تركيا تفتعل التوتر مع اليونان للتغطية على مشاكلها الاقتصادية

يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى تأجيج مواجهة سياسية مع خصم تركيا التاريخي، وهي اليونان، للتغطية على المتاعب الاقتصادية في الداخل، والتي تهدد بتقويض شعبيته.

وأظهرت بيانات الإنتاج الصناعي لشهر أبريل، التي نشرت يوم الجمعة، أن الإنتاج في الاقتصاد تراجع بنسبة قياسية بلغت 31 بالمئة على أساس سنوي. وقال المعهد الإحصائي للبلاد إن مبيعات التجزئة تراجعت بنسبة 33 بالمئة باستثناء المواد الأساسية مثل الغذاء والوقود.

وتسعى حكومة أردوغان إلى تجنيب قاعدة الناخبين من أسوأ تداعيات جائحة كورونا التي اندلعت في البلاد في منتصف مارس. وقامت حكومته بصرف قروض رخيصة عبر البنوك الحكومية وأطلقت تعهدات إنقاذ اقتصادية بقيمة 250 مليار ليرة (37 مليار دولار). ولكن، كما هو الحال في العديد من الدول الأخرى، لم تكن التدابير كافية لمنع الانكماش الاقتصادي المؤلم.

وقال تيم آش، مراقب تركيا المخضرم وكبير محللي الأسواق الناشئة في "بلوباي أسيت مانجمنت" في لندن، "مع الصعوبات الاقتصادية التي تشهدها البلاد الآن، يحتاج أردوغان إلى القيام بأمر مذهل".

ومن ثم، قد تقدم اليونان، التي احتلت أجزاء من تركيا قبل تأسيس الجمهورية التركية في عام 1923، لأردوغان وسيلة مثالية لإلهاء قاعدة الناخبين دون تكبد تكلفة سياسية أو مالية كبيرة. وقد تم بالفعل إرساء أسس تصعيد التوترات الدبلوماسية.

ففي أواخر مارس، أعلنت تركيا أنها ستسمح للاجئين إلى تركيا بالعبور عبر حدودها الشمالية الغربية إلى اليونان. ونقل الآلاف من المهاجرين إلى المنطقة، وقيل إن الشرطة التركية شجعت بعضهم على العبور إلى الأراضي اليونانية ورمي الحجارة والقنابل الحارقة على شرطة الحدود اليونانية. أثار القرار حربًا كلامية مع أثينا ودفع السياسيين في بروكسل إلى الدخول في وضع الأزمة.

كما زُرعت بذور مزيد من التوترات السياسية بين أنقرة وأثينا بإعلان تركيا الأسبوع الماضي أنها ستنقب عن الغاز الطبيعي والنفط في البحر الأبيض المتوسط. ونشرت الحكومة خريطة توضح مناطق الاستكشاف المقترحة المحيطة بقبرص - وهي إدارة معترف بها دوليًا للقبارصة اليونانيين تحكم جنوب الجزيرة المقسمة - وتمتد حول عدة جزر يونانية إلى ليبيا، حيث وقعت تركيا معها اتفاقية بحرية مثيرة للجدل في ديسمبر.

وفي هذه الأثناء، زاد أردوغان من التوترات مع الحكومة اليونانية في الأسابيع القليلة الماضية من خلال الحديث عن إعادة فتح آيا صوفيا في اسطنبول، وهي الكاتدرائية اليونانية التاريخية التي تحولت من كونها متحفاً للتراث العالمي، إلى دار عبادة إسلامي. وبحسب ما ورد كلف أردوغان المسؤولين في حزب العدالة والتنمية الحاكم بإعداد خطط محتملة لتحويله إلى مسجد قبل صدور قرار المحكمة في أوائل يوليو.

لطالما طالب العديد من أنصار أردوغان الإسلاميين بتحويل "آيا صوفيا"، التي تقع على الجانب الآخر من المسجد الأزرق في حي السلطان أحمد التاريخي في اسطنبول، إلى مسجد. وفي 29 مايو، قام مسؤولو مديرية الشؤون الدينية في تركيا، التي تتلقى أموالاً من الدولة أكثر من أي مؤسسة أو وزارة عامة أخرى، بتلاوة نص إسلامي في "آيا صوفيا" احتفالاً بعيد الفتح في اسطنبول. وردت اليونان، واصفة الاحتفال بأنه "محاولة غير مقبولة لتغيير تسمية الموقع كنصب تذكاري".

وانعكست التوترات السياسية المتزايدة مع اليونان في تصريحات أدلى بها وزيرا الدفاع في البلاد. تحدث الاثنان عن القيام ببعض العمليات العسكرية ضد الطرف الآخر في حالة تصعيد الأمور. ونشرت إحدى المطبوعات اليونانية استطلاعًا قال فيه إن 53 بالمئة من البلاد ستدعم الرد العسكري إذا تخطت تركيا الأراضي اليونانية في بحر إيجه. وفي غضون ذلك، أبلغت اليونان عن زيادة في انتهاكات مجالها الجوي فوق بحر إيجة من قبل الطائرات العسكرية التركية.

يمكن أن يسعى أردوغان أيضًا إلى تشتيت انتباه شعبه بعيدًا عن الاقتصاد من خلال إرسال المزيد من القوات إلى سوريا المجاورة لمحاربة الجماعات الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش.

وقد تزيد تركيا أيضًا من وجودها العسكري في الجيب الأخير للمتمردين في إدلب، حيث يقاتل متشددون إسلاميون جيش الرئيس السوري بشار الأسد، الذي تدعمه روسيا. شنت تركيا غزوًا أرضيًا في شمال شرق البلاد في أكتوبر من العام الماضي، مما أثار أزمة دبلوماسية مع واشنطن. ولا تزال تركيا تحتفظ بعدة آلاف من الجنود في إدلب، مما يثير غضب روسيا.

وفي ليبيا، يمكن لأردوغان زيادة إمداد المعدات العسكرية والخبرة للحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة في طرابلس في معركتها مع القوات الموالية لإدارة المعارضة في شرق البلاد بقيادة المشير خليفة حفتر وبدعم من روسيا ومصر والولايات المتحدة والامارات.

وقد أرسلت روسيا بالفعل أحدث طائراتها المقاتلة من طراز "إم آي جي 29" لدعم حفتر وهو يخسر أرضًا في الحرب. وبحسب ما ورد بدأت مصر حشد قواتها العسكرية على حدودها الغربية مع ليبيا.

وفي حين تقدم ليبيا وسوريا فرصًا لأردوغان لإظهار قوته السياسية للناخبين والتعتيم على المشاكل في الداخل، فإن كليهما قد ينطوي على تكاليف عسكرية وسياسية ومالية كبيرة في وقت يتسع فيه عجز الميزانية التركي بشكل مثير للقلق وتتداول الليرة بالقرب من أدنى مستويات قياسية. كما أن تأييد الشعب التركي لتكثيف التدخل التركي في أي من الدولتين، لا يزال أمرٌ مشكوكاً فيه.

قد يبدو الخيار اليوناني، والنزاع حول آيا صوفيا على وجه الخصوص، لأردوغان كمقترح أكثر جاذبية بكثير حيث يمكنه إثارة الشعور القومي والديني مقابل تكلفة قليلة، لا سيما وأن الرئيس التركي مشهور ببلاغة خطاباته ومواقفه.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-greece/turkey-may-ratchet-tensions-greece-economic-woes-intensify
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.