تركيا تبتعد عن منظومة القيم الغربية في السياسة والقانون والاقتصاد

أحاول أن أفهم المعجبين بروسيا والصين في تركيا، وأرى أن هؤلاء السادة، انطلاقا من الاعتبارات الموروثة  ومصالحهم الشخصية والفئوية، لا يريدون لتركيا أن تكون دولة أكثر  حرية ومنافسة وثراء وأمنًا.

إنّ تركيا دولة غريبة فعلاً، فإنك ترى أناسًا يتلقفون كلامًا جزافًا ويظلّون يتغنَّوْن به إذا كانت إيحاءاته السياسية تصبّ في مصلحة جهات معينة، ولو خلا هذا الكلام من أي أساس نظري أو تجريبي أو أي نوع من الحقيقة.
يمكن أن نصوّر هذه الحالة من خلال المثل الدارج: "مجنون يرمي حجرًا في بئر، ويعجز عن إخراجه ألف حكيم!" 
 أعتقد أن عبارة "مركز ثقل الاقتصاد العالمي ينتقل إلى الشرق ويتحول إلى الصين" تأتي في مقدمة تلك العبارات الخاطئة، رغم أنها مخالفة للواقع ومستحيل وقوعها في المستقبل المنظور.  
في البداية أريد أن أقف عند أسباب انتشار هذه العبارة الخاطئة للغاية، المسوقة لغرض محدد، لدى أوساط معينة بذاتها، قبل أن أدلي بدلوي لسرد الأدلة التي تثبت خطأ مضمونها على المستويين النظري والتجريبي.  
لقد قام كلٌّ من المعسكرين الغربي (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) والشرقي (الصين وروسيا) على قيم ومعايير مختلفة تمامًا.
ومع أن تركيا لم يكن لها تقارب تاريخي كبير مع أيٍّ من المعسكرين، غير أنها اختارت الاتجاه الصحيح، بحسب رأيي، عندما حددت منظومتها القيمية في بداية القرن العشرين، وأخذت موقعها في المعسكر الذي يعلي من شأن الحقوق والحريات، كحرية التعبير، والحق في الاجتماعات والمظاهرات، وحقوق الملكية والعلمانية والديمقراطية وغيرها، وإن كانت عملية الانضمام لهذا المعسكر مؤلمة وصعبة للغاية، ومغايرة لواقع الحال الذي كانت عليه بلادنا حينها، وإن بدأنا في الآونة الأخيرة نراوح في مكاننا نتقدم خطوة ونتراجع خطوات.
لكن في تركيا فئة لا يمكن الاستهانة بعددهم منزعجون جداً من هذا الاتجاه؛ فهم مستاؤون من حرية التعبير، واقتصاد السوق، وحقوق الملكية، وغايتهم الأساسية هي الاستئثار بالريع أو القوة المالية والسياسية في البلاد. يرغبون في تغيير اتجاه تركيا الذي يسير فيه منذ نحو قرن. لكنّ الطامة أن الوجهة الجديدة التي يقترحونها هي المحور المكوّن من "روسيا" التي تعتقل ألف شخص لمشاركتهم في تظاهرة معارضة، و"الصين: التي يختم الكتاب الحاصلون على جوائز نوبل حياتهم في سجونها.
لذا فالمشكلة الأساسية التي نواجهها اليوم تتمثل في السؤال التالي: أي الفئتين أو المحورين سيخرج في الفترة القادمة منتصرًا من هذا الصراع أو التجاذب يا ترى؟ وما أزمة صواريخ S-400 الروسية إلا واحدة من تجليات هذا الصراع.
والآن لننتقل إلى خطأ واستحالة مقولة "الثقل الاقتصادي في العالم ينتقل إلى الشرق"، المقولة التي يلهث وراءها ويردّدها هؤلاء الساعون إلى كسب القوة المالية والسياسية في تركيا بصفة خاصة والعالم بصفة عامة.
عصرنا هو عصر اقتصاد المعرفة، أي أن المعرفة كعامل للإنتاج تقدمت بكثير على كل من رأس المال والعمالة. وذلك بسبب أن المعرفة لا تخضع لقانون الغلة المتناقصة أو كما يسمى أحياناً قانون النسب المتغيرة في وظائف الإنتاج. بمعنى آخر، إذا أضفتم مزيدا من رأس المال أو العمالة ‏إلى عملية الإنتاج فإن الإنتاج يتزايد بشكل متناقص، بينما إذا أضفتم مزيدًا من المعرفة إلى عملية الإنتاج فإن الإنتاج يزداد بشكل متزايد. أي قانون الغلة المتناقصة لا يزال ينطبق على رأس المال والعمالة، لكنه لا ينطبق على المعرفة.
وهذا يعني أن مجموعة الدول التي احتلت جامعاتُها المراكز الأولى في قائمة أفضل جامعات العالم لعام 2019 ستصبح أنجح الدول في مجال الاقتصاد في القرن الحادي والعشرين أيضًا. وهذه الدول ستتقدم على الدول الأخرى بقدر تفوق جامعاتها على نظيراتها في ترتيب أفضل الجامعات؛ لأن محرك الاقتصاد هو المعرفة، والجامعات هي التي تنتج هذه المعرفة.
لدينا قوائم منشورة حديثًا لمركز التصنيف العالمي للجامعات (CWUR) تكشف أن الجامعات الأميركية والبريطانية تقدمت بكثير على مثيلاتها الصينية والروسية، سواء نظرتم إلى المئة الأولى أو الألف الأول في تلك القوائم. هناك جامعة يابانية واحدة فقط بين أفضل 20 جامعة على مستوى العالم، وهي في المرتبة الثالثة عشر بالقائمة، فيما تبوأت جامعتا كامبريدج وأكسفورد البريطانيتان المرتبة الرابعة والخامسة، أما بقية المراتب فأصبحت كلها من نصيب الجامعات الأميركية. 
وكذلك الوضع لا يختلف في أول خمسين أو مئة أو ألف جامعة، فالقائمة تضم ثلاث جامعات صينية فقط في المئة الأولى في المركز التاسع والخمسين والسبعين والسادس والتسعين. في حين فشلت أي جامعة روسية في الدخول بين أفضل مئة جامعة بالعالم، حيث جاءت جامعة روسية واحدة فقط في المركز الـ222. لكن لا بد أن نعترف بأن الصين تفوقت على روسيا في هذا الصدد. 
وإذا كانت هذه القائمة تقدِّم لنا صورة تقريبية عن سجل الدول من حيث جودة جامعاتها أو ‏إنتاجها للمعرفة، فإن الزعم بأن "مركز ثقل الاقتصاد ينتقل إلى الشرق" (الصين وروسيا) ليس إلا جهالة أو مجرد تمنٍّ. بحسب رأيي الشخصي، فإن هذه النظرة المضحكة تستند كليًا إلى مجرد التمني. أما أساس هذا التمني فهو على الأرجح نابع من عداوة وكراهية مرضية موروثة للقيم الغربية كالحرية. 
أما نفقات البحث والتطوير وحصتها في الدخل القومي، والتي تعتبر جزءًا مهمًّا للغاية من النمو الاقتصادي؛ فمع أن أداء الجامعات الصينية في هذا المجال أفضل قليلاً مقارنة بنظيراتها الروسية، لكن هذا لا يعطي الصين ميزة. 
المعطيات تشير إلى أن نفقات البحث والتطوير  للقطاع الخاص والعام في الولايات المتحدة لعام 2018 وصلت إلى 477 مليار دولار سنويًّا؛ في حين أن الإنفاق السنوي الصيني على البحث والتطوير بلغ 370 مليار دولار. أما روسيا فهي متأخرة للغاية في هذا المجال، حيث لم تتجاوز مصروفاتها الخاصة بالبحث والتطوير 40 مليار دولار.
بعد الولايات المتحدة والصين، تأتي اليابان (171 مليار دولار)، وألمانيا (110 مليارات دولار) في قائمة الدول الأكثر إنفاقًا في مجال البحث والتطوير، علمًا أنه ينبغي علينا أن نعتبر هاتين الدولتين ضمن المحور الغربي.
وعلى الرغم من أن الدخل القومي لإسرائيل ضئيل، وكذلك مصروفات البحث والتطوير في هذا الدخل القومي منخفضة، إلا أن نسبة هذا الإنفاق إلى الدخل القومي هي أعلى نسبة في نفقات البحث والتطوير بالعالم، حيث تصل إلى 4.2 في المائة، بحسب معطيات منظمة اليونسكو. ويجب علينا أن نضع هذه الحقيقة نصب أعيننا أيضًا.
لعلّ "الابتكار" هو التعبير الأكثر شعبية وتداولاً في السنوات الأخيرة. وتقوم المؤسسات العالمية بتعريف مفهوم الابتكار وقياسه اعتمادًا على سبعة عوامل، وهي:
1- الحجم المطلق والنسبي لنفقات البحث والتطوير.
2- إنتاج براءات الاختراع.
3 - عدد الشهادات الجامعية والدراسات العليا القائمة على البحث والتطوير.
4- القيمة المضافة الناتجة عن الصناعة التحويلية.
5- الكفاءة.
6- الكمية المطلقة وحصة منتجات التكنولوجيا الفائقة في الإنتاج والتصدير.
7- عدد الباحثين.
ويحدد نصيبُ كل دولة من هذه العوامل، الدولَ العشر الأولى الرائدة في مجال الابتكار أيضًا؛ وفيما يلي أسماء تلك الدول وفق مؤشر "بلومبرج" العالمي للابتكار:
1- كوريا الجنوبية
2- ألمانيا
3- فنلندا
4- سويسرا
5- إسرائيل
6- سنغافورة
7- السويد
8- الولايات المتحدة
9- اليابان
10- فرنسا
أما روسيا والصين فلم تستطع الدخول في صفوف أول عشر دول في مجال الابتكار. 
ولعل الترتيب الأكثر سلبية لمستقبل الاقتصادين الروسي والصيني هو أن هاتين الدولتين متأخرتان جدا في مجال سيادة القانون.
ومن المؤكد أن الدولة التي تحتل مراكز متأخرة في ترتيب سيادة القانون في القرن الحادي والعشرين ستتأخر أيضا في مجال الاقتصاد. ويجب على الجميع أن يرى ويدرك ذلك جيدا. 
في ضوء كل هذه البيانات والمقارنات العالمية، فإن الزعم بأن "محور اقتصاد العالم في القرن الحادي والعشرين سيتحول إلى الشرق"، وتحت قيادة الصين وروسيا، يتطلب شجاعة كبيرة فعلا.. الشجاعة الخاوية التي لا تستند إلى معطيات ومعلومات. لذا يتعين على المروجين لهذا الادعاء أن يبحثوا عن أناس آخرين لتنطلي عليهم خديعتهم! 
 لست متأكدًا مما إذا كان هؤلاء السادة الموالون لروسيا والصين سيفوزون بهذا الصراع أم لا، لكن هذا ليس أمرا مستحيلا. فهم يبذلون كل ما بوسعهم من أجل اختطاف تركيا من منظومة القيم الغربية في السياسة والقانون والاقتصاد، وضمّها إلى المحور الشرقي أو الأوراسي. وما بيدي من حيلة إلا الدعاء إلى الله تعالى أن يعيدهم إلى صوابهم ورشدهم. 
مع أن أيّا من الفوز أو الخسارة في مسعى هؤلاء ليس أمرًا مضمونًا أو مستحيلاً، إلا أنه في حالة فوز الجناح الأوراسي فإن تركيا ستواجه سلبيات كبيرة في كل المجالات.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/dunya-ekonomisinin-agirlik-merkezi-doguya-kayiyormus-guldurmesinler-bizi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.