يشار ياكش
يوليو 19 2019

تركيا صارت عبئاً على الناتو

أعلن البيت الأبيض والبنتاغون يوم الأربعاء "تعليق" مشاركة تركيا في البرنامج المشترك للطائرات المقاتلة إف-35. وأصرّ المسؤولون في البنتاغون على تجنب استخدام كلمة "إنهاء".

وتأجّل الإعلان مرتين، وهو ما يعني أنه ربما كانت هناك مساومات صعبة بين البيت الأبيض والبنتاغون، وأن كلمة البنتاغون هي التي فرضت نفسها في نهاية الأمر.

وأعقب الإعلانَ مؤتمرٌ صحفي بمشاركة اثنين من وكلاء وزارة الدفاع، هما إلين لورد المعني بالمشتريات، وديفيد تراشتنبرغ المعني بالسياسات. ولم يغلق الاثنان الباب أمام انضمام تركيا من جديد للبرنامج بشكل أو بآخر، إذا ما تراجعت عن قرار شراء صواريخ الدفاع الجوي إس-400 من روسيا. ولا أعرف كيف من الممكن العدول عن هذه العملية.

ولهذا الإجراء الكثير من التداعيات على تركيا والولايات المتحدة.

وتتمثل تداعيات القرار على تركيا في أنها لن تحصل على واحدة من الطائرات الأحدث والأكثر تقدمّاً. وعلى الرغم من أن هذا جانباً سلبياً، فإن الدفاع الجوي التركي لن ينهار بسببه. والسبب الأول في ذلك هو أن الطائرات إف-35 هي طائرات هجومية؛ وإذا كانت تركيا لا تنوي تنفيذ مهام هجومية ضد أي بلد قريباً، فلن تكون هناك حاجة مُلحّة لاستخدام تلك الطائرات. وبكل تأكيد فإن بلداً مثل تركيا، يملك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، لا يمكنه البقاء من دون طائرات هجومية لفترة طويلة. ومن ثم، سيتعين على أنقرة أن تُلبي هذه الاحتياجات بطريقة أو بأخرى في الوقت المناسب.

الأمر الثاني هو أن الصواريخ إس-400 ستلبي احتياجات تركيا بدرجة ما؛ لكن في الوقت ذاته، فإن إس-400 هو سلاح دفاعي.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في عدة مناسبات إن تركيا مهتمة أيضاً بالمشاركة في تصنيع الجيل القادم من أنظمة الدفاع الجوي الروسية، إس-500. ومسألة مدى رغبة روسيا في تصدير تكنولوجيا دفاع جوي حساسة لبلد عضو في حلف شمال الأطلسي هي قضية أخرى. لكن إذا تحققت نوايا أردوغان، فإن تركيا ستميل بصورة أكبر نحو نظام دفاع جوي من إنتاج روسيا.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الأثر الأهم يتمثل في انسلاخ تركيا عن حلف شمال الأطلسي. ويقول بعض المحللين في الولايات المتحدة ودول أخرى في حلف شمال الأطلسي إن تركيا صارت عبئاً على دول حلف شمال الأطلسي، بدلاً من أن تكون إضافة للحلف. وما من شك في أن تركيا تُمثّل إضافة مهمة لحلف شمال الأطلسي، خاصة في الشرق الأوسط. غير أن هذا لا يعني أن حلف شمال الأطلسي لا يمكنه تحقيق ما يريده في الشرق الأوسط من دون تعاون تركيا. لكن التعاون مع تركيا قد يجعل الحلف قادراً على تحقيق تلك الأهداف بمزيد من الكفاءة، وبتكلفة أقل.

وإذا استمرت عُزلة تركيا، فقد تؤدي هذه العزلة إلى تغيير في ميزان القوة في الشرق الأوسط، وربما في البلقان وآسيا الوسطى. ولن تبقى دولة بحجم تركيا في حالة انعزال، بالنظر إلى موقعها في منطقة مضطربة لها أهمية استراتيجية. بمعنى آخر، فإن تعليق مشاركة تركيا في برنامج إف-35 قد يفتح صندوق الشرور ويُنذر بتداعيات لا يعلم مداها إلى الله.

ومن شأن تعليق مشاركة تركيا في البرنامج أيضاً إثارة عدد من المشاكل الفنية والقانونية المعقدة، نظراً لأن تركيا من الدول المشاركة في تصنيع الطائرات إف-35. وتُنتج الشركات التركية نحو 900 مكوّن مختلف من مكونات الطائرة، بعضها لا تنتجه سوى الشركات التركية. ومن شأن استبعاد تلك الشركات من البرنامج إثارة عدد من القضايا القانونية. فقد استثمرت تركيا 1.2 مليار دولار في هذا المشروع؛ وسيكون لازماً أن تسترد تركيا ما دفعته. كما أن استبعاد الشركات التركية سيكون من شأنه التسبب في تأخيرات في تسليم الطائرات لدول أخرى تقدمت بطلبيات للحصول على الطائرة.

كانت تركيا قد طلبت شراء 100 طائرة إف-35. وسيكون من شأن تعليق مشاركتها التسبب في خسائر بمليارات الدولارات للقطاع الصناعي الأميركي. وجرى وضع أربع طائرات من طراز إف-35 بالفعل على قائمة مخزونات سلاح الجو التركي؛ لكن تلك الطائرات ما زالت في الولايات المتحدة، ومن المحتمل عدم الإفراج عنها. وستكون هذه القضية مثار جدل آخر.

كانت الولايات المتحدة فرضت حظراً على تركيا في السبعينيات، بسبب العملية العسكرية التي شنّتها الأخيرة ضد قبرص. ساعد ذلك الحظر تركيا على تطوير صناعتها الدفاعية. وقد يكون لتعليق المشاركة في برنامج إف-35 مثل هذا الأثر الإيجابي، فيعزز القطاع الدفاعي التركي أكثر.

وبسبب طبيعة هذه العملية الشديدة التعقيد، فإنها تحتاج إلى إبعاد العواطف عنها وإدارتها بحرص شديد. وإذا كانت هناك إمكانية لتحقيق هذا، فقد يُعيد الجانبان تقييم عواقب هذا الخلاف بمزيد من العقلانية، ووضع العلاقات المستقبلية على أرضية أقوى وأكثر منطقية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/us-turkey/turkey-suspended-f-35-fighter-aircraft-programme
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.