تركيا تلزم قطر بمعاهدات واتفاقيات تعاون في مختلف المجالات

الدوحة – يوضّح التركيز التركي الكبير على ما تسميه أنقرة ملف التعاون الاقتصادي والمالي مع قطر، مقدار ما تعلّقه حكومة حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان من آمال على أموال الغاز القطري لتخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية الحادّة التي دخلتها تركيا وتعتبرها المعارضة التركية نتيجة مباشرة لسياسات أردوغان الداخلية والخارجية، بينما لم يتردّد أحد خبراء الاقتصاد في نعتها بـ”الطامّة الكبرى”.

وتسلك الحكومة التركية طريقين مختلفين للوصول إلى الثروة القطرية واستغلالها، ويتمثّل الأوّل في الحصول على مساعدات وهبات مالية قطرية بعضها معلن، والبعض الآخر سري يتمّ الحصول عليه تحت عنوان دفع المساهمة القطرية في نصرة الحلفاء الذين يخوضون صراعات في مناطقهم وبلدانهم، لاسيما في سوريا وليبيا وأذربيجان.

أما الطريق الثاني فيعتمد على إلزام قطر بمعاهدات واتفاقيات تعاون في مختلف المجالات تميل كفّة الربح فيها لتركيا، سواء تعلّق الأمر بجلب رؤوس أموال قطرية للاستثمار في تركيا، أو بتنشيط المبادلات التجارية التي تعني في الغالب تصدير السلع التركية إلى قطر، أو باتفاقيات دفاعية وأمنية يتم بمقتضاها إرسال قوات تركية إلى الأراضي القطرية مقابل مبالغ مالية متّفق عليها بالإضافة إلى تكفّل قطر بشكل كامل بمصاريف تلك القوات من رواتب وتكاليف تنقّل وإيواء وغيرها.

وبالتوازي مع إعلان السفير التركي في الدوحة مصطفى كوكصو، الأربعاء، عن قرار بلاده توقيع عدد كبير من الاتفاقيات مع قطر تشمل مجموعة واسعة ومتنوعة من المجالات، أعلن الديوان الأميري القطري اعتزام أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني زيارة أنقرة، الخميس، ليترأس مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اجتماع الدورة السادسة للجنة الاستراتيجية العليا القطرية التركية.

وجاء بيان صادر عن الديوان أن “الدورة ستتناول سبل توطيد الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مختلف المجالات وتبادل وجهات النظر حول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم”.

ويشكّك قطريون في دقّة مصطلح “الشراكة الاستراتيجية” الذي يستخدم لوصف الروابط غير الاعتيادية المتنامية بين أنقرة والدوحة، ويعتبرونه غطاء لعلاقة غير متكافئة تستخدمها تركيا في استغلال قطر بعد أن شجّعتها عن الانعزال عن محيطها الخليجي المباشر رغبة في الاستفراد بها والوصول إلى مصادر ثروتها المالية الضخمة.

ويعتبر هؤلاء أنّ ما يجري توقيعه من اتفاقيات بين البلدين هو بمثابة توريط لقطر بحيث لا يمكنها التراجع إذا ما أرادت في ظرف مختلف التخلّص من العبء المالي الكبير الذي  تتحمّله بفعل علاقتها مع تركيا وتورّطها معها في ملفّات خارجية قد تصبح عديمة الفائدة للدوحة.

وكان السفير التركي كوكصو، قد كشف عن أنه سيتم توقيع أكثر من ثماني اتفاقيات جديدة بين بلاده وقطر خلال الاجتماع السادس للجنة الاستراتيجية العليا المشتركة الذي سيعقد الخميس في أنقرة.

وأوضح السفير في مقابلة مع وكالة الأناضول التركية أن هذه “الاتفاقيات تتنوع بين التعاون العسكري الدفاعي والتعاون الاقتصادي والصناعي، إضافة إلى مجال التجارة الدولية والمناطق الحرة وإدارة الموارد المائية، وكذلك اتفاقية في مجال الشؤون الإسلامية والدينية والأسرية”.

وكشف أيضا عن “استثمارين جديدين لقطر في تركيا سيتم التوقيع عليهما رسميا، أحدهما في مجال الموانئ البحرية والآخر استثمار ضخم في أحد مراكز التسوق الكبرى المعروفة في إسطنبول”.

وتأسست اللجنة الاستراتيجية العليا المشتركة بين قطر وتركيا عام 2014، واستضافت الدوحة دورتها الأولى في ديسمبر من العام التالي. وعقدت إلى حدّ الآن اجتماعات بين قطر وتركيا نتج عنها إبرام 52 اتفاقية في مجالات متنوعة.

وأكد كوكصو أنّ “اللجنة على مدار دوراتها الخمس الماضية ساهمت في نقل العلاقات الثنائية إلى مصاف الشراكة الاستراتيجية الشاملة”.

ومن بين الاتفاقيات المنتظر توقيعها حسب السفير كوكصو اتفاقية “الأنشطة الترويجية المشتركة في مجال المناطق الحرة”، موضّحا أنّ “وجود منطقة حرة تركية في قطر سيكون بمثابة نقطة تحوّل كبيرة للعلاقات التجارية المميزة بين البلدين، وستساهم في جذب المزيد من الاستثمارات التركية إلى قطر، وتخلق المزيد من فرص العمل بينهما”، علما أن قطر بلد مستورد للعمالة بالكامل ما يعني أن فرص العمل التي يتحدّث عنها السفير ستكون متاحة لليد العاملة التركية فقط.

وفي إشارة واضحة للفوائد التركية الكبيرة من “شراكة” تركيا مع قطر ذكر كوكصو أنّ الصادرات التركية إلى قطر تضاعفت ثلاث مرات خلال السنوات الخمس الماضية، وأنّ إجمالي حجم التجارة بين تركيا وقطر بلغ السنة الماضية 2.24 مليار دولار.

ويضاعف النهم التركي للمال القطري ما تعيشه تركيا من أزمة اقتصادية ومالية حادة دفعت بالرئيس التركي إلى إجراء تعديل عاجل في قيادة البنك المركزي الذي أقيل رئيسه مراد أويصال وتمّ تعيين ناجي إقبال بدلا عنه، وذلك على إثر النزيف الحاد في احتياطياته من العملة الأجنبية، كما دفعت حدّة الأزمة أردوغان إلى إقالة صهره ومستشاره المقرّب براءت البيرق من منصب وزير المالية بعد أن كان أقوى المرشّحين لخلافة الرئيس.

وتعليقا على تلك الإجراءات، نُقل عن أتيلا يشيلادا المحلل لدى غلوبال سورس بارتنرز قوله إن “أصواتا ذات نفوذ أقنعت أردوغان بأنّ الطامة وشيكة.. ودفعته إلى إعادة تقييم الأوضاع على الأرض وفُرص اجتياز نظامه للأزمة”.