تركيا من سياسة صفر مشاكل إلى شفير دولة فاشلة

أنقرة - حين أعلن أحمد داوود أوغلو في مقالة نشرها في مجلة فورين بوليسي بعنوان ''سياسة صفر مشاكل في المرحلة الجديدة'' في مارس 2013، والتي أطلق فيها ما عرف بسياسة تصفير المشاكل مع دول الجوار، كان يعول أحلاماً كبيرة على سياسته تلك، وهو الأكاديمي الذي تصادم مع زعيمه رجب طيب أردوغان بعد ذلك، وابتعد عنه لسنوات، وفُرض عليه نوع من التهميش والإقصاء من قبل أردوغان، ثم عاد بقوة مؤخّراً إلى المشهد السياسيّ، انتقد سياسات أردوغان، وأنشأ حزب المستقبل الذي يأمل أن ينافس العدالة والتنمية على الحكم.  

واعتمدت استراتيجية أوغلو حينها على عدة مبادئ رئيسة للسياسة الخارجية، تمثلت في ما وصفه بالتوازن في معادلة الأمن والحريات، وصفر مشاكل مع دول الجوار، وسياسة خارجية متعددة الأبعاد، بالإضافة إلى سياسة إقليمية استباقية ونشطة، وما وصفه بأسلوب دبلوماسي جديد ودبلوماسية إيقاعية.

يتساءل معارضون أتراك أين تركيا اليوم من تلك المبادئ التي أعلنت عنها؟ مَن يتحمّل أعباء انهيار العلاقات التركية مع دول الجوار، ومع الدول الأوروبية أيضاً؟ لماذا ابتعد أردوغان عن تلك السياسة المفترضة وتوجّه إلى سياسة توصف بالعدوانية والتوسعية تروم تحقيق أطماع شخصية واستعادة أمجاد غابرة؟ وإلى متى ستبقى تركيا رهينة أطماع أردوغان الذي يورّطها بحروب عبثية في سوريا وليبيا، ويعمل على توسيع تنظيم الإخوان المسلمين العالمي الذي يشكل أساس مشروعه المزعوم؟ ما جدوى التورّط في مناكفات سياسية مع الحلفاء في الاتحاد الأوروبي أو حلف شمال الأطلسي؟

يشير محللون إلى أنّ الرئيس أردوغان استغلّ تكريس سلطة حزب العدالة والتنمية من أجل ترسيخ سلطته الشخصية كزعيم أوحد لا تمكن مناقشته أو معارضته، ولاسيما أنّه أقصى من حوله تباعاً جميع الشخصيات الوازنة ذات الثقل في الحزب، كي ينفرد بالسلطة والقرار، ويؤسس دكتاتوريته الشخصية، على حساب إضعاف مؤسسات الدولة وتهميشها.

بدأ أردوغان بإقصاء الأصوات التي كان يرى فيها تهديداً على نفوذه وزعامته داخل حزب العدالة والتنمية، وقام بتهميشهم، كأحمد داوود أوغلو، وعلي باباجان، والرئيس الأسبق عبدالله غول، وصدّر قيادات تذعن لأوامره، ولا تفكر بمعارضته أو مناقشته، أو الوقوف في وجهه، لأنّ طموحه بالزعامة الفردية كان يقوده في عملية القضاء على الشخصيات التي يمكن أن تنافسه.

وبعد أن قام بعملية "التطهير" داخل حزبه، وصاغ قيادة جديدة تعتمد على التكسّب من الامتيازات والمنافع، أعاد وضع مبادئ سياسته الخارجية، واستراتيجيته الجديدة، بعيداً عن سياسة تصفير المشاكل، بل انتقل إلى الجانب الهجومي، وبدأ بافتعال المشاكل، وتوريط تركيا في الأزمات، ما أوقعها في سلسلة متتالية من الأزمات السياسية والاقتصادية، داخلياً وخارجياً، ما تزال تداعياتها وتأثيراتها تتّسع باطّراد وتثقل كواهل المواطنين الأتراك.

وسّع أردوغان دائرة التهميش والانتقام، واستغلّ محاولة الانقلاب الفاشة في منتصف يوليو 2016، من أجل تطهير مؤسسات الدولة ممّن يشتبه بانّهم معارضون له، أو قد يعارضون، أو من أولئك الذين لا يرضخون لإملاءاته وشروطه، وقام بالتنكيل بعشرات الألوف من المواطنين الأتراك في مؤسساتهم، وطردهم منها بذريعة الاشتباه بصلاتهم مع الداعية فتح الله غولن الذي كان صديقه وداعمه سابقاً.

أردوغان يواصل تفتيت مؤسسات الدولة
أردوغان يواصل تفتيت مؤسسات الدولة

كما تمادى الرئيس التركي بممارساته للقضاء على خصومه المحتملين داخل المؤسسة العسكرية، وأعاد صياغة هويتها العقائدية، ليحوّل الجيش التركي من حارس للعلمانية، إلى حارس لحزبه الإسلامي الحاكم، بعد أن اعتقل عشرات القيادات ذات الرتب العالية بذريعة المشاركة في الانقلاب أو التواصل مع الانقلابيين..

وبعد تلك العمليات التي قسّمت المجتمع التركي إلى أنصار أردوغان وأعدائه، وخلّفت شروخاً عميقة في بنيته، أطلق الأستاذ الجامعي دويغون يارسوفات الرئيس البارز لمؤسسة القانون الجنائي التركي سنة 2016 تحذيراً قال فيه إنه إذا أخذنا بالحسبان الهيمنة غير القانونية على البلاد والعنف المتصاعد، فالجمهورية التركية على شفير أن تصبح دولة فاشلة.

وفي نوفمبر من العام 2016 وضعت مجلة الإيكونوميست عنواناً يعبر عن التحذير ويضمر الرثاء لحال تركيا الجديدة في ظل حكم الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم، قالت فيه وداعاً لـ"الجمهورية". وتكرّرت التحذيرات من قبل محلّلين ومفكرين وعلماء اجتماع أن لاضمحلال سيادة القانون عواقب لا تترتب على السياسة فحسب، بل كذلك على جوانب الحياة الاجتماعية كافة.

ووفق الباحث مراد سومر في جامعة كوتش بإسطنبول، فإن استبدادية جديدة صاغها حزب العدالة والتنمية الحاكم، ويقوم هذا النموذج على إنشاء علاقة مختلفة بين الدولة والمجتمع، يعتقد الناس فيها أن المنافع التي توفر لهم مرتبطة بحزب أو فرد بعينه، وليس بمؤسسات حكومية متجردة وحقوق دستورية قانونية. ويلفت سومر إلى أن هذا يعني في أذهان الناس أنّه ليس بإمكانهم الحفاظ على أوضاعهم إلا بمواصلة تأييد ذلك الحزب أو الزعيم، أي رجب طيب أردوغان في حالة تركيا.

يلفت محللون إلى أنّ أردوغان يواصل تفتيت مؤسسات الدولة وإضعافها من أجل أن يجد الأتراك فيه المنقذ والمخلّص، وتراه يمارس أسلوبه الذي أصبح يعرف بالهروب إلى الأمام، والإبقاء على افتعال الأزمات وتوريط البلاد في حروب مع دول الجوار، وتصوير تركيا على أنّها دولة مارقة تمارس سياسة الابتزاز بحقّ الحلفاء، كحالة أردوغان في ابتزازه للاتحاد الأوروبي باللاجئين الذين يلقي لهم على الحدود الأوروبية، ويستعملهم كسلاح للضغط والابتزاز.

اليوم ترزح تركيا تحت أعباء مشاكل كثيرة تحاصرها وتثقل كاهلها، فالأزمة الاقتصادية ما تزال ضاغطة منذ أكثر من عامين، وفقدت الليرة على إثرها أكثر من أربعين بالمئة من قيمتها، ناهيك عن الأزمات السياسية الداخلية الناجمة عن سياسات أردوغان، وإصراره على تقديم نفسه كمخلّص لتركيا ومؤسس للجمهورية الحديثة، منقلباً على إرث مصطفى كمال أتاتورك، ومبلوراً هوية خاصة بحزبه الإسلامي الحاكم، زاعماً أنه يعيد بناء مشروع نهضوي يقتدي بالأمجاد العثمانية ويستعيدها بشكل أو آخر.

ومن هنا يحذّر معارضون أتراك من مغبّة التمادي في السياسات العدوانية، وأساليب الابتزاز السياسي، كي لا تتشوّه صورة تركيا أكثر، وعسى أن يكون هناك مجال لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مؤسسات حكومية، قبل أن تقع في هاوية الفشل الشامل، وتتجاوز حدود تدارك الكوارث وإمكانيات الإصلاح المفترضة.