تركيا تحاول اللحاق بالركب في القوقاز بدعم أذربيجان

عندما اندلع أعنف قتال منذ سنوات بين أرمينيا وأذربيجان على طول الحدود في وقت سابق من هذا الشهر، مما أسفر عن مقتل 18 شخصًا على الأقل، شجب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أرمينيا بسرعة وعبر عن دعم بلاده لأذربيجان.

وبالنسبة لريتشارد جيراجوسيان، المدير المؤسس لمركز الدراسات الإقليمية ومقره يريفان بأرمينيا، كان هذا أكثر من مجرد وقوف إلى جانب صديق. لطالما كانت تركيا، الحليف الرئيسي لأذربيجان، ذات الأغلبية المسلمة التركية، مورد الأسلحة الرئيسي لباكو، لكنها فقدت موقفها هذا في السنوات الأخيرة أمام منافستها الإقليمية روسيا.

يرى جيراجوسيان أن إحباط أنقرة بسبب تراجع دورها في أذربيجان، إلى جانب وضعها الاقتصادي المتردي، هو الذي يقود دعمها للعدوان الأذربيجاني. ولكن في الواقع، وبعد أيام من حديث أردوغان، قال مدير صناعة الدفاع التركية إن تركيا مستعدة لتحديث الجيش الأذربيجاني.

وقال جيراجوسيان لأحوال تركية مشيراً إلى اعتراضه على تحركات أنقرة الأكثر عدوانية في سوريا وليبيا وشرق البحر الأبيض المتوسط "يبدو أن تركيا تحاول اللحاق بالركب، من خلال استخدام التصعيد في محاولة لاستعادة دورها كراعٍ عسكري لأذربيجان، وطرد روسيا. تبدي تركيا ردة فعل لكنها ليست استباقية، وتحاول الآن استغلال الفرصة".

يقاتل جيران جنوب القوقاز منذ عقود على منطقة ناغورنو كاراباك المتنازع عليها، والمعترف بها دوليًا كجزء من أذربيجان ولكن تحت إشراف جمهورية أرتساخ، وهي دولة مستقلة ذات أغلبية أرمينية.

وفي 12 يوليو، ورد أن القوات الأذربيجانية حاولت الاستيلاء على تل استراتيجي في مقاطعة تاووش، حيث تمركزت القوات الأرمينية. تصاعدت المناوشات عبر الحدود، بما في ذلك غارات بطائرات ذاتية القيادة ونيران الدبابات، مما أدى إلى مقتل عدد قليل من القوات على الجانبين، بما في ذلك آخر جندي أرمني يوم الاثنين.

وألقى الجانبان باللوم على بعضهما البعض في اندلاع أعمال العنف على الحدود. وبالنسبة لجيراجوسيان، فإن اندلاع العنف متوقع تقريبًا في هذا الوقت من العام.  والجدير بالذكر هو مكان حدوثه، على بعد 300 كيلومتر من ناغورنو كاراباك، المصدر الرئيسي للتوترات. وقال جيراجوسيان "ما يمثله هذا هو تصعيد في اتجاه جديد مثير للقلق".

ويبدو أن القضايا السياسية المحلية، التي تشعر بالإحباط بشكل رئيسي من عدم إحراز تقدم في محادثات سلام ناغورنو كاراباك والجيل الناشئ من المسؤولين الذين يسعون إلى ترك بصمتهم العسكرية، قد دفعت باكو إلى اتخاذ موقف أكثر عدوانية وخطورة.

يقول جيراجوسيان "أنا لست قلقا بشأن إعلان رسمي عن الحرب الصريحة. لكنني أشعر بقلق أكبر بشأن اندلاع الحرب عن طريق الصدفة على أساس رد الفعل المفرط وسوء التقدير. تتخلى أذربيجان بشكل متزايد عن الدبلوماسية وتلجأ إلى قوة السلاح".

كما يبدو أن تركيا قد تبنت هذا الموقف الأكثر تشددًا. وألقى وزير الدفاع التركي، خلوصي آكار، باللوم على أرمينيا في الاشتباكات الحدودية الأسبوع الماضي ووصف تركيا وأذربيجان كدولة واحدة. وقال آكار "إن ألم الأتراك الأذربيجانيين هو ألمنا. هذه محاولة أكبر مما يستطيع الأرمن التعامل معها. وسوف يدفعون مقابل ذلك".

رأى جيراجوسيان مثل هذا الحديث المتشدد كجزء من تحول إقليمي أوسع في السنوات القليلة الماضية. وقال "في هذه المنطقة، بما في ذلك تركيا، استبدلت الأصوات المعتدلة بمزيد من المواقف المتشددة ولسوء الحظ عادت القومية كذلك ليتردد صداها من جديد. يحدث كل هذا الآن في أزمة كورونا هذه، لا يمكن أن يحدث في وقت أسوأ".

دفعت الآراء القومية الأذريين والأرمن في جميع أنحاء العالم إلى الاشتباك في الأسبوعين الماضيين. تحول احتجاج أذربيجاني خارج السفارة الأرمنية في لندن إلى العنف بعد وصول المتظاهرين الأرمن. وبعد بضعة أيام، أدى احتجاج أرميني في القنصلية الأذربيجانية في لوس أنجلوس إلى اندلاع اشتباكات وأُحرق مقهى أرميني في كييف، حيث قال الأذربيجانيون إنها كانت هديتهم للأرمن.

وفي نهاية الأسبوع الماضي أوقف الأذريون مجموعة من الأرمن الذين يرقصون رقصة قومية في ساحة هارفارد في بوسطن، بينما في موسكو، تم القبض على عشرات الأرمن والأذريين بعد نشوب معارك بينهم في الشوارع.

وقال جيراجوسيان "إن هذا النوع من العداوة التي تحركها الأعراق هو علامة مزعجة ومحبطة للغاية"، مضيفًا أن هذه التوترات الأخيرة لم تكن حول منطقة متنازع عليها بل دولة مقابل دولة. 

وسعى أردوغان للاستفادة من الحملات العسكرية في سوريا وليبيا والاعتداءات التركية في شرق البحر الأبيض المتوسط باعتبارها حملات سياسية قومية، ويتطلع من خلالها إلى تعزيز حزب العدالة والتنمية الحاكم خلال أزمة اقتصادية حادة بعد هزائم سياسية العام الماضي.

ويأمل أردوغان الآن في أن يحقق في باكو مبيعات أسلحة أكبر لإنقاذ الليرة التركية المتراجعة. ولكن قد لا تكون هذه الآمال في غير محلها، حيث تصدرت أذربيجان في وقت سابق من هذا العام إيران وروسيا باعتبارها المورد الرئيسي للغاز الطبيعي في تركيا. 

واقترح وزير الخارجية التركي السابق، يشار ياكيش، في مقال رأي هذا الأسبوع لموقع "عرب نيوز" أن روسيا ربما دفعت أذربيجان لاتخاذ إجراءات عسكرية على الحدود في محاولة لوقف تدفق الغاز الأذربيجاني إلى تركيا وخارجها.

وأعرب مراقبون آخرون عن مخاوفهم من أن تجدد الصراع بين أرمينيا وأذربيجان قد يعرض العلاقات التركية الروسية للخطر. واقتربت العلاقات بين الدولتين المتنافستين على جانبي البحر الأسود في السنوات الأخيرة بفضل خط أنابيب "ترك ستريم"، الذي تم افتتاحه في وقت مبكر من هذا العام، وأيضاً بسبب شراء أنقرة العام الماضي لصواريخ الدفاع الجوي الروسية. ومع ذلك فإنهما تقفان في جانبين متعارضين في الحروب الأهلية السورية والليبية.

تحدث أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين عن الاشتباكات الحدودية القاتلة وأعربا عن استعدادهما لتنسيق أي جهود محتملة لتحقيق الاستقرار. وتتحالف روسيا مع كل من أرمينيا وأذربيجان وعرضت العمل كمفاوض. وقال جيراجوسيان إن موسكو، وهي جزء من تحالف عسكري إقليمي مع أرمينيا، كانت خجولة في ردها، وهو تناقض حاد مع خطاب تركيا العدواني الذي يشير إلى تجدد التنافس بين أردوغان وبوتين.

وقال جيراجوسيان "هذا صراع بين دول عملاقة. المنطقة أكثر عرضة لأن تصبح ساحة للتنافس أكثر من كونها مجرد مصدر قلق مشترك من التأثير على التعاون بين تركيا وروسيا".

وأعرب عن خشيته من أن دعم تركيا لأذربيجان يمكن أن يدفع أرمينيا مرة أخرى إلى أحضان روسيا، الأمر الذي قد يمنح بوتين تواجدًا عسكريًا في المنطقة. وقال جيراجوسيان إن توترات الحدود دمرت أي آمال فورية للمصالحة بين تركيا وأرمينيا، اللتين لا تربطهما علاقات رسمية على الرغم من مشاركة 300 كيلومتر على الحدود. 

وحثت منظمة الأزمات الدولية، المنظمة المعادية للحرب، في تقريرها الجديد حول الاشتباكات الحدودية أرمينيا وأذربيجان على عدم الانسحاب من اتفاقاتهما الأخيرة، التي فتحت اتصالات مباشرة بين الدولتين للمرة الأولى منذ 15 عاما.

وقال التقرير "لا يمتلك أي من الجانبين ميزة عسكرية واضحة في المنطقة الحدودية. يجب على الدولتين أن يعيدوا الالتزام باستخدام قناة الاتصال الحالية. يجب أن تبقي يريفان وباكو القنوات مفتوحة لإيجاد طرق مفيدة لعقد التعاون بين الطرفين". 

وظل جيراجوسيان يشعر بالتفاؤل، مشيراً إلى الانتفاضة السلمية في أرمينيا في 2018 التي أوصلت أول حكومة منتخبة ديمقراطياً في البلاد إلى السلطة. لم تشهد يريفان أي تظاهرات حاشدة، ولم تطالب سوى بعض الأصوات القليلة بشن حرب.

وفي باكو، من ناحية أخرى، خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع مطالبين بالحرب مع أرمينيا بعد مقتل الجنرال، بولاد هاشيموف، في الاشتباكات الحدودية. اقتحم عدة مئات من المتظاهرين البرلمان، الذي وصفه الرئيس، إلهام علييف، بأنه محاولة انقلاب.

وكما جادل المحلل، أكسيل كورلو، في موقع أحوال تركية الأسبوع الماضي، فإن الإنفاق العسكري الكبير لأذربيجان في السنوات الأخيرة - ما يقرب من 15 مليار دولار العام الماضي، مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي الأرمني البالغ 12 مليار دولار - يشير إلى أن علييف يعتقد أن بعض العدوان على طول الحدود يمكن أن يحقق بعض المكاسب السياسية الملموسة.

وقال جيراجوسيان "لا يوجد بديل للدبلوماسية، وأعتقد أن الرئيس علييف يتناول الأمر بشكل عملي بما يكفي لرؤية المخاطر الكامنة في مثل هذه المناورة في ساحة المعركة. هذا هو وقت استخدام قوة رجل الدولة وليس قوة الرجل الاستبدادي".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/azerbaijan-turkey/statesmanship-or-strongmanship-turkey-playing-catch-caucasus
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.