تركيا تروج لنفسها ملجأ للمضطهدين بينما تسيء للأقليات فيها

أنقرة - تكابد تركيا لترميم التصدعات في العلاقات الخارجية التي أحدثتها سياسات الرئيس رجب طيب أردوغان وتسعى جاهدة للخروج من أسوأ مأزق علقت فيه بعد سنوات من التصعيد لحسابات حزبية وإيديولوجية ضيقة أثقلت كاهل الاقتصاد ودفعته لحالة من الركود.

ومن أجل تحقيق ذلك وكبح الخسائر كثفت في الفترة الأخيرة من دعاية مغرقة في الثناء والتمجيد إما لانجازات واهية وهشة وإما بالترويج للكثير من المغالطات لتلميع صورتها التي تضررت بشدة من النهج الصدامي الذي اعتمده أردوغان مع حلفاء وشركاء بلاده.

وكثيرا ما تضمنت تصريحات قادة في حزب العدالة والتنمية الحاكم بما في ذلك تصريحات الرئيس التركي، تناقضات مكشوفة تحيل في مجملها إلى حالة من الإرباك في التعاطي مع الأزمة واستعجالا في حلها.

وفي أحدث تصريح لم يخرج عن السياقات سابقة الذكر، قال المتحدث باسم الحزب عمر جليك الأربعاء في تغريدة على حسابه بتويتر بمناسبة اليوم العالمي لذكرى الهولوكوست، إن "تركيا كانت ملجأ اليهود المستضعفين الهاربين من الموت في الماضي ولا تزال اليوم هي الملجأ الوحيد للمضطهدين الهاربين من الموت".

ويعتبر تصريح جليك في توقيته ومضمونه مغازلة لإسرائيل التي تربطها بتركيا مصالح تجارية واقتصادية، فيما تشهد العلاقات بين الطرفين حالة من الفتور يسعى الجانب التركي مدفوعا بأزمة اقتصادية، لتنشيطها وإعادة الزخم إليها.

وكان واضحا أن تغريدة القيادي في العدالة والتنمية مغرقة في التناقض، حيث أن حديثه عن تركيا كملاذ وحيد للمضطهدين أمر مبالغ فيه من جهة ويناقض حقيقة الممارسات على الأرض من جهة ثانية، حيث تتعرض الأقليات واللاجئون في تركيا للاضطهاد ولسوء المعاملة، وفق تقارير ومصادر متطابقة.

وقال جيليك "التاريخ يشهد لتركيا دفاعها عن الكرامة الإنسانية ومساعدتها لليهود عندما كانوا يهربون من الموت ويواجهون الإبادة الجماعية"، مشيرا إلى أن الهولوكوست مثال لكره البعض وعدائيتهم تجاه البشر.

واستحضر في هذا السياق كيف أن ما حدث لليهود في فترة الحكم النازي لا يقل وحشية عما تعرض له اللاجئون وكثير منهم ماتوا غرقا في طريقهم لأوروبا.

ووظف جيليك مأساة اللاجئين لأوروبا للترويج لتركيا كحاضنة لملايين اللاجئين السوريين منذ نحو 6 سنوات وكواحدة من أكبر الدول التي تقدم خدمات إنسانية وحماية للاجئين.

وهي صورة مغايرة لما يتعرض له اللاجئون من اعتداءات وعمليات إعادة تهجير قسري لمناطق تسيطر عليها القوات التركية في شمال سوريا بدعوى أنها آمنة.

ووظف أردوغان ورقة اللاجئين لابتزاز أوروبا وحين استنفدت أهدافها أدار بظهره لملايين منهم وعملت حكومته على دفع الآلاف منهم للعودة كرها إلى مناطق مضطربة في شمال وشرق سوريا.

وعلى خلاف الرواية الرسمية يتعرض هؤلاء لمضايقات لسوء المعاملة واعتداءات مستمرة دون تدخل أمني لحمايتهم.

والحديث عن أن تركيا شكلت تاريخيا ملجأ للمضطهدين والمستضعفين، مغالطة مكشوفة لا يمكن أن تحجب حقيقة مع تعرضت له الأقليات من مضايقات ومصادرة لحقوقهم.

وكانت مؤسسة 'وورلد هيريتيج ووتش' قد سلطت قبل سنوات الضوء على معاناة الكثير من الأقليات في تركيا من المضايقات وسوء المعاملة وتعرض دور العبادة فيها للمصادرة أو الرقابة وتعرض مناطق تقطنها غالبية كردية للتدمير والاستهداف بذريعة ملاحقة متمردي حزب العمال الكردستاني.

وتقف أحداث مدينة سور التاريخية التركية شاهدا حيا على تلك الممارسات بعد أن تعرضت للقصف في 2017  وتعرض أكثر من 24 ألف شخص للتهجير من بيوتهم في جنوب شرق تركيا بسبب الحرب والكثير منهم لا يزالون بدون مأوى ولا تزال معاناتهم مستمرة.

كما عاشت الأقلية الأرمنية في تركيا خلال الحرب الأخيرة بين أرمينيا وأذربيجان التي دعمتها أنقرة  في النزاع حول في إقليم قره باغ، حالة من الفزع والخوف على ضوء اعتداءات طالت أفرادا منها وشعارات تحريضية عليها في الشارع.  

وقفز عمر جيليك على عدة حقائق من ضمنها ما تتعرض له الأقلية الكردية في شرق تركيا من سوء معاملة ومضايقات، فيما تقف الأحداث التي شهدتها ديار بكر في السنوات الماضية ومن ضمنها حالة الحصار التي فرضت عليها في العام 2016، شاهدة على حقيقة أن تركيا لم تكن ملجأ للمضطهدين بل حاضنة للاضطهاد لأسباب عرقية ودينية وعلى أساس إيديولوجي وأجندة سياسية.

وفي المقابل فإن تركيا توفر ملاذا آمنا لقيادات اخوانية ملاحقة في قضايا إرهاب وتبرر استضافتهم بأنها كانت دوما ملجأ "للمضطهدين".