بول إيدن
سبتمبر 18 2019

تركيا تخوض حرباً مرعبة بالطائرات المسيّرة في ليبيا

قدّمت تركيا دعماً حاسماً للحكومة الليبية التي تتخذ من طرابلس مقراً، حيث زودتها بطائرات مسيرة مسلحة نفذت سلسلة من الضربات الجوية ضد قوات شرق ليبيا التي تضرب حصاراً عليها بقيادة خليفة حفتر.

ونفّذت طائرات مسيرة تركية الصنع من طراز بايراكتار تي.بي2 سلسلة من الضربات الجوية بالنيابة عن حكومة الوفاق الوطني، وقدمت الدعم الجوي لقواتها البرية التي تنفذ هجمات مضادة. وقد ساعد هذا الإسناد الجوي تلك القوات بشكل ملحوظ في دحر الجيش الوطني الليبي، الذي يقوده حفتر، في مدينة غريان أواخر يونيو الماضي. وحتى ذلك الوقت، كانت المدينة مركزاً لوجيستياً رئيساً للحصار.

ولدى الجيش الوطني الليبي أسطول من الطائرات المسيرة الصينية الصنع طراز وينغ لونغ 2، حصل عليها من دولة الإمارات العربية المتحدة، الراعي الأول له. وقد حاول الجيش الوطني الليبي تدمير أسطول حكومة الوفاق الوطني من الطائرات طراز بايراكتار من خلال تنفيذ غارات جوية بهذه الطائرات الصينية الصنع على قواعد تابعة لحكومة الوفاق الوطني.

ويبدو أن تركيا نجحت في تعويض تلك الخسائر من خلال إعادة تزويد حكومة الوفاق بطائرات جديدة في الآونة الأخيرة، وبالتحديد في أواخر أغسطس، وفقاً لتقارير.

وتتمركز طائرات حكومة الوفاق المسيرة في مطار معيتيقة الدولي في طرابلس، وفي مصراتة شمال غربي ليبيا. وينفذ الجيش الوطني الليبي معظم ضرباته الجوية من قاعدة الجفرة الجوية في وسط ليبيا.

وقال أرنود ديلالاندي، وهو خبير دفاع وأمن، إن "حكومة الوفاق الوطني حصلت على 12 طائرة من طراز بايراكتار تي.بي2 على دفعتين – أربعة وثمانية – خلال الفترة بين شهري مايو ويوليو.

نصف هذه الطائرات على الأقل دُمّر خلال الضربات الجوية الإماراتية باستخدام الطائرات وينغ لونغ 2... الدفعة الثانية التي تم تسليمها في يوليو كانت لتُعوّض الخسائر في الدفعة الأولى".

أضاف "يبدو أن دفعة ثالثة تم تسليمها في نهاية أغسطس، بعد خسائر جديدة خلال الصيف".

وتُشير تقديرات ليفانت أوزغول، وهو محلل تركي متخصص في شؤون الدفاع، إلى أن "ثماني طائرات على الأقل من طراز بايراكتار تي.بي2 جرى تسليمها لحكومة الوفاق الوطني وتتمركز في مصراتة".

وقال أوليفر إمهوف، وهو باحث في الشأن الليبي لدى "اير وورز" – وهي منظمة غير ربحية تتخذ من المملكة المتحدة مقراً، وتوثق الضربات الجوية وخسائرها في الشرق الأوسط وليبيا – إن "حكومة الوفاق الوطني "تسلمت دفعة جديدة من الطائرات المسيرة التركية في السابع والعشرين من أغسطس تقريباً.

"الرقم غير واضح في حقيقة الأمر، لكن بالنظر إلى الحجم الكبير من الضربات التي تنفذها حكومة الوفاق الوطني في الوقت الحالي، فمن المفترض أن يكون الرقم قريباً من الست إلى ثماني طائرات مسيرة، التي كانت تنفذ عمليات من قبل".

وبينما لا يوجد رقم واضح لعدد الطائرات الإماراتية المسيرة التي تنفذ عمليات في ليبيا، يقول إمهوف إن الجانبين لديهما فيما يبدو قدرات متساوية، استناداً إلى عدد الضربات الجوية التي نفذّاها ضد بعضهما البعض. لكن الطائرات الإماراتية من طراز وينغ لونغ مداها أطول من مدى الطائرات طراز بايراكتار.

وأشار ديلالاندي أيضاً إلى أن كفة الجيش الوطني الليبي أرجح من كفة حكومة طرابلس "نظراً لأن مدى الطائرات بايراكتار لا يتجاوز 150 كيلومتراً بدون هوائيات أرضية، على عكس الطائرات وينغ لونغ التي تستخدم الأقمار الصناعية.

جميع الطائرات المُدَمّرة من طراز بايراكتار ضُربت لدى هبوطها بعد إنهاء مهامها... من المحتمل أن تكون أنظمة المعلومات والمراقبة والاستطلاع في وينغ لونغ رصدتها بعد أن نفذّت ضرباتها الجوية".

لكن ديلالاندي قال إن الطائرات المسيرة التركية الموجودة في مصراتة تخضع فيما يبدو لنوع من "هالة الحماية... فالطائرات المسيرة الإماراتية لم تُنفّذ أي ضربات ثأرية، على الرغم من أن الطائرات المسيرة التركية قصفت رتلاً تابعاً للجيش الوطني الليبي في ترهونة... قد يفسر هذا وجودُ نظام دفاع جوي في القاعدة خلال الآونة الأخيرة.

"يبدو أن تركيا نصبت هوائيات في شهر يوليو لزيادة نطاق طائراتها المسيرة، بهدف توجيه ضربة للجفرة وتدمير طائرتي نقل عسكري من طراز إليوشن آي.إل-76 تابعتين للجيش الوطني الليبي".

كل هذا يوضح أن تركيا لا تنكر فقط التفوق الجوي للجيش الوطني الليبي المدعوم من دولة الإمارات، وإنما تُثبت قدرتها الفائقة على مهاجمة الجيش الوطني الليبي نيابة عن حكومة طرابلس.

في الوقت ذاته، يبدو أن أياً من الجانبين غير قادر على التغلب على الآخر الآن.

وقال أوزغول إن تدفق المزيد من السلاح قد يرجح كفة حكومة الوفاق الوطني في ميزان الصراع مع الجيش الوطني الليبي.

وأشار إلى أن "تركيا قد تحاول إرسال طائرات مسيرة قادرة على الطيران على ارتفاع متوسط من طراز تي.ايه.آي أنكا الأكبر حجماً والمسلحة... غير أن تسيير مثل تلك الطائرات الأكبر حجماً وصيانتها قد يكونا أكثر تعقيداً من الطائرات الصغيرة والمؤثرة من طراز تي.بي2".

والطائرات طراز أنكا-إس، شأنها شأن الطائرات طراز وينغ لونغ 2، تشبه الطائرة المسيرة الأميركية إم كيو-1 بريداتور، وإن كانت أثقل وزناً بعض الشيء.

وقال أوزغول إن الطائرات المسيرة التركية "هي بشكل عام أقوى وأكثر صلابة، وسهلة الاستخدام، ومؤثرة للغاية مقارنة بالسلسلة الصينية... وتتميز ذخيرتها الصغيرة (إم.ايه.إم-إل وإم.ايه.إم-سي) بدقتها البالغة". وتوقع أن تستمر تركيا في إمداد حكومة الوفاق الوطني بمثل هذه المعدات.

لكن الشحنات التركية من مثل هذه المعدات من الممكن أن تكون غير حصينة. فالقوات الجوية في مصر والسودان على سبيل المثال، يمكنها اعتراض طائرات الشحن بسهولة، بينما يمكن للقوات البحرية المصرية واليونانية قطع الطريق على السفن المتجهة إلى ليبيا.

والدولة الرئيسة التي يمكنها تعطيل جهود الإمداد التركية هي مصر.

وقال أوزغول "إذا قررت القوات المصرية اعتراض طريق هذه الشحنات، فإنها يمكنها أن تفعل هذا بسهولة".

ويشك سيباستيان روبلين، وهو صحفي متخصص في شؤون الدفاع يكتب لمجلة (ذا ناشيونال إنترست)، أن يكون أي من الطرفين – الجيش الوطني الليبي وحكومة الوفاق الوطني – "قادراً على الخروج من المأزق الحالي من خلال حملة الضربات الجوية، التي من المحتمل أن تضرب المدنيين بقدر ما تضرب الأهداف العسكرية في أقل تقدير.

"بالنظر إلى التكلفة المنخفضة لاستخدام الطائرات المسيرة، فإن من المحتمل أن يكون بوسع تركيا ومصر ودولة الإمارات الاستمرار في نشر المزيد من هذه الطائرات. غير أن إحدى المساوئ التي قد تواجهها مصر ودولة الإمارات هي أنه يتعين عليهما الحصول على تلك الطائرات المسيرة من طرف ثالث، وهو الصين".

في المقابل، تحظى حكومة الوفاق الوطني بمُورّد يمكنها الاعتماد عليه بصورة أكبر، حيث أن تركيا تصنع طائراتها المسيرة المزودة بالسلاح بنفسها، وهي من ثم لا تواجه أبداً المخاطر التي قد تنشأ عن اعتماد سلسلة إمدادها على مورّد أجنبي.

وقال روبلين "يخلق هذا انطباعاً لدى المتابع للمشهد بأن الجيش الوطني الليبي، على كل هذا الاتساع الجغرافي الذي يحظى به، ليس لديه الآن ما يكفي من الدعم لكسر سيطرة حكومة الوفاق الوطني على طرابلس ومصراتة".

ومنذ أن دخلت ليبيا في حالة فوضى بعد بداية الربيع العربي بقليل في عام 2011، ظهرت أسلحة جرى تهريبها من البلاد في مناطق حرب أخرى مثل مالي وحتى سوريا.

ويتخوف إمهوف من إمكانية تكرار هذا الأمر، سواء مع الطائرات من طراز بايراكتار التي لدى حكومة الوفاق الوطني، أو مع الطائرات من طراز وينغ لونغ التي بحوزة الجيش الوطني الليبي.

وقال "بينما نرى المزيد من الدول التي تنتج طائرات مسيّرة مسلحة أو غير مسلحة، مثل الصين أو تركيا، في وجود القليل من القيود على نشر تلك الطائرات، فإن هناك بالتأكيد فرصة لوصول تلك الأسلحة إلى أيدي لاعبين من غير الدول... لكن الطائرات المسيرة، وعلى الرغم من أنها غالباً ما تُقارن بألعاب الفيديو، لا يمكن استخدامها بهذه السهولة".

وذَكَر مثال حكومة الوفاق الوطني، التي "ما زالت تعتمد بشدة على الدعم التركي لإطلاق طائراتها... قد يمثل هذا عقبة أمام اللاعبين الآخرين الذين ليسوا بدول، نظراً لضعف إمكانياتهم".

أحد الحلول التي اقترحها إمهوف للحيلولة دون وصول تلك الأسلحة الفتّاكة إلى أيدي أطراف ليست دولاً، أو إلى جماعات إرهابية، هو "أن تتضمن عقود شراء الطائرات المسيرة بنداً يُلزم الطرف المشتري بعدم إعادة بيع تلك الطائرات.

"الاتفاقيات الدولية القائمة، والتي تهدف إلى منع انتشار الأسلحة النووية على سبيل المثال، هي أيضاً خيار، لكنه خيار يصعب الوصول إليه".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/libya/turkey-fighting-formidable-drone-war-libya
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.