تركيا تاريخ من المنظمات السرية كجزء من الدولة العميقة

أتابع في هذا المقال ما بدأته من سلسة من المقالات عن الشبكات السرية في تركيا وكيف استطاع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من توظيفها لخدمة نفوذه في البلاد.

وبالعودة إلى مارس 2011، تم اعتقال سبعة صحافيين، من بينهم أحمد جيك، الذي كان يكتب كتابًا بعنوان "جيش الإمام"، زعم فيه أن حركة غولن اخترقت قوات الأمن في البلاد. ولدى القبض عليه تمت مصادرة مسودات الكتاب ومنع حيازته.

وأظهر التحقيق أن القضية استغلها أردوغان لتدعيم والاستيلاء على المزيد من السلطة. واتضح بعد سنوات أن أردوغان كان يستخدم كوادر من أتباع غولن لتحقيق هذه الغاية، بينما كان الأخير يأمل في أن يحصلوا على نصيب الأسد من سلطته.

لكن في عام 2014، أطلقت محكمة جنائية محلية سراح معظم المعتقلين، بعد أن قضت المحكمة الدستورية بأن استمرار احتجازهم ينتهك حقوقهم. وفي عام 2016، ألغت محكمة الاستئناف العليا قرار إرغينيكون بسبب "عدم قدرتها على تقديم أدلة ملموسة لإثبات وجود إرغينيكون، وعلى أسس إجرائية بسبب عمليات التنصت والتفتيش غير القانونية وكذلك تصريحات الشهود المجهولين". وتمت تبرئة المحكوم عليهم.

وقال بعض المنتقدين، مثل المدافعة عن حقوق الإنسان والمحامية إرين كسكين "كم كان الأمر فوضوياً، كم كان مجرداً من الأخلاق، كم كانت عقلية السلطة في تركيا لا قيمة لها. لقد أعلن الشخص الذي يتولى حاليًا رئاسة هذه الدولة، ذات مرة ، أنه المدعي العام في هذه القضية، والآن، كلهم ​​يشيدون بعدالة وصحة هذه التبرئات".

وهناك منظمة أخرى تسمى "إنسومين دانيش"، أو "مجلس الملكة الخاص"، والتي لفتت انتباه الجمهور في عام 1995 عندما سربت رئيسة الوزراء آنذاك، تانسو تشيلر، إلى الصحافة رسالة تلقتها تضمنت تحذيرات قاسية لحكومتها "منذ فترة طويلة، نلاحظ التصريحات والأفعال والسلوكيات التي تهدف إلى تدمير نظامنا الدستوري الديمقراطي والعلماني، واستبداله بأحكام الشريعة الإسلامية. ونحثكم على اتخاذ اجراءات قانونية وادارية وقضائية صارمة بحق ذلك".

كانت الرسالة قادمة من منظمة "إنسومين دانيش". جندت المنظمة شخصيات عسكرية وسياسية رفيعة المستوى. ووفقًا لتقرير رئيس تحقيق سوسورلوك البرلماني، فإن"إنسومين دانيش" كانت لها علاقات وثيقة مع "مجموعة العمل الغربية"، والتي كانت تشكيلًا سريًا آخر داخل الجيش التركي، يُزعم أن الجنرال جيفيك بير أنشأه في عام 1997، بهدف تصنيف السياسيين والعسكريين والصحافيين وغيرهم من الشخصيات الرئيسية وفقًا لخلفيتهم العرقية وانتمائهم الديني وميولهم السياسية، ومراقبة أولئك الذين يعتبرون تهديدًا محتملاً للعلمانية في تركيا.

كان الظهور العلني الثاني لمنظمة "إنسومين دانيش" في عام 2008 أثناء محاكمات إرغينيكون. وتجدر الإشارة إلى أن بعض المتهمين البارزين في قضية أرغينيكون كانوا أعضاء في "إنسومين دانيش"؛ وبالتحديد، سكرتير مجلس الأمن القومي، الجنرال تونجر كيلينتش، وقائد الدرك السابق الجنرال سينر إيرويغور.

وردًا على الشكوك حول عمل المنظمة كهيئة عليا لمنظمة إرغينيكون، أوضح رئيس الأركان العامة السابق، الجنرال إسماعيل حقي كارادي، عضو المنظمة، أنهم عقدوا اجتماعات كل أسبوعين، وناقشوا العديد من القضايا الوطنية، وكتبوا ملاحظاتهم و سلموها إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء "فقط لتسجيل أفكارنا وبتواضع لخدمة بلدنا".

وقال رئيس المجلس، ورئيس البرلمان السابق، نجم الدين كارادومان، في مقابلة على قناة سي إن إن تورك في عام 2009 إن "الدولة العميقة موجودة وستظل موجودة دائمًا. هي موجودة في كل مكان في العالم بأسره. هي موجودة اليوم، وستظل موجودة غدًا. إنها تهدف إلى حمايتنا".

وبشكل عام، زادت محاكمات إرغينيكون وسليدج هامر في تركيا من حالة عدم اليقين وعدم الاستقرار، بدلاً من تمهيد الطريق لحل قضية وصاية الجيش على السياسة والمجتمع.

وبعد إطلاق سراح المتهمين بقضية إرغينيكون وباليوز بقرار سياسي عام 2014، ظهر سؤال جديد: ما نوع العلاقة التي قد ينخرط فيها أردوغان مع هؤلاء الأفراد والجماعات، أو مع كوادرهم المتشابهة في التفكير؟ أم أنه كان بالفعل على علاقة بهم؟