تركيا تختبر حدود أوهامها على الساحة الخارجية

سلسلة من الانتكاسات ضربت الدبلوماسية التركية، وآخرها تمثلت في توقيع اتفاق بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة بوساطة أميركية في منتصف أغسطس لتطبيع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

وأعربت أنقرة عن معارضتها الشديدة للاتفاق، مما أزعج الولايات المتحدة وأجج سخرية العالم العربي منها. فهي التي اعترفت بإسرائيل منذ سنة 1949 وافتتحت سفارة هناك ثم أعلنت غضبها من خطوة مماثلة لمّا اتخذتها الإمارات العربية المتحدة التي تمكنت من تأمين التزام من إسرائيل بتعليق خطط ضم الضفة الغربية.

إن إنجازات الدبلوماسية التركية في الأشهر الأخيرة مخيبة للآمال، فقد أثارت أصواتا مناهضة في شرق المتوسط ​​حول مشروع خط أنابيب الغاز، إيست ميد، والذي من غير المرجح أن يؤتي ثماره. كما انتقدت الدول تدخلها في ليبيا مما وضعها في مسار تصادمي مع فرنسا التي تقود حملة ضد تركيا ذات تداعيات عسكرية واضحة. وزاد نبذ الولايات المتحدة لتركيا بعد قرارها باستقبال قيادة حماس في أنقرة وإصدار جوازات سفر لبعض أعضائها على الرغم من تصنيف الغرب لها كمنظمة إرهابية. وتحتل قضايا تركيا وعلاقتها بالاتحاد الأوروبي المرتبة الأولى على جدول أعمال قمة المجلس الأوروبي التي ستنظّم خلال الشهر الحالي.

ووفقا لموقع أحوال تركية، يبرز جنون أنقرة الدبلوماسي في التصريحات الصادرة عن وزارة الخارجية بعد 25 أغسطس. ففي 14 من 27 إعلانا صدر خلال تلك الفترة، وجهت الوزارة اتهامات وأصدرت تحذيرات لعدّة أطراف، وأبرزها فرنسا واليونان وقبرص. ولا تستثني الانتقادات اللاذعة روسيا (لاجتماعها مع ممثلي الأكراد وتعاملها مع التتار) والولايات المتحدة (لإدانتها الاجتماع بين الرئيس رجب طيب أردوغان وقيادة حماس) والنرويج والسويد (لما سمي عدم احترام للقرآن)، والنمسا، وصربيا، وغيرها من الدول.

كما تتجلى زيادة الحماسة في تصريحات الرئيس أردوغان. وقد تجاوزت خطابته المثيرة للجدل كل الحدود المقبولة في الأسابيع الأخيرة. ولا ينبغي أن نقلل من شأنه. فهو أحد أكثر رؤساء الدول قدرة على تقويض الاستقرار في العالم في الوقت الحالي. كما خرج منتصرا من سلسلة من الاشتباكات الخطيرة مع الأنظمة ونجا من الفخاخ التي كانت ستهزم العديد من القادة الآخرين. واليوم، يعتمد على أهمية بلاده الجيوسياسية بالنسبة للغرب، وعلاقته الشخصية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتحالفه الغريب مع روسيا والرئيس فلاديمير بوتين، وعلى أموال قطر.

وتكمن أسوأ نقطة في هذه المعضلة في أنه لا يوجد أحد يشكك في أفعال الرئيس التركي في دائرته المقربة، ناهيك عن معارضته. كما تجاوز وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو الذي كان معتدلا في السابق وزير الدفاع خلوصي أكار في خطاباته الحادة. وربما لأنه يأمل في أن يقرّبه ذلك من أردوغان أكثر.

لكن العمليات العسكرية التركية تكشف "عقب أخيل (حسب الأسطورة الإغريقية)". فهي تحافظ على جبهتين نشطتين، في سوريا وليبيا، وتنفذ عمليات في العراق. كما تشبه تحركاتها الأخيرة في شرق البحر المتوسط ​​جبهة أخرى. وباستثناء الولايات المتحدة وربما روسيا وفرنسا، لا يمكن لأي دولة أخرى اليوم أن تتحمّل ثقل ثلاث جبهات في آن واحد.

يأتي الحفاظ على هذا الوجود العسكري بتكلفة اقتصادية باهظة. وفي 11 و26 أغسطس، اضطرت تركيا إلى الاقتراض الطارئ لأكثر من 5 مليارات يورو لدعم الدفاع مع تحديد ميزانية الوزارة لسنة 2020 بالفعل عند 16.5 مليار يورو.

تضغط تركيا على نفسها وتختبر حدودها باتباع مسار مليء بالألغام لهوس أردوغان بالعثمانية الجديدة. ويعرف الرئيس التركي أنه إذا فقد قبضته على السلطة، فلن يعود إليها ببساطة، فلا بد أن تبدأ التحقيقات في الثروة الهائلة التي جمعها هو وأفراد عائلته. ويتذكر مصير رئيس الوزراء الأسبق عدنان مندريس الذي اعدم شنقا فتدفعه هذه الأفكار إلى اتخاذ خيارات أكثر تطرفا. نحتاج إلى إدراك أن الأمر هو مجرد مسألة وقت قبل أن ينهار نظام أردوغان، مع كل ما قد يترتب عن ذلك للمنطقة.

ترجم هذا المقال إلى العربية بإذن من صحيفة كاثيميريني اليونانية.