Erdal Er
أغسطس 10 2019

تركيا هي المشكلة الوحيدة لأكراد سوريا

شهد المنتدى الدولي حول داعش، الذي عقد في بلدة عامودا بريف القامشلي، مشاركات مهمة خلال اليوم الثاني والثالث له؛ إذ قدَّم المشاركون وثائق بصرية وكتابية تتعلق بالجرائم التي ارتكبتها داعش ضد الإنسانية. من ناحية أخرى، لم يغفل جميع المتحدثين تقريباً الإشارة إلى العلاقة بين تركيا وأردوغان من ناحية، وتنظيم داعش الإرهابي من ناحية أخرى. 

الغرب لا يريد استعادة مواطنيه من الدواعش.. 

يمكن أن نفهم من هذه النقطة، بشكل أفضل، السبب الذي جعل أردوغان يطلق على كل من شارك في هذا المنتدى كلمة "خائن". ناقش المنتدى مستقبل أفراد التنظيم الإرهابي، الذين تم اعتقالهم، من خلال محاولة الإجابة عن عدد من الأسئلة من قبيل "كيف يمكن مواجهة وحشية داعش؟"، "كيف ستتم محاكمة 12 ألفاً و500 عضو من داعش، تم اعتقالهم في شمال سوريا وشرقها؟"،  بالإضافة إلى هذه الأسئلة، ناقش المنتدى كذلك مستقبل3 آلاف 858 رجلاً و584 امرأة آخريات انضممن لداعش كذلك، وهن لسن رهن الاعتقال، ولكنهن محتجزات مع أطفالهن في مخيمات الهول وعين عيسى وروج.

وبينما تشير بعض التقديرات إلى أن العدد الفعلي يتخطى هذا الرقم بكثير، لم نجد رغبة لدى الدول الغربية في استعادة مواطنيها الموجودين في تلك المعسكرات؛ الأمر الذي جعل المشاركين في المؤتمر يتهمون الدول الغربية بالكيل بمكيالين تجاه هؤلاء الأشخاص.  وفي رأيي الشخصي، إنهم كانوا محقين فيما ذهبوا إليه. لقد وصل أعضاء داعش من جميع أنحاء العالم، وخاصة القادمين منهم من دول أوروبا، إلى سوريا وأراضي روج آفا، ملوحين بأيديهم، دون أن يواجهوا أية عقبات، وتم تقديم هذه العصابات بأسماء مثل "مقاتلي الحرية"، وساهم هؤلاء في إقامة خطوط جوية وبرية آمنة بين أوروبا وتركيا.  

كانت الأمور جيدة حتى إرسالهم إلى روج آفا، ولكن لماذا ساءت الأمور إذن عندما جرى الحديث عن عودة هذه العناصر إلى موطنها الأصلي؟ من هنا، بدأت النقطة المظلمة تلوح في الأفق. ولعل هذا الأمر هو السبب الذي حدا بمركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية إلى تنظيم مثل هذه المنتديات، رغبةً منه في لفت الانتباه إلى حجم المشكلة وتعقيدها؛ إذ يجب إنشاء آليات دولية من أجل التوصل إلى حل لهذه المشكلة. ومن جانبهم، دعا المشاركون الأمم المتحدة إلى القيام بدورها، وتحمل مسؤوليتها تجاه هؤلاء؛ إذ ليس من العدل أن نتوقع حلاً لهذه المشكلة الضخمة من قبل إدارة شمال سوريا وشرقها فقط. 

والواقع أنه إذا لم يتم اتخاذ كافة التدابير اللازمة من أجل التصدي، بشكل سليم، لهذه المشكلة، فلن تُتاح الفرصة من أجل بناء مستقبل دائم على هذه الأرض، ويقتضي هذا الأمر تقديم داعش وأعوانها إلى محاكمة دولية. ومع ذلك، لا يمكن القول إن هناك تطورًا ملموسًا في هذا الاتجاه. نعم كانت هناك بعض المبادرات التي أتت من جانب دول مثل السويد وهولندا، ولكنها لم تكن كافية لتحريك المياه الراكدة. هناك 73 دولة في التحالف المناهض لتنظيم الدولة الإسلامية، ولا تقتصر مهمة هذه الدول على إلحاق الهزيمة العسكرية بداعش فحسب، وإنما يتعيَّن عليها، بالإضافة إلى هذا، أن  تتحمل مسؤوليتها باتجاه تقديم هذه العناصر الإجرامية إلى المحاكمة.  

أجمع كل من تحدثنا إليهم هناك على أن تقديم هذه العناصر لن يكون بالأمر الهين، خاصة مع استمرار العديد من الدول، على رأسها تركيا، في إقامة علاقات علنية وسرية مع تنظيم داعش الإرهابي؛ وبالتالي فإن تقديم هذه العناصر إلى المحاكمة سيعني بالضرورة إدانة كافة الدول والأطراف التي تدعم داعش، وتغض الطرف عن جرائمها وتمدها بالأسلحة، وتوفر لها كافة المساعدات اللوجستية الأخرى. من أجل هذا، لا يمكن القول إن الدول، التي تورطت مع داعش، ستؤيد تقديم أفرادها إلى محاكمات دولية؛ الأمر الذي يضفي هالة من الغموض، وعدم اليقين حول مستقبل هذه العناصر. ومع ذلك، لا يمكننا القول أيضاً إنه تم الانتهاء من أمر داعش تماماً، أو أنهم أصبحوا مشكلة من الماضي؛ فنحن لا نزال نتحدث عن تهديدهم القوي لرقعة واسعة من الأراضي حول العالم.  

أردوغان.. مشكلة الناس الوحيدة هناك...

ناضلت النساء الكرديات في روج آفا، إلى جانب الرجال، دفاعاً عن شرفهن. لقد ورثن القوة ورباطة الجأش عن المناضلات في أفريقيا وفرنسا وألمانيا، وكان نجاحهن في قيادة الحرب في كوباني والرقة خير دليل على ذلك. لقد عرف العالم تلك النساء بشكل أفضل، وهن يقاتلن في شمال سوريا وشرقها. ومع ذلك، لم يقتصر دورهن على القتال فحسب؛ فقد برعن كذلك في الإدارة والتجارة، بالإضافة إلى إسهاماتهن الفاعلة في مجال الزراعة والمنسوجات والمواد الغذائية وفن الطهي.

وعلى الجهة الأخرى حدد لنا مسؤولو مخيم "روج" موعدًا في الساعة الواحدة ظهرا للقاء نساء داعش في المخيم. وحتى يحين الموعد المقرر قمنا بالتجول في المكان، وزيارة الكنائس الأشورية والأرمنية، وكان صديقنا هايكو باغ دات أكثر من شعر بالسعادة من هذه الجولة.

تحدثنا أثناء ذلك مع عدد من التجار، الذين أجمعوا فيما بينهم على رأي واحد عندما قالوا "مشكلتا الوحيدة هي تركيا وأردوغان على وجه التحديد. وفيما عدا ذلك فكل شيء جميل هنا. لقد سئمنا من تهديدات أردوغان لنا. إنه لا يتوقف عن معاداة الأكراد. أي ضرر تسببنا به؟ هذه أرضنا، ولن نتخلى عنها، وسنظل ندافع عنها. الآشوريون والأرمن والعرب والتركمان والشركس والأكراد يعيشون هنا أخوة".  

وبينما يقوم أصحاب المتاجر، كعادتهم كل يوم، بإغلاق متاجرهم وقت القيلولة، والعودة إلى منازلهم، أخذنا نحن طريقنا إلى مخيم روج.

لم نجد هناك سوى النساء والأطفال فقط..

أوقفنا سيارتنا عند مدخل المخيم، حيث تم اتخاذ تدابير أمنية مشددة. أخبرنا الموجودين هناك أن لدينا موعداً بالداخل، وبالفعل سُمِحَ لنا بدخول المخيم، بعد مراجعة الوثائق والأوراق التي بحوزتنا. كان مدير المخيم ودوداً يبعث على الطمأنينة والارتياح بوجهه الباسم.

أقيمت مئات الخيام، جنباً إلى جنب، وتم تثبيت مكيفات الهواء في الخيام؛ للحماية من درجة الحرارة المرتفعة هناك. يعيش في هذا المخيم 529 امرأة و1120 طفلاً. رأينا داخل المخيم نساء من جميع أنحاء العالم. كان جميع العاملين في المخيم من النساء، وكان الرجال يتولون الحراسة في الخارج فقط. يُسمح للنساء داخل المخيم بالتواصل مع العالم الخارجي؛ فيُسمح لهن بلقاء عائلاتهن بانتظام، كما يمكنهن تلقي الأموال منها. تقول إدارة المخيم إنهم لا يحصلون من الخارج إلا على القدر اليسير من المساعدة، ويضيفون "الأطفال هم أكبر مشكلة تواجهنا داخل المخيمات. نعم هناك فرص للتعليم، وقد افتتحت مدرسة لهذا الغرض، ولكن المشكلة الخطيرة تكمن في تربية هؤلاء الأطفال وتنشئتهم مع أمهاتهم. ينبغي إخضاع هؤلاء الأطفال لبرنامج خاص بإعادة تأهيلهم من جديد. ومع ذلك، ليس لدينا ما يكفي من الإمكانات للقيام بهذا الأمر في الوقت الراهن". 

ليس من الصعب التنبؤ بالتربية التي يمكن أن يستقوها من أمهاتهم، طالما بقوا إلى جوارهن. والواقع أن الإدارة في شمال سوريا وشرقها ليس لديها الإمكانات الكافية التي تمكِّنها من مواجهة هذه المشاكل. ومع ذلك، يجب أن تكون هناك طريقة حتى يستمر هؤلاء الأطفال في حياتهم، ويتلقوا تعليمهم كسائر الأفراد الأصحاء في المجتمع. وفي رأيي، إن هذا لن يتأتى إلا بدعم دولي.

تجاذبنا أطراف الحديث مع خمس سيدات داعشيات أو ست من المحتجزات  داخل المخيم. كانت معظم النساء اللائي تحدثنا إليهن من الأتراك. من بين هؤلاء السيدة سيلين التي قدمت من بلجيكا مع زوجها المغربي ليلتحقا بداعش. رفضت سيلين الحديث معنا في البداية، وعندما قررت التحدث إلينا، اكتفت بالقول "أنا محطمة نفسيًا". بدا عليها التأثر الشديد، وهي تتحدث عن قدومها من بلجيكا، وعن الحي التركي الذي كانت تعيش فيه في بروكسل. كانت سيلين قد اتخذت قرارها بالتزام الصمت، بعد أن حذرها محاميها من التحدث إلى وسائل الإعلام، وإلا فلن يتم إعادتها إلى بلدها مرة أخرى. لم تكن تقول إلا شيئاً واحدًا: "أدعوا بلجيكا أن تعيدنا مرة أخرى".

من الواضح أنهن اتخذن قرارًا مشتركًا بعدم التحدث، في حين التزمت النساء الأخريات اللائي قابلناهن بتقديم الإجابات المألوفة عن الأسئلة التي وجهناها إليهن: "لقد خُدعنا"، "لقد جاء بي زوجي إلى هذا المكان"،  "لم نكن نعرف حقيقة الوضع"، "لم نفعل شيئًا"...  

الدواعش يفضلون العيش في تركيا..

تحدثنا مع السيدة ياغمور كليج، وهي من أصول كردية، قدمت من الدنمارك، وانضمت إلى داعش. تقول كليج إن أبيها من المؤيدين لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي، وإن جميع أفراد أسرتها وطنيون باستثنائها هي. ألمحت كليج أنها كانت "ضحية زوجها المغربي"، ولم تسهب بعدها في الحديث عن هذا الموضوع، وفي المقابل كانت تكرر باستمرار أنها تريد الخروج من المخيم، واستعادة أسرتها، ونسيان الماضي. ولكن يبدو أن نسيان الماضي لن يحل وحده المشاكل؛ ففي بعض الأحيان يظل الماضي يطارد الإنسان، حتى لو حاول هو تركه. أتساءل بين الحين والآخر، ماذا فعلت تلك السيدات عندما كانت داعش ترتكب فظائعها اللاإنسانية، وعندما كانت تبيع نساء أيزيديات، نساء مثلهن تماماً، في السوق؟ هل كن يكتفين بالجلوس والمشاهدة؟ أما النساء الأخريات اللاتي تحدثنا معهن فأعربن لنا عن رغبتهن في العودة إلى تركيا، ولكن تركيا ترفض السماح للنساء المحتجزات في مخيمات روج آفا بالعودة إليها.  

وفي المقابل، لم تتوقف إدارة المخيم عن توجيه النداءات إلى كافة الأطراف المعنية بالأزمة: "وجهنا نداءات إلى جميع الدول عدة مرات. خاطبنا السلطات التركية كذلك. قلنا لهم إن هؤلاء مواطنوكم، وعليكم أن تسمحوا لهم بالعودة إلى بلدهم. شرطنا الوحيد هو ألا يسيئوا معاملتهم، وأن يقدموهم إلى محاكمة عادلة، وعدم إعدامهم، وفيما عدا ذلك فنحن مستعدون لإعادتهم إلى أوطانهم".  

هذا وتمتنع تركيا عن إقامة علاقات مع شمال سوريا وشرقها؛ لأنها لا تعترف بها من الأساس. وهي تريد أن تأخذ هؤلاء النساء عبر جنوب كردستان، ولكن هذه الإدارة أيضاً لا تعترف بإدارة الحكم الذاتي في شمال سوريا وشرقها، وهم يقولون "وقعوا أولاً، وسندعهم يأخذونهم". أكملنا بذلك لقاءنا مع النساء، وبدأنا نتجول داخل المخيم. لم تكن هناك امرأة واحدة خارج المخيمات. وكانت أية واحدة منهن ترانا تركض إلى الداخل على الفور. أما الأطفال، فكانوا يلعبون غير عابئين  بشيء، ولم يفاجؤوا بوجودنا. من الواضح أنهم اعتادوا على حضور الصحفيين والوفود التي تتردد على المكان. ولم تُمانع سلطات المخيم من التقاط بعض الصور من داخل المخيم. ولكنهم طلبوا منا عدم التقاط صور للنساء دون موافقتهن. من أجل هذا، قمنا بحذف بعض الصور التي التقطناها. خرجنا من المخيم، وقد تأكد لدينا أن استمرار التهديدات التركية سيخلق من عناصر داعش المعتقلين والنساء المحتجزات في المخيمات مشكلة أمنية خطيرة في المستقبل.   

هذا المقال مأخوذ عن موقع Nûpel الإخباري
هذا المقال يعكس آراء المؤلف وليس بالضرورة أن يأتي متوافقًا باستمرار مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/suriye/savasla-gecen-sekiz-yil-kuzey-ve-dogu-suriyeye-yolculuk-2
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.