أحوال تركية
سبتمبر 09 2019

تركيا تدفع ثمن عنجهية أردوغان وعناده

أنقرة – تسبّب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لبلاده بعدد من الانتكاسات والخيبات، وذلك بعناده وعنجهيته وغروره ومسعاه الدائم على التعاطي بشعبوية مع القضايا المصيرية التي تؤثّر على البلاد من مختلف النواحي.

ويلفت معارضون أتراك أنّ قاموس أردوغان يخلو ممّا يمكن أن يوصف بالواقعية السياسية، بل تراه يلجأ إلى الشعبوية لتصدير شعاراته، وتهديداته، ووعوده، وأوهامه وأحلامه، من دون أن يكون قادراً على تنفيذها، ضمن الحدّ الأدنى.

ويتبدى أردوغان كمَن يهدّد جواره الإقليمي، وشركاءه الدوليين، بالانقلاب على التحالفات، وأنّه لا يكترث للخسائر المحتملة، وأنّه قادر على المقامرة بحاضر تركيا ومستقبلها، مستقوياً بعنجهيته التي تعمي البصيرة، ولا تفسح أي مجال للتدبر والتفهّم، بحسب محللين للشؤون التركية.

وما تزال تركيا تعاني وتئنّ تحت وطأة الضغوط الاقتصادية التي تسبّب بها أردوغان، وساهم بمضاعفتها وتضخيمها من خلال الهروب إلى الأمام، وعدم الاعتراف بالواقع، والارتكان لنظريات المؤامرة التي بات يكرّرها بشكل شبه يومي، كأنّها أصبحت تعويذته لطرد هواجسه ومخاوفه المتفاقمة.

لم يمتلك أردوغان الجرأة على الاعتراف بخطئه في معالجة المشاكل الاقتصادية، والانهيار المتواصل لليرة منذ أكثر من عام ونصف العام، بل على العكس من ذلك، تشبّث بآرائه البعيدة عن المنطق والموضوعية، واتّهم المتواطئين والمتآمرين على بلاده، والقوى الخارجية التي لا تريد الخير لها، بالإرهاب الاقتصادي، كي يحيل الأزمة إلى غير موضعها ويتّهم بها آخرين.

وكانت محاولة ترقيع الخطأ بخطأ آخر، من خلال تعيين صهره بيرات البيرق وزيراً للخزانة والمالية، وهو الذي زاد من مخاوف المستثمرين الذي هربوا من الأسواق التركية، أو تعاملوا معها بحذر شديد، جراء القلاقل التي أثيرت، ومعالجات البيرق غير الواقعية وغير العلمية كذلك للأزمة الاقتصادية، والتضخم والعجز في الاقتصاد.

وكانت الخطوة الكارثية التي هزّت السوق التركية وزعزعت ثقة المستثمرين أكثر وأكثر بالاقتصاد التركي، إقالة أردوغان لمحافظ البنك المركزي مراد جتين قايا، في يوليو، وتعيين مراد أويصال المقرب منه، وذي السمعة الملوثة في أوساط الاقتصاديين، بدلاً عنه، ما أفقد البنك المركزي استقلاليته، وجعله رهينة لإملاءات أردوغان ورغباته غير المتوافقة مع منطق الاقتصاد العلمي.  

وانعكست العنجهية الشخصية لأردوغان على حزب العدالة التنمية كذلك، وساهمت في البدء بتفكيكه، ولاسيما بعد خسارته في الانتخابات المحلية التي أجريت في مارس الماضي، وخسر فيها سبع بلديات من كبريات البلديات في البلاد، بينها إسطنبول وأنقرة وإزمير، ومن ثم بدأت سهام الانتقاد تتكاثر من رفاقه القدامى، وبخاصة رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو الذي حمّل أردوغان نتيجة الفشل السياسي والاقتصادي، والذي أعلن كذلك عن نيته تأسيس حزب سياسي جديد، ما دعا الأخير إلى إحالته إلى اللجنة التأديبية في الحزب لفصله فصلاً نهائياً.

وقدّم كذلك عدد من قادة حزب العدالة والتنمية استقالاتهم، وبدؤوا بتشكيل أحزاب سياسية من شأنها تهديد أردوغان وانتزاع قاعدته الشعبية وحاضنته الجماهيرية منه، ومن هؤلاء علي باباجان الذي قدّم استقالته لأردوغان، ويعمل على إطلاق حزبه السياسي المرتقب في وقت قريب، بالتحالف مع الرئيس السابق عبدالله غول.  

أردوغان الذي أصبح مشهوراً بعناده، قاد بلاده إلى مطبات سياسية، ليس آخرها إخراج تركيا من برنامج طائرة إف 35 الشبح المقاتلة، على خلفية إتمام صفقة شراء منظومة صواريخ إس400 الروسية، واستلام الأجزاء الأولى منها في الشهر الماضي، والتأكيد على إتمام الاستلام في أبريل المقبل، وإعلان النية في اقتناء طائرات سو 57 الروسية المقاتلة، كبديل عن إف35 الأميركية.

ومن جهة إكمال العنجهية بدأ مجدّداً بإطلاق تهديدات جديدة لدول الاتحاد الأوروبي، وبأنه سيقوم بفتح الأبواب أمام اللاجئين السوريين للعبور إليها، إذا لم تقم الدول الأوروبية بدعم تركيا ومساندتها وتلبية طلباتها فيما يتعلق بدعم اللاجئين، ودعم إنشاء منطقة آمنة على الحدود المشتركة مع سوريا بإدارة تركية، الأمر الذي ترفضه الولايات المتحدة، وتفاوض أنقرة عليه.

ويكون أحد مصادر عنجهية أردوغان استقاؤه المبالغة في تعظيم الذات من التاريخ، ومحاولة استلهامه صوراً من إنجازات الإمبراطورية العثمانية، والإيحاء من خلالها أنّه سليل تلك الإنجازات، ووارث الإمبراطورية وتاريخها وتراثها، وأنّه يحقّ له التباهي بتفوّقه الذي يكون وجهاً من وجوه العنصرية والفاشية.

ويلفت مراقبون إلى أنّ الغرور الذي يتّسم به أردوغان كفيل بزيادة الضغوطات على تركيا، وأنّ المواطنين الأتراك البسطاء يدفعون ثمن ذلك من قوت يومهم، وأنّ حياتهم تتأثر بشكل سلبي كبير بالتداعيات التي يخلفها هذا الغرور، والذي لا يتناسب مع المرونة السياسية التي يجب أن يتحلّى بها أيّ زعيم محبّ بلاده ومواطنيه.

إلى متى ستدفع تركيا أثمان أخطاء أردوغان وأكلاف عنجهيته وعناده؟ هل يرضى الأتراك بالانهيار الذي يقودهم أردوغان إليه؟ هل سيبقون ساكتين على إدخالهم في أزمات متتالية وتعريض اقتصادهم وحياتهم لخسائر متعاقبة؟  

هذا ما ستثبته الأيام القريبة القادمة التي تلوح ثقيلة على أردوغان وحزبه المتهاوي..