تركيا خسرت الحليف الأميركي ولم تكسب الشريك الروسي

واشنطن/موسكو - تتهيأ تركيا على ما يبدو إلى مواجهة أزمة حادة مع الإدارة الأميركية الجديدة التي يقودها الديمقراطيون والتي تبدي حزما أكبر في التعاطي مع مسائل خلافية مع أنقرة.

ورسمت تصريحات سابقة للرئيس الأميركي الجديد جو بايدن خلال حملته الانتخابية كان قد هاجم فيها بشدّة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووصفه بـ"المستبد"، مشيرا إلى تمادي تركيا في انتهاكاتها على أكثر من جبهة وإلى الملفات العالقة بين البلدين، الخطوط العريضة لسياسته الخارجية تجاه تركيا والتي من المتوقع أن تدفع الأخيرة لعزلة أشد ولكن في نفس الوقت قد تقربها أكثر من روسيا.

وتشير وسائل إعلام غربية وروسية أيضا منذ انتهاء ولاية الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، إلى أن مستقبل العلاقات بين أنقرة وواشنطن مرشحة إلى شدّ وجذب وتميل أكثر إلى وضع أكثر قتامة مما تتوقعه الحكومة التركية.

وكان الرئيس التركي قد أعلن في وقت سابق بعد تنصيب بايدن رئيسا للولايات المتحدة أن تركيا تأمل في حل الخلافات العالقة مع واشنطن بالحوار مبديا تفاؤلا مفرطا بإنهاء التوتر القائم بين البلدين الحليفين والعضوين في حلف شمال الأطلسي خاصة في ما يتعلق بصفقة الصواريخ الدفاعية الروسي اس 400 وهي الصفقة التي سممت العلاقات حتى مع إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب والذي تعتبر سياسته ليّنة مع صديقه أردوغان.

ويبدو أن صبر واشنطن حيال ممارسات أردوغان في شرق المتوسط وفي ليبيا وسوريا وتدخله الأخير في أزمة قره باغ، قد بلغ منتهاه وأن إدارة بايدن عازمة على وضع حدّ لتلك الممارسات.

وعبر مسؤولون أميركيون مرارا عن غضبهم من تمادي الرئيس التركي في تحدي الولايات المتحدة وتقاربه مع الخصم الروسي ولم يخف انزعاجهم من تعاطي الإدارة الأميركية السابقة مع تلك التجاوزات، معتبرين أن التراخي في لجم التمدد التركي في أكثر من منطقة أتاح لأردغان هامشا كبيرا للمناورة والتحدي.

وترجح السيناريوهات القائمة أن تميل تركيا أكثر إلى المعسكر الشرقي وأن تعمل على تعزيز تقاربها مع روسيا، لكن حتى هذا الخيار ليس مطلقا ولا هو الأفضل للهروب من الضغوط الأميركية، فالشريك الروسي قد يرحب بذلك لكن بشكل محدود ضمن حسابات جيوسياسية قائمة على توسيع الشرخ القائم في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وقد استثمرت موسكو الخلافات بين تركيا والأطلسي بسبب صفقة اس 400 وأيضا بسبب التوترات التي أحدثها أردوغان مع دول عضوة في الحلف مثل فرنسا، لتوسيع تلك الهوة.

والمشهد بتجلياته الراهنة وبتطوراته المنظورة، يؤكد أن تركيا عالقة في أزمة مرشحة للتفاقم فلا هي قادرة على كسبت الشريك الروسي ولا هي قادرة على إرضاء الحليف الأميركي.

وقد أرخى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحبل لنظيره التركي لجرّه إلى المعسكر الشرقي وكسر حلقات التواصل التي كانت متينة إلى حدّ ما مع الحلفاء الغربيين، لكن ليس من المسلمِ أن يمنحه طوق النجاة في الوقت الذي تعمل فيه موسكو على إضعاف الجبهات المناوئة لحليفها الرئيس السوري بشار الأسد.

ورغم التفاهمات بين موسكو وأنقرة على مسائل عسكرية في سوريا، إلا أنها لا تحجب خلافات قائمة وعميقة بين الجانبين فكلاهما يقف على طرف نقيض من الأزمة السورية، فتركيا تدعم معارضة معظم فصائلها متطرفة، فيما تدعم روسيا النظام السوري ليس حبا فيه بقدر ما هو تأمين موطئ نفوذه في الشرق الأوسط في منافسة النفوذ الأميركي.

ورغم جهود أنقرة للتقرب من موسكو وبناء علاقة تحالف، يبقى تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عالقا في الذهن وكان يفترض أن يعلق أكثر في ذهن الرئيس أردوغان، فقد قال عميد الدبلوماسية الروسية في العام 2020 إن بلاده "لا تعتبر تركيا حليفا استراتيجيا"، مضيفا "الشريك والحليف شيئان مختلفان".

وكانت روسيا أكثر هدوء في التعامل مع تطورات المواجهة بين أذربيجان وارمينيا في الوقت الذي اندفعت فيه تركيا سياسيا وعسكريا على خط الأزمة.

ولم يكن الصمت الروسي إزاء جهود التمدد التركي في جنوب القوقاز، مجانيا فالشريك الروسي لطالما عمل بدهاء على توريط تركيا في المستنقع السوري وفي الخلاف مع الشركاء الغربيين وترك لها الباب مواربا لانخراط أوسع في أزمة قره باغ ودخل معها في مواجهة محدود في ليبيا وسط اتهامات متبادلة بإرسال آلاف المرتزقة.  

ولا يمكن في كل الأحوال أن تنسى روسيا خطورة ما أقدم عليه الشريك التركي حين أرسل مئات المرتزقة جندهم من فصائل سورية جهادية إلى جنوب القوقاز في إطار الحرب الاذرية الأرمنية على الحدود تخوم روسيا.

وفي الأثناء يتردد حاليا في كواليس الإدارة الأميركية الجديدة أنه حان الوقت لوضع حدّ لما يسميه مسؤولون أميركيون بـ"ألاعيب أردوغان".

وثمة إشارات أميركية واضحة على أن الإدارة الجديدة قد تتخذ عدة إجراءات عقابية وتدفع أكثر لعزل تركيا وهي خيارات واردة. وقد أعلن وزير الخارجية الأميركي الجديد انتوني بلينكن في تصريح سابق أن بلاده ستنظر إلى ما إذا كان هناك حاجة لمزيد من الإجراءات ضد تركيا لمعاقبتها، معتبرا أن تصرفاتها كعضو في حلف الناتو "غير مقبولة".

وقال في ردّه على سؤال السيناتور الأميركي البارز ليندسي غراهام في مسألة ما يتوجب على واشنطن فعله إزاء شراء أنقرة منظومة الصواريخ الروسي (اس 400) "فكرة أن شريكا أو ما يسمى شريكا استراتيجيا لنا، يكون على نفس الخط مع روسيا إحدى أكبر الدول المنافسة لنا، أمر غير مقبول".

وإلى جانب هذا الموقف، يعتبر سياسيون أميركيون أن أنشطة تركيا في سوريا وفي شرق المتوسط وتصعيدها إزاء اليونان وقبرص وتدخلها في كل من سوريا وليبيا وإقليم ناغورني قرة باغ، "أنشطة مزعزعة للاستقرار" تستوجب تحركا حاسما.

وكان لافتا أيضا الرسائل التي أطلقها انتوني بلينكن حين أكد في مجلس الشيوخ الأميركي أن إدارة بايدن مفتوحة العينين في التعامل مع الحليف التركي موضحا "تركيا لا تتصرف كما يفترض بالحليف أن يتصرف... وعيوننا مفتوحة حولها".