تركيا تضع أهدافاً مستحيلة في البرنامج الاقتصادي لعام 2020

نشرت تركيا رسمياً البرنامج الاقتصادي الجديد الذي يهدف إلى تنشيط اقتصاد البلاد المتعثر.

ووقع الرئيس رجب طيب أردوغان اسمه على برنامج من المفترض أن يعيد الاقتصاد إلى المسار الصحيح بعد عامين من الصعوبات، لكن الفحص الدقيق للخطة يكشف عن تناقضات داخلية وأهداف غير متسقة وحلول سطحية لمشكلات خطيرة.

وأعلن وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق، صهر الرئيس، عن البرنامج وأهدافه 2020-2022 في 30 سبتمبر، ووضع هدف نمو بنسبة خمسة في المئة لكل عام من تلك الأعوام.

ولكن في ظل انخفاض الطلب المحلي والاستهلاك والاستثمار خلال الأرباع الثلاثة الماضية من العام، ثمة تساؤلات بشأن كيف يأمل البيرق في تحويل مسار الاقتصاد فجأة.

بالنسبة لأردوغان، لا يبدو أن أياً من هذه القضايا يحظى بأي أهمية على الإطلاق. فقد رسمت تعليقات الرئيس على الاقتصاد هذا الأسبوع صورة وردية، تركز على انخفاض معدلات التضخم وفائض الحساب الجاري، قائلاً إن هذا حدث بفضل سياسته المتمثلة في تخفيض أسعار الفائدة.

وقال أردوغان إن هذا هو سبب ضرورة إقالة محافظ البنك المركزي السابق مراد تشيتن كايا في يوليو. وقال أردوغان عن تشيتن كايا، الذي قاوم مطالب الحكومة خفض أسعار الفائدة بمقدار 300 نقطة أساس، "لم يكن يسمع فحسب".

وبعد استبدال تشيتن كايا بمحافظ أكثر مرونة، سيطرت كراهية أردوغان المعروفة للفائدة بشكل كبير على البنك المركزي، الذي خفض أسعار الفائدة من 24 في المئة إلى 14 في المئة في ثلاثة أشهر. كما أعلنت الحكومة عن أرقام مثيرة للإعجاب للتضخم، الذي انخفض إلى 8.5 في المئة في شهرين.

لكن أرقام الائتمان تخلفت عن الركب، وفقاً للأرقام الصادرة عن هيئة تنظيم البنوك في تركيا والتي أظهرت انخفاضاً بنسبة 2.1 في المئة في الائتمان منذ العام الماضي. وهوت المبالغ التي حصلت عليها الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تقود الإنتاج في تركيا، بنسبة 8.5 في المئة.

وفي الوقت نفسه، زادت القروض المتعثرة إذ سجلت هيئة تنظيم البنوك قروضاً متعثرة بنسبة 3.2 في المئة من إجمالي القروض في نهاية سبتمبر، وفي نفس الوقت من هذا العام وصلت إلى خمسة في المئة، وبلغت القروض المتعثرة من الشركات الصغيرة والمتوسطة 9.2 في المئة. وقد أفلست بعض الشركات في البلاد أو تبحث عن حماية من الإفلاس.

وتصطف الشركات الكبرى غير القادرة على سداد قروضها لإبرام اتفاقات مع البنوك لإعادة هيكلة الديون. وينضم الآن إلى القائمة مطار إسطنبول الكبير، وهو اتحاد من خمس شركات إنشاءات لها صلات وثيقة بأردوغان تتولى مسؤولية مشروع المطار الجديد الضخم في المدينة. وقام الكونسورتيوم باختيار مجموعة دوم ومقرها لندن لمساعدته في إعادة هيكلة ديون بقيمة خمسة مليارات يورو.

وبمعنى آخر، انخفضت أسعار الفائدة، لكن لا يزال الناس غير مستعدين للحصول على قروض كما أن البنوك غير مستعدة لتقديم القروض.

علاوة على ذلك، تتقبل الحكومة نفسها فكرة أن معدلات التضخم لن تبقى رقماً في خانة الآحاد، وقد حددت هدفاً بنسبة 12.6 في المئة بحلول نهاية العام. وتوقع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أن يبلغ معدل التضخم 15 في المئة بحلول نهاية العام.

لكن حكومة أردوغان اتخذت قرارها بتحديد الزيادات في الأجور ليس بناء على معدل التضخم الفعلي، ولكن بناءً على أهدافها. وهكذا، سيحصل ملايين الموظفين المدنيين في عام 2020 على زيادة في الرواتب بنسبة أربعة في المئة، في حين سيحصل موظفون حكوميون آخرون على نسبة ثمانية في المئة.

وفي الوقت نفسه، ربط البرنامج الاقتصادي الجديد الضرائب والرسوم بالتضخم، وحدد الحد الأدنى للزيادة في المستحقات العامة بنسبة 22.58 في المئة.

لكن التناقض الحقيقي في البرنامج يأتي في تفسيره لإمكانية تحفيز نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة خمسة في المئة في عام 2020 من خلال عودة "الاستهلاك والاستثمار المؤجلين، لا سيما من الطلب المحلي".

وبعبارة أخرى، يتوقع البرنامج أن يبدأ ملايين العمال الذين تراجعت أجورهم عن نسب التضخم، ناهيك عن ملايين الأشخاص الذين يعملون في وظائف محفوفة بالمخاطر أو العاطلين عن العمل، فجأة في إنفاق الأموال في عام 2020، بعد أن اضطروا إلى خفض الإنفاق هذا العام.

ومن المتوقع أن تزيد مدخرات نفس العمال بنسبة 0.6 في المئة مع زيادة استهلاكهم. وفي حين أن القطاع الخاص لا يزال غير قادر على سداد ديونه، فمن المتوقع أيضاً أن يزيد الاستثمار بنسبة 25.3 في المئة.

وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن يتقلص الاستهلاك العام والإنفاق الاستثماري وهو دائماً الجزء الأكثر أهمية في النمو في أي فترة. ولن تتمكن المؤسسات العامة من الاستثمار إلا باستخدام أموال من مصادر خارجية.

وتعتبر خطة الحكومة ان الأسر ذات الدخل المنخفض التي بقيت أجورها الحقيقية مستقرة ستبدأ في الادخار، مما يخلق مصدراً نقدياً ضخماً يُستخدم في صورة ائتمان رخيص. سيؤدي ذلك إلى ازدهار الاستثمار في القطاع الخاص، وفي نهاية المطاف ستحقق تركيا نمواً بنسبة خمسة في المئة.

هذا هو البرنامج الذي وقعه أردوغان ونُشر في الجريدة الرسمية.

لكن الأرقام الواردة في البرنامج السنوي لأصول والتزامات القطاع الخاص هي في حد ذاتها نقض للبرنامج.

ويضع البرنامج أصول شركات القطاع غير المالي عند 120.4 مليار دولار، وتبلغ التزاماتها 304.4 مليار دولار.

وهذا يعني أن القطاع المتوقع أن تزيد استثماراته بمقدار الربع سيحتاج أولاً إلى العثور على مصادر ائتمانية جديدة لسد عجز بقيمة 184 مليار دولار.

يبقى سؤال واحد: في غضون ثلاثة أشهر، عندما ينهار هذا النموذج الاقتصادي الجديد، ما الأعذار التي سيجدها أولئك الذين أقنعوا أردوغان بالتوقيع على فشلهم؟

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/new-economic-programme/turkey-sets-impossible-targets-2020-economic-programme
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.