تركيا تحتاج إلى الدولار وليس للريال القطري لمساعدة الليرة

حصل البنك المركزي التركي على دعم مالي إضافي بقيمة 10 مليارات دولار من قطر في شكل صفقات مبادلة عملات.

وانتشرت التوقعات في الأسابيع الأخيرة من أن تركيا، التي تسعى إلى الحصول على الأموال التي ستساعدها في التعامل مع تفشي وباء كورونا وتعزيز احتياطياتها من العملات الأجنبية المتضائلة، ستؤمن صفقات تبادل عملات من الخارج، مما يخفف الضغط على قيمة الليرة المتراجعة.

لكن رد الفعل على أنباء عقد الصفقة مع قطر - الحليف الإقليمي الأقرب لتركيا – لم يحقق النتيجة المتوقعة. وكنتيجة لذلك، لم تتحرك الليرة خطوة إلى الأمام، والتي وصلت بالفعل لأدنى مستوً لها على الإطلاق في 7 مايو لتسجل 7.269 مقابل الدولار، بل واستمرت في التراجع مقابل العملة الأميركية بعد ظهر الأربعاء.

وفي حين أن الريال القطري قد لا يحمل الوزن المالي أمام الدولار الأميركي أو اليورو، إلا أنه لا يزال "عملة أقوى" من الليرة، التي تسجل تاريخاً طويلاً من الانخفاضات الحادة والتقلبات.

ووصل التضخم المزمن والأزمات المالية في تركيا إلى ذروتها خلال الثمانينيات والتسعينيات، عندما كان سعر الدولار الأميركي يعادل ملايين الليرات التركية قبل أن تتخلص الحكومة من الأصفار الست من العملة في عام 2005. وقبل الأزمة المالية العالمية لعام 2008، تم تداول الليرة لفترة وجيزة عند 1.15 لكل دولار، بمساعدة ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر وتدفقات الأعمال والاستثمارات من الخارج.

وعندما ظهرت أنباء عن عقد صفقات تبادل عملات مبدئية بقيمة 3 مليارات دولار من قطر في أغسطس 2018، مدرجة في حزمة استثمارية أوسع بقيمة 15 مليار دولار، انتعشت الليرة بشكل إيجابي. حيث ساعد التعهد النقدي العملة على التعافي من أزمة عميقة اندلعت قبل عقد الصفقة بأيام. كما رحب اقتصاديون ومستثمرون مثل تشارلز روبرتسون من مؤسسة "رينيسانس كابيتال" في لندن بالصفقة قائلاً إن الأموال كانت موجودة ويمكن الوصول إليها بسهولة. 

إذن فلماذا لم تحظ الليرة بنفس ردة الفعل هذه الآن؟ اقترح تيموثي آش، كبير المحللين الاستراتيجيين للأسواق الناشئة في مؤسسة "بلو باي أسيت مانجمينت" في لندن، أن العشرة مليارات دولار الإضافية قد تشكل مجرد أموال لم يتم إنفاقها من اتفاقية 2008 الأصلية. وافق البنكان المركزيان في الدولتين على زيادة خطوط تبادل العملات إلى 5 مليارات دولار في نوفمبر 2019، تاركًين 10 مليارات دولار في صورة احتياطي نقدي.

يأتي النقد أيضًا من دولة ذات مكانة دولية مشكوك فيها، لا سيما بعد أن تم نبذ قطر من قبل القوى الإقليمية مثل السعودية. لذلك، فإن وصول الأموال لا يكاد يحقق الفوز المتوقع لدولة تبحث عن دعم مالي من البنوك المركزية في مكان آخر أيضًا.

ما تحتاجه تركيا حقًا هو الدعم من الغرب.

لكن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي رفض بالفعل طلبًا مقدّما من أنقرة بعقد صفقة تبادل عملات، خوفًا من أن مثل هذا الدعم لتركيا، بسجلها المشكوك فيه في إدارتها الاقتصادية والمالية، قد يشكل أساساً تسير عليه العمليات المستقبلية. 

وهناك أيضًا مسألة صغيرة تتعلق بتركيا، العضو في الناتو، وهي تسلّمها لنظام الصواريخ "إس 400" الروسية الصنع العام الماضي. حيث لا يزال المشرعون الأميركيون يفكرون في فرض عقوبات اقتصادية رداً على ذلك. ثم لدينا تورط مزعوم لكبار السياسيين الأتراك في مخطط خرق العقوبات مع إيران، حيث اتهم المدّعون الأميركيون بنك "خلق" التركي الحكومي بالتواطؤ في هذا الفعل.

وكان رد الفعل في أسواق العملات مختلفًا جدًا في وقت سابق من هذا الأسبوع عندما اندلعت أنباء تفيد بأن البنك المركزي التركي كان قريبًا جدًا من تأمين ما مجموعه 20 مليار دولار من خطوط تبادل العملات مع بريطانيا واليابان. وقفزت الليرة أكثر من 1 بالمئة، لتصل إلى أعلى مستوى لها في شهر.

سيمثل تأمين الأموال من لندن وطوكيو تحولا إيجابيا في المفاهيم المتعلقة بعلاقات تركيا مع القوى العالمية التقليدية. وفي قلب المأزق الاقتصادي والمالي الذي تواجهه تركيا تزايدت الفجوة بينها وبين الغرب بسبب الطموحات الإقليمية الصاعدة للبلاد بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان.

ومع نمو مكانة أردوغان الإقليمية، بالغ أيضًا في تشويهه لسمعة الحكومات والمؤسسات المالية الغربية، بزعم دور الغرب في مخطط للإضرار باقتصاد البلاد من خلال أسواق العملات.

وقد حظرت الهيئة الرقابية المصرفية في تركيا بعض البنوك الخاصة مثل "سيتي غروب"، و"البنك السويسري يو إس بي"، والبنك الفرنسي "بي إن بي باريبا" من التداول بالليرة لمدة أربعة أيام في وقت سابق في مايو. ولا يزل التحقيق مستمراً ضد المؤسسات المصرفية.

واستبعد أردوغان تقديم طلب للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي لمساعدة تركيا خلال أزمة تفشي الوباء، والذي يتطلب تنفيذ القليل من الإصلاح الاقتصادي، قائلاً إن المؤسسة أداة للغرب للحفاظ على هيمنتها العالمية. ويصر الرئيس على أن أيام اعتماد تركيا على صندوق النقد الدولي قد انتهت الآن.

وبحسب ما ورد رفض البنك المركزي الأوروبي طلبًا من تركيا بعقد صفقة تبادل للعملات باليورو.

وهذا ليس مفاجئًا لأن علاقات تركيا مع أوروبا أصبحت محفوفة بالتوترات، خاصة منذ الانقلاب العسكري الفاشل في عام 2016 الذي وفر نقطة انطلاق لأردوغان لقمع خصومه السياسيين. تقف حالة هذه العلاقات الآن في تناقض واضح مع فترة ما قبل عام 2008، عندما بدأت تركيا محادثات العضوية مع الكتلة وكانت تنفذ إصلاحات ديمقراطية طال انتظارها.

ومن خلال هذه الخلفية الاستراتيجية، تضطر تركيا إلى النظر بعيدًا عن حلفائها التقليديين في الولايات المتحدة وأوروبا. ولكن من غير المرجح أن تستجيب دول مجموعة السبع الأخرى لطلب تركيا. 

تبدو صفقة تبادل العملات مع بريطانيا وكأنها بعيدة المنال. قد يرى رئيس الوزراء بوريس جونسون ظروفاً مواتية لبلاده من خلال توفير رأس المال لتركيا حيث تسعى حكومته إلى البحث عن وجهات بديلة للسلع والاستثمارات البريطانية بعد أن خرجت من الاتحاد الأوروبي. لكن بريطانيا لديها ثاني أعلى عدد من الوفيات على مستوى العالم بسبب أزمة كورونا بعد الولايات المتحدة، لذلك فإن بيع مثل هذا الاتفاق إلى الناخبين في المملكة المتحدة سيكون محفوفًا بالمخاطر السياسية.

أما اليابان، فقد طورت علاقات اقتصادية قوية مع تركيا تحت حكم أردوغان. حيث تشارك العديد من أكبر شركاتها في مشاريع البناء في البلاد. ولكن مرة أخرى يبدو من غير المرجح ترتيب صفقة تبادل العملات فيما بين الدولتين. ولا تزال علاقات اليابان مع أوروبا والولايات المتحدة قوية للغاية مقارنة بتركيا.

وبدلاً من ذلك، قد تقدم اليابان قروضًا مباشرة لتركيا، على الأرجح بنية تمويل مشاريع استثمارية جارية وجديدة في إسطنبول وأماكن أخرى في البلاد، وفقًا للمصادر.

لذا، يبدو أن البنك المركزي التركي، مع احتياطياته المتضائلة من العملات الأجنبية، عالق مع قطر والريال القطري، ومن غير المحتمل أن يتغير الوضع في المستقبل المنظور.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-lira/turkey-needs-western-money-help-lira-not-rials-qatar
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.