تركيا أرض الإتجار بالبشر

أحوال (خاص) – يواجه العالم تحديات حقيقية بسبب ظاهرة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر التي تفاقمت بشكل هائل بسبب الحروب والصراعات الإقليمية التي اتاحت لعصابات الاتجار بالبشر ان تنشط بقوة مستغلة الظروف التي يمر بها الالاف من الهاربين والنازحين من الحروب.

وعلى الرغم من المساعي الدولية على مختلف الأصعدة الا ان هنالك بؤر للهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر ما زالت تنشط بقوة وفي مقدمتها تركيا.

وبحسب الأمم المتحدة، فإن الاتجار بالبشر هو جريمة استغلال للنساء والأطفال والرجال لأغراض عدة بما فيها العمل القسري والبغاء. وتقدر منظمة العمل الدولية عدد ضحايا العمل القسري في العالم بـ21 مليون شخص بمن فيهم من ضحايا الاستغلال الجنسي. وفي حين أن من غير المعلوم عدد الضحايا الذين اُتجر بهم، فإن التقديرات تشير إلى حقيقة أن هناك ملايين البشر في ربقة هذه الممارسات المشينة في العالم.

 تعد تركيا بحسب تقارير المنظمات الدولية هي الدولة الأولى في العالم التي تنشط بها عصابات الاتجار بالبشر وظاهرة الهجرة غير الشرعية.

تقول الجهات القانونية ووكالات مراقبة الهجرة، ان تهريب البشر اصبح هو النشاط التجاري المفضل للعصابات الاجرامية الناشطة عبر آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، وإن هذه الشبكات اصبحت اكثر تنظيماً واكثر مقدرة على تحريك اعداد اكبر من البشر والحصول على ارباح لا مثيل لها في التاريخ.

وزادت هذه العصابات جرأة بازدياد الطلب على خدماتها، خاصة انها تمارس نشاطها في ظل قوانين اما ضعيفة ضعفاً شديداً، او غائبة كلياً، مما يمكنها من العمل دون رقيب او حسيب، في بلدان العبور.

ولأن تركيا ليس لديها قانون ضد التهريب البشري، فان اولئك الذين يلقى القبض عليهم يتهمون بالتزوير. وفي بعض الأحيان، خاصة عندما تضع الشرطة اياديها على بينات كافية، يتهم الشخص او الاشخاص بتنظيم عصابة اجرامية، مما يمكن ان ينزل بهم عقوبة تصل من 14 الى 25 سنة سجناً.

رغم اتفاقها مع الاتحاد الاوروبي والاموال التي تتلقاها ماتزال تركيا معبرا للتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية
رغم اتفاقها مع الاتحاد الاوروبي والاموال التي تتلقاها ماتزال تركيا معبرا للتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية

أفاد تقرير صادر مؤخرا عن مؤسسة "ويلك فري" الأسترالية، بأن تركيا تحتل المرتبة الأولي أوروبيا في عمليات تجارة البشر والعبودية المعاصرة في غضون السنوات العشر الماضية، وأن تركيا شهدت 185 ألف و500 حالة زواج لقاصرات، هذا العام، إضافة إلى آلاف الحالات من الإتجار الجنسي، وتجارة الأعضاء البشرية.

وليس هذا هو التقرير الأول من نوعه، إذ كانت وزارة الخارجية الأمريكية ادرجت،  في أحد تقاريرها المقدمة إلى الكونجرس بشأن تهريب البشر، تركيا ضمن أسوأ 15 دولة في العالم، وطالبتها باتخاذ تدابير لمواجهة الإتجار غير المشروع بالبشر.

ونشطت حركة الهجرة غير الشرعية بتركيا في ظل الأزمة السورية، الذي دفع الصراع الدائر بها بنحو 4 مليون سوري للنزوح إلى الأراضي التركية والأردن ولبنان، وأوروبا، ومنطقة القوقاز، وذلك من خلال عصابات التهريب البشري، والتي يتجاوز عددها 200 داخل تركيا. هذا حسبما أكد المحامي التركي النشط في مجال الهجرة غير القانونية والهجرة، مراد كانو.

وبصدد انتشار تجارة البشر والعبودية المعاصرة في تركيا ذكرت الكاتبة والصحفية المكسيكية، ليديا كاتشو، في كتابها "تهريب النساء" أن "تركيا تعد محطة أساسية في خارطة تهريب النساء، وأيضا المخدرات والسلاح، بالنظر إلى موقعها الجغرافي بين آسيا وأوروبا ودول البلقان، وأن السلطات الرسمية في تركيا منخرطة بشكل كبير في هذه الحركة، إذ إن المسؤولين في الشرطة والجيش بتركيا يرون الدعارة، باعتبارها تجارة مربحة تحقق لهم فائضا ماليا بالإضافة الى اهداف اجتماعية وسياسية اخرى.

ومن باب ذر الرماد في العيون حاول حزب العدالة والتنمية الإيحاء بأنه ضد ظاهرة الدعارة وتوعد بسن قوانين رادعة ضد الدعارة غير المقننة والمنتشرة في عموم تركيا وخاصة في إسطنبول لكنها كانت مجرد زوبعة إعلامية واستمر حتى الساعة الاتجار بالنساء من مختلف انحاء العالم لممارسة الدعارة.

ويمكن ان يشاهد الزائر بالعين البصيرة ظهور المومسات يوميا مع بدايات الليل في شوارع إسطنبول وهن يصطدن الزبائن  امام سمع وبصر السلطات التركية وهن من مختلف الجنسيات وتشير التقارير الى ان الغالبية يخضعن لعصابات الاتجار بالبشر التي تستخدمهن في هذا العمل مقابل احتجاز جوازات سفرهن وتعرضهن للابتزاز.

امواج بشرية وصلت الى اوروبا عبر الاراضي التركية
امواج بشرية وصلت الى اوروبا عبر الاراضي التركية

موقع DW كان قد نشر تحقيقا موسعا قبل مدة قال فيه، ان بعض المناطق التركية بات الاتجار بالبشر عملية مربحة فيها. مدن أزمير وبودروم واسطنبول ميدانا لذلك رغم المخاطر وما يواجهونه من صعاب في رحلتهم إلى المجهول.

ولأن واحدة من الوجهات التي كانت وما تزال هي الوجهة الأولى المفضلة لزعماء عصابات الاتجار بالبشر هي اليونان فقد اتهمت على اعلى المستويات سلطات المرافئ التركية بدعم المهربين الذين ينظمون عبور مئات آلاف المهاجرين إلى الجزر اليونانية، تمهيدا لانتقالهم إلى دول أوروبية أخرى بحسب تصريحات للرئيس اليوناني بروكوبيس بافلوبولو.

وقال الرئيس اليوناني في مقابلة مع صحيفة زود دويتشه تسايتونغ "أخشى كثيرا من أن يكون المهربون الأتراك مدعومين من السلطات" التركية، مضيفا "أن السلطات المسؤولة في المرافئ تتصرف وكأنها لا ترى شيئا".

ومضى الرئيس اليوناني إلى أبعد من ذلك ليقول: "حتى أن المهربين يتلقون أحيانا مساعدة، ولدينا دلائل على ذلك.. إنه نوع من الاتجار بالبشر".

الأفارقة والافغان والسوريون والعراقيون والايرانيون والفلسطينيون والجزائريون والمغاربة وغيرهم من جنسيات أخرى كانوا على الدوام الجنسيات الأكثر استغلالا وكونهم من ضحايا عصابات الاتجار بالبشر.

السلطات التركية وعلى الرغم من اتفاقها مع الاتحاد الأوروبي في العام 2016 وتلقيها أموالا لغرض الحد من الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر الا ان الظاهرة تتواصل.

مؤخرا قالت الشرطة التركية، إنها اعتقلت زعماء ما وصفتها بأكبر عصابة لتهريب البشر في أوروبا والتي ساعدت آلاف المهاجرين غير الشرعيين على الوصول إلى أوروبا من الشرق الأوسط.

وقالت شرطة اسطنبول إنه جرى اعتقال 20 شخصًا منهم زعيم العصابة أكبر عمر توفيق في عمليات بأربعة أقاليم تركية بعد تحريات استمرت عامًا كاملًا.

وأضافت الشرطة أن هذه الشبكة ساعدت بصورةٍ أساسيةٍ مواطنين أفغانًا وعراقيين وسوريين على الوصول إلى بلدان أوروبية عن طريق تركيا سواء عبر البر أو البحر، مضيفةً أن تلك الشبكة كانت تتعاون مع عصابات تهريب أخرى في أوكرانيا وإيطاليا واليونان.

مزيد من الضحايا الذين تبتلعهم مياه البحر بسبب عصابات الاتجار بالبشر في تركيا
مزيد من الضحايا الذين تبتلعهم مياه البحر بسبب عصابات الاتجار بالبشر في تركيا

وذكرت الشرطة في بيانٍ أن عملياتها أسفرت عن اعتقال 569 مهاجرًا غير شرعي ومصادرة ست سيارات وستة قوارب. وجنت هذه العصابة، ومعظم زعمائها من شمال العراق، نحو مليوني يورو سنويا في المتوسط.

ووصل ما يربو على مليون مهاجر ولاجئ، كثير منهم فروا من الصراع والفقر في الشرق الأوسط وأفريقيا، إلى الاتحاد الأوروبي بين عامي 2015 -2016 وكانت تركيا هي  نقاط الانطلاق الرئيسية لرحلات المهاجرين الخطرة إلى أوروبا والتي لقي فيها آلاف منهم حتفهم.

وانخفضت الأعداد بشكلٍ حادٍ في العام التالي عندما بدأت تركيا فرض مزيد من القيود على المهاجرين الذين يحاولون العبور من أراضيها إلى أوروبا، وذلك في مقابل مساعدات بقيمة ثلاثة مليارات يورو من الاتحاد الأوروبي، ووعد بتخفيف قيود منح التأشيرة للأتراك.

ومع جميع هذه المتغيرات والتصريحات التركية الا ان الظاهرة متواصلة، فقد أعلنت السلطات التركية هذا اليوم عن غرق العشرات يعد غرق قارب كان يقلهم، قبالة سواحل منطقة بودروم غربي تركيا.

وغرق القارب في بحر إيجة، وكان يقل عشرات المهاجرين غير النظاميين في طريقهم إلى الشواطئ اليونانية.

وأعلنت فرق الإنقاذ التابعة لخفر السواحل التركية، في وقت سابق، إنها انتشلت عددا من جثامين الضحايا، وتمكنت من إنقاذ 31 آخرين.

وهو ما يؤكد استمرار ظاهرة الاتجار بالبشر وتهريبهم عبر القوارب عبر البحر باتجاه اليونان وغيرها من الوجهات.