغربية.

مع الاستفتاء الدستوري لعام 2017 والانتخابات الرئاسية لعام 2018، أصبح نظام السلطة الجديد حقيقة واقعة في تركيا: اكتسب رئيس الدولة سلطات لا حدود لها تقريبا وتم إلغاء منصب رئيس الوزراء.

 ومع ذلك، فإن النجاحات الهائلة التي حققتها أحزاب المعارضة في الانتخابات البلدية لعام 2019 - على الرغم من جهود الحكومة لإلغاء نتائج سباق رئاسة بلدية إسطنبول - هي علامة واضحة على الصعوبات المتزايدة التي تواجهها أنقرة في التمسك بالسلطة في المدن الليبرالية وسط أزمة اقتصادية.

أصبح ذلك ضروريا بسبب تراجع الدعم الشعبي لحزب العدالة والتنمية.

 في فبراير 2018، أنشأ حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية تحالفا أطلقا عليه تحالف الشعب، مما أدى بشكل متوقع إلى تشديد المواقف بشأن مجموعة من الموضوعات.

على الجبهة الداخلية، تدهورت المعايير الديمقراطية للبلاد والعلاقات مع الأكراد أكثر، مع استهداف رؤساء البلديات المنتخبين ديمقراطيا والبرلمانيين من حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد على وجه الخصوص.

على الصعيد الخارجي، تضمنت السياسة الخارجية الحازمة لتركيا عقيدة الوطن الأزرق التوسعية في شرق البحر المتوسط ​​وبحر إيجة، واستمرار النزاعات مع قبرص، ودور عسكري معزز في مجال نفوذ تركيا المتصور.

بالمقارنة مع أوائل عام 2010، شهدت السنوات التي سبقت عام 2020 قيام تركيا بالتصرف على المسرح الدولي بنظرة مختلفة تماما.

بشكل عام، كان تقييم المفوضية الأوروبية لعام 2020 لهيكل سيادة القانون في تركيا قاتما للغاية. وكانت مسودة تقييم البرلمان الأوروبي سلبية بالمثل.

اردوغان

ست خطوات لابد منها لمعالجة الأزمات مع نظام أردوغان

ست خطوات لعلاقة متوازنة

يواجه الشركاء عبر المحيط الأطلسي نفس التحدي: كيفية تحقيق التوازن الصحيح بين احتواء تصرفات تركيا عندما تكون أكثر عداءً للمصالح الغربية، من ناحية، والحفاظ على المستوى المناسب من التعاون الاقتصادي والأمني ​​مع إدخال تحسينات ملموسة على قاعدة القانون من ناحية أخرى.

عند القيام بذلك ، سيتعين على الحكومات الغربية أن تأخذ في الاعتبار عوامل متعددة: الأهمية الاستراتيجية المستمرة لتركيا بالنسبة لحلف الناتو، الضغط الروسي المستمر على تركيا للابتعاد عن الناتو والاتحاد الأوروبي، خطر أن يؤدي هجوم روسي في محافظة إدلب السورية إلى موجة جديدة من اللاجئين نحو تركيا، أولويات أردوغان الداخلية، تفاقم محتمل للأزمة الاقتصادية الحادة في تركيا، والاستحالة السياسية للزعماء الأوروبيين لمناقشة مجدية لمسار انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي في وقت كان فيه النظام الدستوري التركي بعيدًا أكثر من أي وقت مضى عن معايير سيادة القانون في الاتحاد الأوروبي.

مع وضع هذه العوامل في الاعتبار، يحتاج الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى اتخاذ سلسلة من الخطوات لحماية مصالحهما ومصالح التحالف عبر الأطلسي.

أولاً، يجب أن يرسلوا إشارات منسقة تفيد بأن القرارات الأحادية التخريبية واللهجة الاستفزازية والعدائية على صعيد السياسة الخارجية العدائية لم يعد مسموحا بها.

ثانيا، يجب على بروكسل وواشنطن وضع تدابير لتقليل التأثير السلبي لنشر تركيا أسلحة غير تابعة لحلف شمال الأطلسي وتجنب تدهور قوة الحلف في مواجهة روسيا. يمكن أن تشمل مثل هذه الإجراءات في أفضل الأحوال الإزالة الكاملة لصواريخ إس -400 - أو، بخلاف ذلك، اتخاذ إجراءات الطوارئ في الناتو.

ثالثا، يجب على الشركاء الأوروبيين الأطلسيين الحد من صادرات المكونات العسكرية إلى تركيا إذا بقيت سياسات أنقرة التخريبية دون تغيير، ولم يتم توضيح طبيعة علاقاتها مع روسيا، ولم يتم الالتفات إلى الدعوات الغربية للحوار.

مثل هذه الخطوة سترسل إشارة قوية بأنه لا يمكن استخدام الإمدادات الغربية الهامة لزيادة المخاطر الأمنية على الحلفاء الغربيين.

رابعا، يجب على الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة معاقبة الأفراد الأتراك الأكثر انخراطا في تفكيك سيادة القانون والتدخل في السياسات الداخلية للدول الغربية. سيكون هذا متسقا مع التزامات تركيا بموجب ميثاق الناتو ومجلس أوروبا.

خامسا، يجب على الاتحاد الأوروبي أن يؤجل تقديم إطار عمل جديد للتعاون إلى أن تعود أنقرة بشكل واضح إلى حالة سيادة القانون التي تتوافق مع التزامات تركيا كعضو في مجلس أوروبا وشريك في الاتحاد الأوروبي.

أخيرا، يجب على الاتحاد الأوروبي الحفاظ على عروض ملموسة للتفاوض بشأن الحدود البحرية ودعم اللاجئين السوريين على الحدود التركية السورية وفي تركيا. هذه العروض، التي يجب أن تأتي وفق أطر زمنية ومنهجيات دقيقة، ستثبت أن التعاون متبادل المنفعة ممكن عندما ينحسر السلوك العدائي لأنقرة.

لا شك أن السياسات السائدة من طرف أنقرة تعاني كثيرا من الإضطراب والإجتهادات التوسّعية التي تتقاطع مع التزاماتها الأوروبية والأطلسية مما يستوجب إعادة نظر جديّة تضع الأمور في نصابها.

* بالإشارة الى مقال مارك بيريني، الباحث الزائر في معهد كارنيجي أوروبا.