تركيا تحتفي مُجدّداً بمن نهب "الأمانات المقدسة"

 

باريس - منذ أيام احتفت حكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم في تركيا بمرور 72 عاماً على وفاة القائد العثماني فخر الدين باشا، الذي قالت إنّ لقبه "نمر الصحراء"، وزعمت شهرته بما وصفته "دفاعه البطولي" عن المدينة المنورة في وجه القوات البريطانية.
وقالت الأناضول إنّ قائد الجيش العُثماني الرابع جمال باشا عيّن في 28 أيار 1916 فخر الدين باشا قائداً لحامية الحجاز بالمدينة المنورة، بعد أنباء عن إعداد الشريف حسين للهجوم بالاتفاق مع الإنكليز، وزعمت أنّ فخر الدين استمر في الدفاع عن المدينة المنورة لمدة عامين و7 أشهر.
وتابعت الوكالة الحكومية التركية، التي تُعبّر عن توجّهات الرئيس رجب طيّب أردوغان، إنّه، وبناء على قرار الحكومة العثمانية بإخلاء الحجاز بشكل جزئي، عرض فخر الدين باشا على الحكومة نقل الأمانات المقدسة للنبي محمد (ص) إلى إسطنبول حفاظا عليها من النهب، ووافقت الحكومة العثمانية حينها بشرط تحمل فخر الدين باشا مسؤولية إيصالها بسلام إلى إسطنبول، والذي أرسل 30 قطعة من تلك الأمانات برفقة 2000 جندي.
وقرر فخر الدين باشا إخلاء المدينة المنورة، وطلب من أمير مكة الشريف حيدر باشا مغادرة المدينة المنورة مع نحو 3 إلى 4 آلاف شخص.
وفي 30 أكتوبر 1918 وقّعت الدولة العثمانية "هدنة موندروس" وانسحبت من الحرب العالمية الأولى، ولاحقاً أعلن فخر الدين باشا في 13 يناير 1919 هزيمته لينتهي الحكم التركي بذلك في المدينة بعد أن استمر 400 عام. وقد اعتقل فخر الدين باشا وتم إرساله إلى مصر ثم إلى مالطا كسجين حرب.
بالمقابل يتهم المؤرخون القائد العثماني فخر الدين باشا بسرقة أموال سكان المدينة المنورة وخطفهم وترحيلهم إلى الشام وإسطنبول، وسرقة أغلب مخطوطات المكتبة المحمودية ونقلها إلى تركيا. كما قام بنقل "الأمانات المقدسة" من المدينة المنورة إلى إسطنبول، حيث تُعرض اليوم بعض القطع منها في قصر توبقابي الشهير.
ياوز بيدر رئيس تحرير "أحوال تركية" يقول إنّ أردوغان يُريد عبر الدفاع عن فخر الدين باشا وإحياء ذكراه، أن يشير ضمنا إلى أن الجمهورية التركية المعاصرة هي مجرد امتداد للإمبراطورية العثمانية وأن الحقبتين مرتبطتان ببعض دون انقطاع.
ووفقا لهذا المنطق، فإن تركيا العثمانية والجمهورية الحديثة متصلتان ببعض دون أي فاصل زمني، وإن العثمانية الجديدة والحركة الكمالية مندمجان في نفس الإطار السياسي. ودأب أردوغان في السنوات الأخيرة على إضفاء نزعة دينية قومية عدائية ومُشاكسة بصورة استثنائية على مواقفه في السياسة الخارجية، والتي تميل في الأصل إلى إثارة المشاكل.
ويصف مؤرخون للتاريخ العثماني ما حصل في المدينة المنورة بأنه "نهب وسرقة" من قبل الاحتلال العثماني وليس كما يدعى الأتراك "حماية للأمانات"، حيث تمّ الاستيلاء على مقتنيات الحجرة الشريفة، وتكشف إحصاءات أن عدد القطع المسروقة يفوق 2320 قطعة بحسب جداول التقرير العثماني عام 1908، وهي تضم مصاحف أثرية، ومجوهرات، وشمعدانات ذهبية، وسيوفا ولوحات مرصعة بالألماس، إضافة للقطع المتعلقة بالرسول الكريم: بردته، ورايته الحمراء، ومكحلته، ونعله، وخصلة من شعره.
من المُستهجن في تقرير الأناضول، هو الإصرار الغريب على الدفاع المُستميت عن العثمانيين من منطلق أنّ كل تركي هو عثماني، وعدم التطرّق نهائياً في الإعلام التركي للأخطاء الفادحة التي ارتكبتها الإمبراطورية العثمانية بحق كافة الشعوب الإسلامية، فدمّرت حضاراتهم وأبقتهم قروناً طويلة بعيداً عن مواكبة التطور الذي بدأ يتسارع في الغرب حينها.
كان للبلاد العربية قبل الغزو العثماني حضارتها ومكانتها المرموقة، ولم تكن غايات العثمانيين بعد قدومهم غزاة لا فاتحين، إلا طلب الولاء ونهب الأموال وتهجير الحرفيين المهرة والصناعيين المُبدعين وتجنيد الشباب والرجال لحروبهم الهمجية، فترك العثمانيون الناس على ما كانوا عليه حتى عجزوا عن مواصلة تطوّرهم، فتخلفوا ودخلوا في خلافات دينية وعرقية ساهمت في عزلتهم الحضارية.
باختصار مثّل العثمانيون السبب الأول في تراجع المكانة الحضارية للعرب الذين تزعموا العالم المُتحضّر خلال الخلافتين الأموية والعباسية على وجه الخصوص، بينما كان العثمانيون مُجرّد قبائل رعوية لا حضارة لها، جاءت من شمال غرب الصين.