تركيا باتت أسيرة لروسيا والعقوبات الغربية تلوح في الأفق

لا تزال تركيا تعاني من ركود اقتصادي، قد تؤدي السياسة الخارجية للحكومة إلى تفاقمه، من خلال المخاطرة بمواجهة عقوبات من الغرب، وسط دفع البلاد للاعتماد بشكل كبير على روسيا.

وفي تكرار لدعوة طرحها العام الماضي، عندما كانت تركيا تعاني من أزمة عملة كبرى بسبب عقوبات أميركية محدودة، طلب الرئيس رجب طيب أردوغان من المواطنين هذا الأسبوع التعامل بالليرة التركية وليس بالعملات الأجنبية، في علامة مؤكدة على وجود مشكلة اقتصادية في المستقبل القريب.

عندما اشتدت أزمة العملة بعد أن فرضت واشنطن عقوبات على وزراء أتراك بسبب سجن قس أميركي في أغسطس 2018، وصف أردوغان دعم الليرة بأنه واجب وطني. ومع ذلك، تُظهر أرقام البنك المركزي التي تم الإعلان عنها في الخامس عشر من نوفمبر أن مدخرات العملة الأجنبية في تركيا قد زادت بمقدار 36 مليار دولار إلى 225.5 مليار دولار في العام المنصرم.

وعلى الرغم من المخاوف الاقتصادية المستمرة، فقد خاطرت تركيا بمواجهة مزيد من العقوبات الأميركية هذا الأسبوع عن طريق اختبار أنظمة الدفاع الصاروخي إس-400 التي اشترتها من روسيا في تحد لواشنطن.

وأعلنت محافظة أنقرة أن طائرات مقاتلة من طراز إف-16 من سلاح الجو التركي ستطير فوق العاصمة لمدة يومين لاختبار الأنظمة الروسية، التي تم نشرها في قاعدة جوية بالقرب من المدينة. ونفى هذا مزاعم سابقة مفادها أن تركيا سوف تتجنب عقوبات الولايات المتحدة من خلال عدم تفعيل منظومة إس-400.

ويقول مسؤولون من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) إن وجود الأنظمة الروسية على الأراضي المتحالفة مع الناتو قد يجعل الأجهزة العسكرية للحلف معرضة للاستهداف، لكن وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو أكد أن الاختبارات قد أجريت على طائرات إف-16.

علاوة على ذلك، قال جاويش أوغلو إنه لا توجد طريقة كي تترك تركيا منظومة إس-400 في المخازن لأن حلفاءها في الناتو تقاعسوا عن تزويدها بأنظمة الدفاع الجوي التي تحتاجها بشدة.

وستكون الصواريخ على الأرجح جاهزة للعمل بشكل كامل في الربيع المقبل، وفقاً للجدول الزمني الذي سبق أن ناقشه المسؤولون الأتراك. وقال رئيس شركة تصدير الأسلحة الروسية روسوبورون إكسبورت هذا الشهر إن المفاوضات قد اكتملت تقريبا بالنسبة لتركيا لشراء شحنة ثانية من منظومة إس-400 في وقت قريب من بدء تشغيل الأنظمة الأولى.

الصفقة التي تقدر بأربعة مليارات دولار لشراء المزيد من أنظمة إس-400 قد تمهد الطريق لتركيا لشراء طائرات مقاتلة روسية من طراز سو-35 لسد حاجتها إلى طائرات من الجيل الجديد. وقد علقت الولايات المتحدة مشاركة تركيا في برنامج إنتاج الطائرات المقاتلة من طراز إف-35 بعد حصولها على منظومة إس-400 في يوليو وحجبت طلب أنقرة شراء 100 طائرة.

وفي الوقت نفسه، تواصل أنقرة وموسكو تعزيز العلاقات الاقتصادية بقوة. وينتعش قطاع السياحة في تركيا باستقبال ستة ملايين سائح روسي يتدفقون على البلاد كل عام وتصدر تركيا كميات كبيرة من المنتجات الزراعية إلى روسيا حيث أبرم المقاولون الأتراك عقوداً لتنفيذ مشاريع بناء تقدر قيمتها بمليارات الدولارات.

هذه العلاقات قوية جداً من منظور استراتيجي، حيث تعتمد تركيا على الغاز الروسي لتلبية احتياجاتها من الطاقة وتم التعاقد مع شركة روسية لبناء وتشغيل أول محطة للطاقة النووية في تركيا. وتعمق صفقات الدفاع الجديدة هذا الاعتماد فحسب.

وناقشت أنقرة هدفها المتمثل في زيادة حجم التجارة مع كل من الولايات المتحدة وروسيا إلى 100 مليار دولار. ومع ذلك، فإن هذا قد يكون ضد مصالح تركيا في حالة روسيا: ففي عام 2018، بلغت حصة الصادرات التركية من حجم التجارة البالغ 25.5 مليار دولار مع روسيا 4.2 مليار دولار فقط، في حين حققت روسيا 21.3 مليار دولار.

لفت حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي في تركيا الانتباه إلى اعتماد تركيا المتزايد على روسيا مالياً، وفي مجال الطاقة في تقرير قدمه إلى البرلمان خلال مناقشات بشأن ميزانية عام 2020، مشيراً إلى أن هذا قد يؤدي إلى مخاطر جسيمة في السنوات المقبلة. وما يثير قلق حزب الشعب الجمهوري بشكل خاص الاتفاق مع شركة روساتوم الروسية للطاقة النووية لبناء المحطة النووية في أكويو بجنوب تركيا.

وعندما تم توقيع الاتفاق في عام 2010، نص على أن الجانب الروسي سيضمن التمويل والاستثمار للمحطة. لكن في عام 2015، أسقط الجيش التركي طائرة مقاتلة روسية على الحدود، مما أثار أزمة دبلوماسية بين البلدين. وفرضت موسكو عقوبات على تركيا ما خفض تدفق السياح على البلاد، وفرضت قيوداً على الواردات كما فرضت قيوداً على الشركات التركية التي تعمل في روسيا.

وشمل الثمن الذي دفعه أردوغان لإصلاح العلاقات "حوافز فائقة" لمشروع أكويو ومنح روساتوم مجموعة واسعة من الإعانات بما في ذلك إعفاءات من الضريبية وضريبة القيمة المضافة والتراخيص. كما وافق الرئيس على تقديم 10 مليارات دولار في صورة استثمارات في المشروع من الخزانة.

وفي إطار الاتفاق، ضمنت تركيا أيضاً سعراً لكل كيلو وات ساعة من الطاقة المنتجة في المحطة على مدار الخمسة عشر عاماً التالية. ويقول تقرير حزب الشعب الجمهوري إن الاتفاق ينص أيضاً على أن المحطة النووية والطاقة التي تنتجها ملك لروسيا، وإن حصة روساتوم فيها لن تنخفض عن 51 في المئة وإن تركيا ستشتري كل الطاقة التي تنتجها.

ونظراً لبدء تشغيل المحطة في عام 2023، فستكون هذه الشروط قائمة حتى عام 2038.

ويقول تقرير حزب الشعب الجمهوري إن روسيا ستحقق ثلاثة أضعاف استثماراتها الأولية مع ضمان سعر الكيلو وات ساعة عند 0.1235 دولار وتوقع إنتاج المحطة عند 19 مليار كيلو وات ساعة سنوياً.

ويعني هذا أن تركيا ستدفع للشركة الروسية المملوكة للدولة أكثر من 2.3 مليار دولار مقابل الطاقة المنتجة في المحطة كل عام، وما يربو على 35 مليار دولار على مدار فترة 15 عاماً.

ويقول حزب الشعب الجمهوري إن تركيا بهذا المعدل ستدفع مبالغ كبيرة مقابل الطاقة من محطة روساتوم، لأن سعر الكيلو وات الذي حددته هيئة تنظيم سوق الطاقة في تركيا هو 0.029 دولار فقط. وبهذا المعدل، يصل سعر الطاقة من المحطة النووية إلى 551 مليون دولار فقط في العام، أي أقل بنحو 1.8 مليار دولار مما وافقت الحكومة التركية على دفعه لروساتوم.

ويصل هذا إلى ما يقرب من 27 مليار دولار أعلى من سعر السوق على مدار 15 عاماً - وهو مبلغ لن يخففه حتى التضخم والتغيرات الإيجابية في أسواق العملات. علاوة على ذلك، ثمة مساهمة بقيمة 10 مليارات دولار في المشروع، بالإضافة إلى الإعانات والإعفاءات الأخرى المقدمة في صورة حوافز فائقة.

بعبارة أخرى، تشير البيانات الواردة في تقرير حزب الشعب الجمهوري إلى محطة أكويو باعتبارها 37 مليار دولار لروسيا، يتم دفعها بتكلفة باهظة للغاية على الاقتصاد التركي. ولم يرد وزير الطاقة والموارد الطبيعية فاتح دونماز على تقرير حزب الشعب الجمهوري أو على الأسئلة التي طرحها أعضاء البرلمان من الحزب.

وعلى الرغم من ذلك، من الواضح أنه مع تعمق اعتماد تركيا الاقتصادي والاستراتيجي على روسيا، فإن أي خلاف في المستقبل يتسبب في فرض عقوبات سيكون أكثر ضرراً.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/russia-turkey/turkey-becoming-captive-russia-western-sanctions-loom
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.