تركيا بلدنا هل تحب الأطفال؟

في الأسبوع الماضي، بعثت مديرية أمن إسطنبول بكتاب مروّسٍ بعبارة "سري" إلى مديرية الصحة بالولاية، تطلب فيه قائمة بأسماء النساء اللائي تتراوح أعمارهن بين 30 و40 عاماً، ويجرين عمليات إجهاض في جميع مستشفيات المدينة.

المعلومات التي طلبتها مديرية الأمن؛ نظرًا لأنها تتعلق بالصحة والحياة الجنسية، فهي تدخل في نطاق "البيانات الشخصية الخاصة." ولم يُعلن حتى الآن لماذا طُلبت هذه المعلومات الخاصة السرية، ولكن نظرة حكومة حزب العدالة والتنمية لعمليات الإجهاض، وللنساء والأطفال واضحة. فتاريخ حزب العدالة والتنمية مليء بالكسور، وحتى المخالفات القانونية.

هناك رغبة في التكاثر/التناسل تتميز بها الدول القمعية؛ تريد أن تتكاثر، أن تصبح الأقوى، والمتفوقة. الكيفية والجودة لا تزال بعيدة عن حساباتها، الكمية هي كل همها! تريد أن تكون عظيمة، عملاقة، ضخمة، كثيرة، كثيرة! هكذا في كل أمر.

تشير التقارير التي تفحص خدمات تحديد النسل والإجهاض، من قبل القابلات وأطباء الأسرة وأطباء النساء والتوليد إلى أن حزب العدالة والتنمية يحاول تقييد عمليات الإجهاض لصالح اللعب بصحة المرأة. وتفيد التقارير أن المستهدف هو زيادة عدد الولادات على حساب صحة المرأة.

لقد اعتدنا على أن طيب أردوغان شخصيًا ومنسوبي حزب العدالة والتنمية في مختلف مواقع السلطة يعتبرون الإجهاض وأساليب تحديد النسل "خيانة للوطن، وعداءً له"، وعلى تعليقاتهم بشأن المرأة والخصوبة التي لطالما تناولوها بشكل منظم.

كلمات كل من أردوغان، وبولنت أرينج، وفاطمة شاهين، ومليح غوكجك، الجنسية المتعلقة بالنساء والانتخابات لا تزال حاضرة في الذاكرة.

"الإجهاض جريمة. كل إجهاض نهر دامٍ".

"مساواة الرجل والمرأة تتعارض مع الفطرة ..."

"أنا لا أعرف إذا كانت امرأة أو فتاة ..."

" امرأة بلا حجاب تشبه منزلًا بلا ستار. منزل بلا ستار إما يكون للبيع أو للإيجار ..."

"المرأة سوف تكون عفيفة. ستعرف معنى المحرم وغير المحرم. لن تضحك لصوت عالٍ صاخبٍ أمام الجميع. لن تكون جذابة فتانة في جميع تصرفاتها."

مسألة مساواة المرأة كفرد ليست كافية لإدانتها بالتحرش والاغتصاب، لم يتم الإقرار بأنها ضحية، واستخدم الجناة ضدها دائمًا.

حتى الدولة حاولت الحصول على "حصتها" من حالات الاغتصاب! قالت "أعطونا الطفل".

قال مليح غوكجك في مناقشة الاغتصاب والإجهاض "لماذا يتحمل الجريمة الطفل بسبب خطأ الأم؟ دع الأم تقتل نفسها. الجسد ملك لك، والروح ملك لله. إذا نهضت وأجريت عملية إجهاض، فاسم هذا القتل." وقال رئيس لجنة حقوق الإنسان في حزب العدالة والتنمية، آيهان سيفر أستون "إن المغتصب أكثر براءة من ضحية الاغتصاب التي خضعت للإجهاض. كما يجب ألا تُجري المرأة المعتدى عليها عملية إجهاض. في البوسنة تم اغتصاب النساء، لكنهن وضعن أطفالهن من ذلك."

وزيرة الأسرة السابقة فاطمة شاهين لم تتمكن من حماية المرأة ولا الطفل، ولم تكن تريد ذلك. قالت "هناك انتقائية في التلقي.

فوسائل الإعلام تجعل الأخبار السلبية عنوانًا رئيسيًا، أكثر من الأنشطة المنجزة، فتؤدي إلى حصول صورة ذهنية لدى المجتمع كما لو كانت الأحداث تنمو بشكل كبير".

الحقيقة الثابتة أن المرأة، بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، مجرد آلة ميلاد، أما وظيفتها فهي إنجاب الأطفال. لا تصدقوا أنهم يقدسون الأم، وليس المرأة، لو كان الأمر هكذا لما كانت "الأمهات" تُضرب وتقطع وتُخنق بسهولة إلى هذا الحد أمام أعين أطفالهن! ولو أن الدولة لم تكن "ذكورية" إلى هذا الحد، لكانت تردع القتلة من الذكور وتعاقبهم إن لم تتمكن من ردعهم.

لا تدعوا "الفكر الطفولي" الذي يُروّج إليه إلى هذا الحد يضللكم، فالطفل مجرد عدد في عين الدول. فكما أن الحكومة لم تهتم بالأطفال؛ فلا تبدو حتى مهتمة بحمايتهم. يمثل الأطفال استثمارًا أيديولوجيًا، فهم يرغبون في أن "يربوا منهم الجيل" الذي يحلمون به، هذا كل شيء. إنهم يريدون أن يكون الأطفال مؤمنين، وأن يكون الأطفال جنودًا، وأن يعبد الأطفال القوة والسلطة، وألا يتساءلوا ويحققوا في الأمور.

أطفال في السجون

وفقًا للبيان الصادر في 24 مايو 2019 يوجد 864 رضيعًا وطفلًا في السجون تتراوح أعمارهم بين سن 0-6. هناك 389 مؤسسة تنفيذ عقوبات في عموم تركيا. وهذا يعني أنه يوجد في كل سجن في تركيا ثلاثة أطفال أو رُضَّعٍ على الأقل مع أمهاتهم.

باستثناء "سزغين تانري كولو" نائب حزب الشعب الجمهوري عن إسطنبول وعمر فاروق غرغرلي أوغلو نائب حزب الشعوب الديمقراطي عن قوجه علي ليس هناك الكثير ممن يثير هذه القضايا. فقد لفت "تانري كولو" الانتباه عدة مرات بعد 15 يوليو إلى أن النساء الحوامل والأمهات مع أطفالهن تم احتجازهن واعتقالهن بشكل غير قانوني، وأن القضاء طبق القانون الجنائي العدو ضد هؤلاء النساء، وتمت مقارنة هذه الفترة مع أيام انقلاب 12 سبتمبر.

كان تانري كولو محقًا، حيث لم يتم في أية مرحلة مضت احتجاز ولا اعتقال الكثير من النساء بهذا القدر لأسباب غير منطقية وملفقة، ولم يتعرضن إلى هذا القدر من الإهانات والمضايقات التي لم يتسنَّ تعليلها بعدُ.

وكان غرغرلي أوغلو بدأ العام الماضي حملة جمع توقيعات من أجل إطلاق سراح النساء الحوامل واللائي وضعن أطفالهن حديثًا حسبما نص عليه وأمر به القانون رقم 5275، وهو يذكر دائمًا بأن القانون يُحرم اعتقال النساء الحوامل، وذوات الأطفال الرضع الأقل من ست أشهر. ولكن كله بلا فائدة؛ فليس هناك من يستمع.

إن رسالة المحكمة الخاضعة لأمر الحكومة واضحة: "لقد ارتكبت الأمهات جريمة، ليتهن فكرن في أطفالهن". ومع ذلك فإن واجب الدولة هو حماية الأطفال أكثر من والديهم الحقيقيين، حتى وإن كان هؤلاء الأمهات، اللائي لا يمكن إثبات الجريمة التي ارتكبنها بشكل تام، من أكثر مجرمي العالم شراسة.

الأمهات والأطفال الذين استحالت حياتهم نارًا في السجون يواصلون الصمود بشكل ما بينما لا يزال الكابوس السياسي مستمرًا في الخارج. محظور على الأطفال الوصول إلى الألعاب، والملابس الداخلية المنقوشة، يحبون على أرضية خرسانية، يتعذر عليهم الحصول على تغذية جيدة، ولا الوصول إلى الأدوية التي يحتاجونها.

الظروف في السجون بالنسبة للنساء الحوامل واللائي وضعن قاسية للغاية. فكروا في الحمل ورعاية الأطفال في مكان لم نستطع ولو حتى العثور فيه على مقعد أو وسادة أو حتى مخدة.

هناك أشقاء لا يستطيعون أن يعرفوا بعضهم بعضًا لأن آبائهم وأمهاتهم معتقلين.

هناك أطفال مفصولون عن أباءهم وأمهاتهم بسبب محاكمات غير قانونية، هناك أطفال يموتون بينما يحاولون اجتياز الحدود والفرار إذ يضطرون للعيش خارج الوطن.

أطفال عُرضة للاستغلال

في التقارير التي نشرها مركز حقوق الطفل التابع لنقابة المحامين في أنقرة كانت زيادة عدد الأطفال الذين تعرضوا للإيذاء الجنسي مزعجة للغاية. في هذا التقرير هناك المئات من الأطفال الذين لا يمكن حمايتهم، والذين منهم من وقع ضحية للاعتداء الجنسي، ومن تعرض للعنف المنزلي، ومن أصيبوا بجروح.

الأطفال الذين أصبحوا حاملين نتيجة للسفاح، والأطفال الذين تعرضوا للاغتصاب في مراكز تعليم القرآن، الأطفال الذين كانوا يخشون من غضب الرجال ومن جن الشيوخ.

لا يمكن للدولة حماية أطفالها من الآباء والأمهات الذين يزوجون أطفالهم في سن مبكرة، ويحطمون مستقبل أطفالهم المعتدى عليهم، والآباء الذين يتنازلون عن الشكاوى مقابل المال. لا يمكن للدولة أن تحمي ليس فقط أطفالها ولكن أيضًا الأطفال السوريين الذين لجأوا إلى هذا البلد، من الأئمة الذين يقولون "نعلمهم القرآن ونعلمهم اللغة التركية على حد سواء"، ولا من الأشخاص الذين ينتهكونهم.

بالنظر إلى تزايد نسب استغلال الأطفال وإساءة معاملتهم، فإن قيام عالم الإلهيات نهاد خطيب أوغلو بــ"تغيير" دين طفل عمره 13 سنة لأب أرميني هارب، من المسيحية إلى الإسلام، في برنامج تلفزيوني أجراه مباشرة من ميدان السلطان أحمد في إسطنبول، وحتى انتهاك حقوق الإنسان يظل أمرًا "بسيطًا".

في السنوات الأخيرة، لم تحفظ بطريقة صحيحة سجلات الأطفال الذين تعرضوا للإيذاء الجنسي والتحرش، وقد أُديرت القضايا المتعلقة بهذه الجرائم بطريقة غير قانونية، والوزارات لا تقوم بأي عمل وقائي، ولم يتم العمل على تنفيذ برامج إعادة تأهيل الأطفال الذين يعيشون هذه الصدمات.

المرأة بالنسبة للدولة هي آلة للولادة، والأطفال مجرد عدد وسكان وقوة.

الدولة عاجزة عن أن تحب، تحمي، تُعلي من شأن أطفالها، والأطفال مدركون هذا. وحتى لو لم يلاحظ أحد ذلك، فإن الأطفال يدركون كل شيء.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/kadin-haklari/devletimiz-cocuklari-sever-mi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.