تركيا تبدأ انحرافها عن الغرب باستبعاد داوود أوغلو

ثمة دائرة بدأ رسمها في تركيا في الأول من شهر مايو من العام 2016 قد أُغلقت بالكامل يوم 13 سبتمبر 2019.

فمنذ أيام قليلة، استقال أستاذ العلاقات الدولية الذي شغل من قبل منصبي وزير الخارجية ورئيس الوزراء في تركيا من حزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد، دون أن ينتظر صدور قرار من لجنة التأديب في الحزب بفصله منه.

كان النجاح هو سمة الفترة التي قضاها حزب العدالة والتنمية الحاكم تحت قيادة أحمد داوود أوغلو، الذي فاز بحزبه في الانتخابات العامة التي أجريت في العام 2015 بالحصول على 49.4 في المئة من الأصوات.

ومن أهم سمات الفترة التي شغل فيها داوود أوغلو منصب رئيس الوزراء هي الأولوية التي أعطاها لعلاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي والغرب. فخلال تلك الفترة، تقدمت وزارة الخارجية التركية باقتراح "عبقري" إلى الاتحاد الأوروبي في مواجهة فيضان الوفيات بين المهاجرين غير الشرعيين الذين يتطلعون للوصول إلى اليونان عبر بحر إيجة.

بناء على هذا الاقتراح، يتم إعادة جميع "المهاجرين غير الشرعيين" الذي يعبرون من تركيا إلى اليونان، ومقابل كل سوري يعود إلى تركيا سيجري إعادة توطين مهاجر سوري في الاتحاد الأوروبي.

وفي حين لقي هذا الاقتراح ترحيبا من أوروبا، شمّر داوود أوغلو عن ساعديه ليمارس ضغوطا على الاتحاد الأوروبي من أجل المطالبة بدخول المواطنين الأتراك إلى منطقة شنغن التي يتحرك فيها المسافرون بدون جوازات سفر.

وفي الأول من شهر مايو من العام 2016، في وقت كانت فيه علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي في أوجّها وكان الاقتصاد في حالة جيدة نسبيا وخرجت تركيا من الحرب مع حزب العمال الكردستاني المحظور دون تكبد خسائر فادحة وكان حزب العدالة والتنمية سعيدا بنجاحه في الانتخابات التي جرت في نوفمبر، استيقظ الشعب على إشعار مفاجئ نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي.

هذا الإشعار المجهول اتهم داوود أوغلو بوضع السياسات الفوضوية في سوريا المجاورة التي مزقتها الحرب والتآمر على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

أشار الإشعار أيضا إلى صراع داخلي على قيادة الحزب وتطلُّع داوود أوغلو إلى مقعد أردوغان وتآمُر رئيس الوزراء على القيادة مع أعضاء آخرين ساخطين في حزب العدالة والتنمية. ولكن هل اقتصر الأمر على ذلك؟

بعد أربعة أيام بالضبط من نشر الإشعار، وتحديدا في الخامس من مايو 2016، استقال داوود أوغلو بعدما ألقى خطابا كان زاخرا بالثناء ولكنه افتقر إلى الإيضاح الذي كان متوقعا منه.

وقد كانت هذه هي نهاية الحكومة الرابعة والستين للجمهورية التركية تحت قيادته.

تلك كانت بداية الدائرة، التي بدأ رسمها في الأول من مايو 2016، وأغلقت بالكامل مع استقالة داوود أوغلو.

إن استقالة داوود أوغلو من شأنها أن تمثل بداية عهد غيّر فيه حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم سياساته 180 درجة، لينأى بنفسه عن الغرب.

كانت الاستقالة القسرية لداوود أوغلو، إحدى أبرز الشخصيات المؤهلة في حزب العدالة والتنمية والأقرب إلى الديمقراطية السائدة في الغرب، بمثابة منعطف أدارت تركيا بعده ظهرها للغرب ومضت في الاتجاه المعاكس.

وقد تجلت العلامة الأولى على هذا التحول الجذري في خطاب ألقاه أردوغان يوم السادس من مايو من العام 2016، حين خاطب أوروبا واتهمها بدعم الإرهاب وشكر داوود أوغلو على خدماته، لكنه أشار ضمنا إلى أنه سيتم تغييره قريبا.

وفي ذلك اليوم، أبلغ أردوغان الاتحاد الأوروبي أن تركيا والقارة ستفترقان لتمضي كل منهما في سبيلها. وبعد مرور يومين، نبذ أردوغان العمل الذي قام به داوود أوغلو بخصوص تأشيرة دخول الاتحاد الأوروبي.

أصبح رئيس الوزراء السابق شخصية منعزلة عقب استقالته، وبعد فترة ليست طويلة، تحديدا بعد مرور شهرين وعشرة أيام، واجهت تركيا محاولة الانقلاب العسكري في العام 2016.

وفي أعقاب إحباط محاولة الانقلاب، تم دفع قاعدة ناخبي حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى حالة من التيقظ والحذر لا مبرر لها.

فعلى الرغم من الحيلولة دون ذلك الانقلاب، دُعي الناس إلى النزول للشوارع في مسعى لمنع ما وصفها المسؤولون بعمليات تمرد جديدة وخلايا إرهابية نائمة.

وأشارت الحكومة مرارا إلى الولايات المتحدة باعتبارها المسؤولة عن تنفيذ محاولة الانقلاب الفاشلة، ووقعت دول أوروبية أيضا في مهب الريح التركية في إطار "الحرب بين الهلال والصليب" التي دُقت طبولها.

وقد افتُعلت أزمات مصطنعة مع ألمانيا وهولندا ضمن هذه الخطة.

فعلى سبيل المثال، اعتبرت تركيا أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي.آي.إيه) وجماعة دينية تتهمها بأنها أداتها، وهي حركة غولن، تقفان وراء التفجير الذي نفذه تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بملهى رينا الليلي في إسطنبول في شهر يناير من العام 2017.

وهكذا، تم بناء جدار مناهض للغرب في جميع أنحاء البلاد.

ما الدافع إذن وراء هذه العملية، التي أجبرت داوود أوغلو على الاستقالة ودفعت حزب العدالة والتنمية إلى السير في الاتجاه المعاكس لمبادئه ودوافعه الأولى؟

على كل من يسعى للإجابة عن هذا السؤال أن يرجع بذاكرته إلى ما قبل الأول من مايو 2016 بشهر وعشرة أيام.

ثمة حقيقة كشف عنها اعتقال رضا ضراب، الذي تبعه حقان عطا الله المسؤول التنفيذي السابق ببنك خلق التركي الذي تديره الدولة، وكلاهما اتهم بالاشتراك في مخطط لانتهاك العقوبات المفروضة على إيران.

أسس ضراب وشريكه الإيراني بابك زنجاني، بجانب عدد من الوزراء الأتراك الذين تورطوا فيما عُرف بقضية فساد 17-25 ديسمبر، نظاما تجاريا يتفادى العقوبات الأميركية المفروضة على إيران.

لم تكن الصفقات التجارية التي أجروها تنتهك الاتفاقيات الدولية فحسب، بل كانت غير قانونية أيضا بمقتضى القوانين التركية والإيرانية.

ما نعرفه عن زنجاني وأولئك المشاركين من الجانب التركي في العملية يشير إلى جريمة تجاوز مرتكبوها حماية المصالح التركية والإيرانية في مواجهة الولايات المتحدة لتسهيل تحقيق مكاسب شخصية وجني مبالغ مالية كبيرة.

كان هناك جانبان في هذه القضية يشغلان الرأي العام التركي.

أولا، أن دائرة صغيرة من الأفراد تحت إشراف أردوغان أجروا معاملات تجارية غير رسمية مع إيران، وبذلك ملؤوا جيوبهم بمبالغ كبيرة من المال.

ثانيا، أن تورط البلاد في انتهاك خطير للعقوبات الأميركية يشير إلى أن تركيا ستواجه غرامات مالية وعمليات حظر وتضييق في الأيام التالية.

وقد ورد ذكر الجانب الأول في إشعار مجموعة البجع في العام 2016، الذي اتهم فيه داوود أوغلو، واعتبرت رغبة رئيس الوزراء السابق في محاكمة الوزراء المذكورين أمام المحكمة العليا نوعا من الخيانة.

أما الجانب الثاني فكان أكثر غرابة بعض الشيء.

فعلى أقل تقدير، كان من المفترض أن تنطوي القضايا التي حوكم فيها عطا الله وضراب على فرض غرامات على تركيا. غير أن الولايات المتحدة لم تتخذ خطوات تجاه ذلك، وتقريبا تم تنحية القضية جانبا. فكيف حدث ذلك؟ ولماذا؟

الإجابة الأرجح على هذا السؤال تكمن في الفوضى التي تتفشى في سوريا.

فقوة نفوذ تركيا في ظل تفشي الفوضى في المنطقة منعت الولايات المتحدة من مواجهتها، ومن ثم أُرجئت المواجهة بين أنقرة وواشنطن.

وقد تجلى ذلك أيضا في موقف الولايات المتحدة عقب شراء تركيا منظومة الصواريخ الروسية إس-400.

ذلك أن العقوبات الأميركية لم تتجاوز استبعاد تركيا من برنامج الطائرات المقاتلة إف-35، وتوقفت عند هذا الحد. ويرجع ذلك إلى مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في هذا الشأن.

ولربما نرى ذلك، في الوقت الراهن، انتصارا لأردوغان. ففي النهاية، جرى التستر على الفساد وتمت الحيلولة فعليا دون نفاذ العقوبات الأميركية من خلال مخطط ثبت اختراقه للعقوبات.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الصورة ليست واضحة أمامنا.

يرى المحللون أن تركيا معزولة ومحصورة في سوريا، التي ترسخت فيها الهيمنة الروسية بمنأى عن الولايات المتحدة.

ويستعد النظام السوري لتطهير آخر معاقل مقاتلي المعارضة في البلاد، وهو محافظة إدلب الواقعة في الشمال الغربي، من الجماعات المسلحة التي تدعم تركيا الكثير منها. هذا يعني أن آلاف المسلحين الخطرين سيتدفقون على تركيا إلى جانب مليون لاجئ فروا من المنطقة.

وعلى الرغم من أن أردوغان ربما يرسم صورة تظهر حوارا مع روسيا وإيران، إلا أنه اضطر لالتزام الصمت في مواجهة تصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني خلال قمة في أنقرة في وقت سابق هذا الشهر، والتي قال فيها إن تركيا "دعمت الإرهابيين".

كان الإجراء الوحيد الذي يمكن لأردوغان أن يلجأ إليه هو تهديد أوروبا "بفتح البوابات" أمام ملايين اللاجئين الذين تستضيفهم تركيا.

يبدو أن قطار تركيا التي كان يحميها الغرب قد غادر منذ فترة طويلة، ومن الواضح أن هذه القاطرة لا تنوي العودة حتى يترك أردوغان السلطة.

لقد حان الآن وقت التقدم بموجة استقالات من حزب العدالة والتنمية والحديث عن تأسيس حركات سياسية جديدة تستقي مبادئها من المبادئ الأولى للحزب الحاكم.

باختصار، يمكن القول إن الزمام ينفلت سريعا من يدي أردوغان.

فالملفات تخرج من كل حدب وصوب عقب هزيمة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية التي أجريت في شهر مارس، وتشير إلى فساد مستشر وشبكة ممنهجة من الإنفاق المسرف.

كل هذه التطورات الأخيرة تشير إلى دلائل على الدخول في مسار خاطئ، إذ يفضي مكر الإسلاميين المعتاد إلى النكبة والتآكل الاجتماعي ومشاكل مزمنة وغيرها.

وسط كل ما تواجهه تركيا من مشكلات كان من المفترض أن يتوقعها أردوغان نفسه - وإن لم يكن إلى هذا الحد – في ظل غرق دائرته المتزايد في المستنقع، يبقى السؤال هو:

أي شيء آخر يستعد أردوغان للمجازفة به من أجل حماية نفسه؟

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/justice-and-development-party/turkeys-drift-west-began-exclusion-davutoglu
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.