تركيا تحاول إنقاذ شركات الطاقة من جيوب المواطنين

في شهر أبريل الماضي، أعلن وزير المالية والخزانة التركي بيرات البيرق عن خطط لإنشاء صندوق ضمان شركات الطاقة، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى ضرورة إدارة الديون البالغة 51 مليار دولار التي تراكمت جراء استثمارات حزب العدالة والتنمية الحاكم في قطاع الطاقة منذ العام 2003، والتي بلغت قيمتها 95 مليار دولار.

هذا الصندوق يهدف إلى منح قبلة الحياة لشركات الطاقة المرتبطة بالحكومة التي تكافح من أجل البقاء ومواصلة نشاطها. ومن أجل ذلك، يخطط الصندوق لتدبير الائتمان من البنوك الخاصة لسداد ديون الشركات البالغ حجمها 13 مليار دولار، والتي وصلت مع الفوائد المستحقة عليها إلى 51 مليار دولار. فالاستراتيجية التي يتبناها الصندوق ترمي إلى نقل ديون الشركات المتعثرة إلى أطراف أخرى خارجية من خلال مبادلتها بأسهم.

غير أن خبراء قطاع الطاقة يقولون إن هذه المبادرة قوبلت بفتور من البنوك الخاصة. ويشير الخبراء إلى أن حكومة حزب العدالة والتنمية عرضت على الشركات التي يديرها مؤيدوها حوافز لدخول القطاع، والآن تُستخدم أسهم تلك الشركات باعتبارها رافعة مالية وتضاف إلى الصندوق.

ولقد دق ذلك أجراس الإنذار لدى أولئك الذين شاهدوا انحدار شركة الاتصالات التركية ترك تيليكوم، التي تحولت من شركة وطنية مربحة تدار بكفاءة إلى شركة تخسر مليارات الدولارات في ظل ملكيتها الخاصة لشركاء عرب مرتبطين بحكومة حزب العدالة والتنمية. هذا الاستحواذ مولته البنوك الحكومية التركية، التي تكافح الآن لتعويض خسائرها عقب انسحاب الشركات العربية بعد تلقيها توزيعات أرباح بقيمة ستة مليارات دولار.

وفي تقرير حصري نشرته وكالة رويترز للأنباء، استنادا إلى مقابلات أجريت مع أكثر من 12 مصرفيا ومستثمرا ومستشارا ومسؤولا تنفيذيا، كشفت الوكالة عن محاولات الحكومة التركية للعمل "مع البنوك لصياغة تشريع من شأنه أن يحميها من الخسائر الحادة، حيث تتم إزالة الديون من دفاترها وتعبئتها بشكل آمن كأموال وبيعها إلى مستثمرين أجانب ربما بعد بضع سنوات".

بيد أن مصرفيا أبلغ رويترز، شريطة عدم الكشف عن اسمه، أن جميع البنوك تقريبا تتوخى الحذر من هذه المبادرة وتتجنب المضي قدما فيها.

وقد أشار صحفيو رويترز إبرو تونجاي وجان سيزر وجوناثان سبايسر في تقريرهم أيضا إلى ارتفاعات في أسعار الطاقة تخطط لها الحكومة التركية، وإن كانت لا تزال لا ترقى إلى المستوى الذي تسعى إليه البنوك. وكان من المقرر في البداية تطبيق هذه الزيادات في أوائل الصيف، لكن الحكومة لا تود رفع الأسعار قبل إعادة انتخابات رئاسة البلدية في إسطنبول المقررة في الثالث والعشرين من يونيو، بعدما خسر مرشح حزب العدالة والتنمية الانتخابات الأولى التي أجريت في الحادي والثلاثين من مارس، بحسب مصادر في القطاع.

وقالت رويترز في تقريرها إن المسؤولين والمصرفيين الأتراك الذين يعكفون على وضع التشريعات يخططون لهيكلة الصندوق "بطريقة تجمع محطات الغاز والفحم استعدادا لبيع محتمل فور تعافي الاقتصاد والطلب على الطاقة".

تمتد جذور هذا الوضع الخطير إلى العامين 2009 و2010، حين جرى بيع شبكة الطاقة المحلية بالكامل تقريبا إلى شركات خاصة. وعند استكمال عملية الخصخصة في العام 2012، لم يف المشروع بالوعود الكبيرة التي قطعتها الحكومة، بل وزادت الخسائر في الواقع جراء تسرب الكهرباء وسرقة التيار، وفقا لمقال نشرته صحيفة بيرغون اليومية التركية اليسارية في أبريل الماضي.

تبيع شركات الكهرباء في تركيا الطاقة التي تنتجها شركة الطاقة التركية المملوكة للدولة إيواش والشركات الخاصة. وتأتي الغالبية العظمى من الطاقة المنتجة في تركيا من النفط، بما يعني أن التقلبات التي شهدتها الليرة في الآونة الأخيرة – إذ خسرت العملة 28 في المئة من قيمتها أمام الدولار العام الماضي وتواصل الهبوط في العام الحالي – أضرت كثيرا بشركات الطاقة. وقد أغلقت نحو 100 شركة طاقة في شهر فبراير الماضي وحده.

وتدخلت إيواش بخفض أسعارها بنسبة 27 في المئة، وهو تخفيض يشكل دعما قيمته خمسة مليارات ليرة (824 مليون دولار) لشركات الطاقة.

وعلى الرغم من كل هذه المساعدة، التي دفع الشعب التركي ثمنها في نهاية المطاف، عجزت شركات الطاقة المرتبطة بالحكومة عن سداد ديونها، التي جرت إعادة هيكلة جزء كبير منها.

ومن بين الشركات المثقلة بأكبر أعباء الديون شركة البركات للطاقة، والتي ارتقت إلى مكانة متميزة بقطاع الطاقة التركي في عهد حزب العدالة والتنمية. فالشركة تحتكر شبكة التوزيع في منطقة بحر إيجة في تركيا، وضخت استثمارات بمليارات الدولارات في محطات مختلفة لتوليد الكهرباء تعمل بالوقود الأحفوري في أنحاء البلاد، وتملك محطات تعمل بطاقة المياه والرياح والطاقة الحرارية الأرضية. وجمعت الشركة قروضا بقيمة 4.6 مليار دولار من تسعة بنوك، واضطرت لإعادة هيكلة الدين.

تضم شركات الطاقة الأخرى المعروفة بعلاقاتها الوثيقة بحكومة حزب العدالة والتنمية وجمعت ديونا ضخمة تلك المملوكة لشركة ليماك القابضة، والمدينة بمبلغ سبعة مليارات دولار، وشركة جينكيز القابضة المدينة بمبلغ 1.8 مليار دولار وشركة كولين المدينة بمبلغ 1.3 مليار دولار.

وبينما يتراكم هذا الجبل من الديون المتعثرة على شركات الطاقة الخاصة ترتفع أسعار الطاقة التي يدفعها المستهلكون بسرعة الصاروخ.

وعلى مدى السنوات الخمس عشرة الأخيرة من حكم حزب العدالة والتنمية، ارتفع متوسط أسعار الطاقة بنسبة 240 في المئة.

يمكن للمواطنين الأتراك أن يتوقعوا مزيدا من الخسائر بسبب الديون الضخمة التي يتعين على الحكومة أن تتعامل معها الآن، حسبما قال مسؤولون في غرفة مهندسي الكهرباء التركية، في حين صار رفع أسعار الكهرباء أمراً شبه مؤكد.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/energy/new-fund-aims-keep-afloat-foundering-turkish-energy-companies