تركيا لديها صعوبة في فهم ما ينبغي فعله مع أعدائها في الخارج

قال الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان إن جهاز المخابرات التركية، الذي زادت ميزانيته كثيراً في السنوات الماضية، سيُقلّص عملياته في الداخل ويعزز أنشطته السرية في الخارج.

وأدى اغتيال الولايات المتحدة الجنرالَ الإيراني قاسم سليماني، وقتل معارضين للحكومة الروسية في بريطانيا وألمانيا، إلى مخاوف من احتمال أن تلجأ دول أخرى إلى أسلوب قتل أعدائها في الخارج. ويقول محللون إن تركيا تنفذ عمليات مراقبة بشكل نشط ضد معارضيها في ألمانيا، وإنها ربما تكون جنّدت وكلاء محليين لتنفيذ عمليات في الماضي وقد تفكر في تكرار هذه الأفعال من جديد.

وقال كريستيان براكل، رئيس فرع مؤسسة هاينريش بول – التي تتخذ من برلين مقراً – في إسطنبول، في تدوينة صوتية لموقع أحوال تركية "احتمال حدوث هذا الأمر ليس مستبعداً على الإطلاق... لقد رأينا كيف أن دولاً أخرى مثل روسيا صارت تتمادى في عمليات الاغتيال في الخارج، بما في ذلك في ألمانيا".

وقال أردوغان في الآونة الأخيرة إن نحو عشرة آلاف إرهابي تركي مسموح لهم بالتحرك بحرية في ألمانيا، في إشارة إلى أتباع رجل الدين التركي فتح الله غولن – المقيم في الولايات المتحدة، والذي تتهمه تركيا بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في البلاد عام 2016 – و "الانفصاليين" الأكراد المرتبطين بحزب العمال الكردستاني، والذين يخوضون تمرداً مسلّحاً في تركيا منذ عام 1984.

وحزب العمال الكردستاني مدرج على قوائم المنظمات الإرهابية في كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا. لكن من وجهة نظر برلين، فإنها لا تملك الكثير لمحاكمة آلاف النشطاء الأكراد الملتزمين بالقانون وأنصار غولن في ألمانيا.

وقال أردوغان أيضاً إن تركيا قد تنفّذ قريباً عملية مثل تلك التي نفذتها الولايات المتحدة لقتل زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي. ويقول مسؤولون أتراك إنهم يعرفون المكان الذي يختبئ فيه عادل أوكسوز، وهو أكاديمي مناصر لغولن، يعتقدون إنه من نسّق محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في عام 2016. ويُقال إنه يختبئ في مكان ما في أوروبا.

ويرى ألكسندر كلاركسون، المحاضر المتخصص في الدراسات الألمانية والأوروبية في كينجز كوليدج في لندن، أن هناك اعتقاداً متنامياً داخل أجهزة الأمن الألمانية بأن جهاز المخابرات التركية سيُجنّد عملاء محليين من أمثال عصابات الدراجات النارية التركية لتنفيذ بعض أعمال العنف، لكي تتمكن تركيا من التملص من المسؤولية.

وأبلغ كلاركسون موقع أحوال تركية أيضاً في تدوينة صوتية قائلاً إن "هذه لن تكون المرة الأولى" مشيراً إلى أن جهاز المخابرات التركية كان له نشاط كبير في ألمانيا في الثمانينيات والتسعينيات، استهدف به حزب العمال الكردستاني ونشطاء أكراداً. أضاف "جرت العادة منذ زمن طويل على هذا، حيث يتم تجنيد عناصر محلية، وإرسال عملاء، واستخدام معلومات مضللة".

والمشكلة بالنسبة لتركيا هي أن الفضاء السياسي بالنسبة للمعارضين الأكراد في أوروبا تغيّر بشكل كبير في السنوات الأخيرة. على سبيل المثال، فقد برزت شبكة قوية ومنظمة جيداً من جماعات الضغط لدعم الحركة الكردية وحقوق الأكراد والترويج لهما.

أضاف كلاركسون أن "هناك الآن طبقة متوسطة كردية لها وجود جوهري" في إشارة إلى شبكات الأطباء والمحامين والأكاديميين والسياسيين الأكراد في ألمانيا وهولندا، والتي طوّرت آليات لجمع تبرعات ضخمة. وقال إن هؤلاء "لهم صوت مسموع، ويشكلون جماعات ضغط مؤثرة جداً، ولديهم مجموعة من الأهداف الاستراتيجية".

وتميل تركيا إلى الاعتقاد بأنها تستطيع مجابهة أنشطة جماعات الضغط الكردية من خلال حشد الأتراك المقيمين في أوروبا، والذين ترى أنهم مؤيدون لحزب العدالة والتنمية الحاكم. ونحو ثلثي مسلمي ألمانيا – البالغ عددهم نحو 4.5 مليون نسمة، من أصول تركية؛ ويُشكّل هؤلاء أكبر عدد من الأتراك المقيمين خارج البلاد، وأكبر جماعة من المهاجرين في ألمانيا.

لكن في دول مثل ألمانيا، يميل الأجانب المقيمون فيها إلى الانقسام على النحو الذي ينقسم عليه المواطنون الأتراك في بلدهم – فهناك محافظون يؤيدون أردوغان، وهناك أصحاب العقليات الأكثر ميلاً إلى الفكر التقدمي، والذين لا يحبون ما يرونه استبداداً متنامياً.

وقال كلاركسون "الأكراد المقيمون في الخارج متحدون إلى حد ما، ويتصرفون كطرف فاعل وموحد، بينما التُرك المقيمون في الخارج في شقاق وحرب... الجالية الكردية في الخارج هي التي لديها انتشار وتحظى بالتعاطف".

يساعد هذا على تفسير السبب الذي جعل دفاع تركيا عن هجومها على شمالي سوريا – والذي استهدف وحدات حماية الشعب التي يقودها الأكراد – لا يلق أذاناً صاغية إلى حد كبير؛ فبدلاً من أن يقبل الاتحاد الأوروبي بوجهة النظر التركية، وجدناه اتجه إلى فرض قيود على بيع الأسلحة إلى أنقرة بسبب هذا الغزو.

وحثت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تركيا العام الماضي على الإفراج عن السياسي الكردي البارز صلاح الدين دميرطاش، وتابعت تلك الخطوة في شهر يوليو، حيث خلصت إلى أن تركيا مذنبة بحقة وأنها تنتهك حقوقه.

هناك أيضاً من يُفترض أنهم أتباع لغولن في المنفى، والذين لاقوا ترحيباً حاراً في معظم الدول الأوروبية، وسُمح لهم بمواصلة حياتهم الطبيعية هناك.

وقال كلاركسون "حقق أنصار غولن نجاحاً كبيراً في ألمانيا، من حيث أنهم رسموا لأنفسهم صورة الطرف المعتدل، وانخرطوا في حوار مع العقائد المختلفة على المستوى المحلي" مضيفاً أن الحكومة الاتحادية ما زالت مرتابة في غولن بعض الشيء.

وصار النشطاء الأكراد وجماعات الضغط التابعة لهم، والمفكرون الأتراك وأنصار غولن، جزءاً من الحياة اليومية في ألمانيا. ويقول كلاركسون إن "هؤلاء أناساً يجدون لأنفسهم الآن مكاناً داخل النظام المؤسسي في ألمانيا. هؤلاء لهم تأثير على النقاش".

وعندما تنادي تلك الجماعات بحقوق الأكراد والحكم الذاتي، أو تسلّط الضوء على السياسات التركية المثيرة للمشاكل في الخارج – مثل مطاردة أنقرة لأنصار غولن في أنحاء العالم، وتحركات تركيا في شرقي المتوسط، أو تجسس الأئمة الأتراك في ألمانيا لصالح الحكومة التركية – فإنهم يلقون آذانا صاغية في بروكسل وبرلين وغير ذلك من عواصم العالم. وبينما تغيرت قواعد اللعبة السياسية، نجد أن تركيا تبدو لم تدرك بعد قواعد اللعبة الجديدة.

وقال كلاركسون "كانت قراءة الوضع قراءة خاطئة وأساءت أنقرة فهمها بشكل كبير... فكلما أرسلت أنقرة المزيد من فرق الموت، أو كلما حرّضت عصابات الدرّاجات النارية أو المجرمين على مهاجمة معارضين أكراد أو أتراك، كلما زادت نفسها عزلة وزادت الجانب الألماني – الذي ستحتاجه في نهاية المطاف – نفوراً منها".

وتحوّلت العلاقات بين ألمانيا وتركيا إلى حالة من الجمود منذ أن توصلت ألمانيا إلى أن موسكو تقف وراء مقتل مواطن جورجي من أصول شيشانية في حديقة عامة في برلين. وطردت ألمانيا دبلوماسيين روساً في أوائل ديسمبر الماضي، في خطوة تعهدت روسيا بالرد عليها. وكان من الممكن أن تصبح الأمور أكثر سوءاً بالنسبة لموسكو.

وقال براكل إن "التداعيات بالنسبة لروسيا ليست سيئة للغاية حتى الآن... لذا، فقد تكون تركيا ترواضها نفسها هي الآخرى بأنها تستطيع تحمل التبعات".

ومن شأن تنفيذ تركيا أي عملية اغتيال، أو هجوم كبير، أن يقضي على الأرجح على التعاون الأمني بين البلدين، ويعيد العلاقات إلى المستوى المتدني الذي كانت عليه في عام 2017.

وقال كلاركسون "هناك عقول حكيمة في جهاز المخابرات التركية، تعرف هذا، لكنهم لا يعرفون كيف يمكنكم التصدي له... بينما هناك أيضاً شخصيات في الدوائر الداخلية لحزب العدالة والتنمية لا تملك الحكمة، ولا تفهم أن هناك خطوطاً حمراء".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-intelligence/turkey-struggles-what-do-its-enemies-abroad
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.