تركيا تستفيد من اللا قرار بشأن عضوية البلقان في الاتحاد الأوروبي

من الصعب أن تجد أحداً في تركيا لا يعرف مقولة "الطقس البارد يأتي من البلقان." وعلى الرغم من موجات شهر يونيو الحارة، فإن البرودة تتسلل إلى السياسة في المنطقة؛ والبلَدان الأكثر تأثراً هما ألبانيا ومقدونيا الشمالية. فيبدو أن آمالهما في إطلاق مفاوضات العضوية مع الاتحاد الأوروبي ستواجه إحباطات خلال القمة المقبلة لرؤساء دول وحكومات الاتحاد.

وعلى الرغم من النقاط الإيجابية التي وردت في التقرير الدوري للمفوضية الأوروبية في التاسع والعشرين من مايو، فإنه لا يوجد توافق بين الدول الأعضاء. وهناك سبب جيد للاعتقاد بأن المرتابين من توسعة عضوية الاتحاد بقيادة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيتمسكون بموقفهم ويؤجلون اتخاذ قرار بشأن إسكوبية وتيرانا.

وستكون هذه هي المرة الثانية التي يُرجئ فيها الاتحاد هذا الموضوع. ففي صيف العام الماضي، قرر الاتحاد من جديد – تحت ضغط إصرار فرنسا – طرح مجموعة إضافية من الشروط والمعايير لمقدونيا الشمالية وألبانيا. وأشار الاتحاد الأوروبي إلى جوانب ذات حساسية، مثل سيادة القانون وإصلاح القضاء كأولوية. والآن، وعلى الرغم من التقدم الذي اعترفت به المفوضية، فإن من المنتظر أن يقرر الاتحاد الحاجة للمزيد من الأمور التي يتعين فعلها. ولا يتعلق الأمر هنا بأن أياً من البلدين لديه سجل ممتاز.

وتمثل ألبانيا على وجه الخصوص المشكلة الأكبر. ففي اليومين الماضيين، جرى تسريب تسجيلات تشير إلى أن حكومة إيدي راما ربما تكون قد تواطأت مع مجرمين للتلاعب في الانتخابات. وفي مقدونيا الشمالية المسماة حديثاً أيضاً، هناك مخاوف بشأن استلاب الدولة لم تزُل بعد.

وما زالت حالة اللاقرار التي يتبناها الاتحاد الأوروبي مرتبطة – وقبل كل شيء – بالخوف من عودة أحزاب اليمين إلى الواجهة، مستغلة الخوف من المهاجرين، ثم بنزاهة المؤسسات في غرب البلقان. وبعبارة صريحة، فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أقل قلقاً بشأن جودة الديمقراطية الناشئة في مقدونيا الشمالية من مارين لوبان. ويُقال إن هذا هو السبب الذي دفع المفوضية الأوروبية إلى تأجيل تقارير التقدم السنوية إلى حين ما بعد انتخابات البرلمان الأوروبي.

وسيكون احتمال الخروج "بلا شيء" من القمة المرتقبة أمراً مدمراً بشكل خاص لمقدونيا الشمالية؛ فالحكومة الائتلافية برئاسة زوران زاييف استطاعت البقاء في موقعها لأسباب منها التزامها بأهداف البلاد من الانضمام إلى عضوية النادي الغربي. وتمكّن زاييف من اتخاذ الخطوة الجريئة نحو حل ما يسمى بالنزاع بشأن اسم مقدونيا مع اليونان بعد أكثر من ربع قرن، وذلك من خلال اتفاق بريسبا مع أليكساس تسيبراس.

وكان الهدف من ذلك هو إزاحة العقبة الأكبر في الطريق إلى حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. وفي يناير الماضي، غيّرت جمهورية مقدونيا دستورها لتتبنى اسم مقدونيا الشمالية، وهو تغيير استاء منه الكثير من المواطنين. وبينما تقف البلاد قاب قوسين أو أدنى من الانضمام إلى عضوية حلف شمال الأطلسي بعد توقيعها معاهدة انضمام، فإن الاتحاد الأوروبي ما زال مراماً بعيداً. وحذر زاييف صراحة من أن التأجيل قد يتسبب في سقوط حكومته ويهدد الاستقرار في داخل البلاد.

أين تركيا من كل هذا؟ حضرتُ الأسبوع الماضي مؤتمراً كان يتناول السياسة التركية في البلقان، نظمته الجمعية الأكاديمية الألمانية المعنية بدراسة منطقة جنوب شرق أوروبا (زودوست أوروبا غيزايشافت).

وعلى الرغم من أن المشاركين تبنوا آراء مختلفة بشأن ما إذا كانت تركيا منافساً للاتحاد الأوروبي في منطقة البلقان، فإن الجميع اتفقوا على أن أنقرة تستفيد من صداع توسعة العضوية في المنطقة؛ فجميع الزعماء المحليين سعداء جداً بتوطيد العلاقات السياسية والتجارية مع أردوغان.

وبدءاً من سراييفو إلى صوفيا، يرى جميع القابضين على السلطة أن تركيا حليف مرحب به، ويفضلون غض الطرف عن الخلافات التي يدخل فيها الرئيس التركي من آن لآخر مع كل من هو على شاكلة ميركل وماكرون حول العالم. في المقابل، يتنعم أردوغان بأمجاد زعامة مسلمي البلقان ونعيم تأييد القاعدة الشعبية له في الداخل. وباختصار، فإن عدم توسعة عضوية الاتحاد أمر مفيد لتركيا، على الرغم من خيبة أملها هي نفسها من مباحثات العضوية مع الاتحاد الأوروبي، التي باتت هي والعدم سواءً تقريباً.

من الجدير بالذكر أيضاً أن تركيا لم تصدق إلى الآن على انضمام مقدونيا الشمالية إلى حلف شمال الأطلسي. وتشترط أنقرة تسليم مواطنين أتراك مرتبطين بفتح الله غولن، زعيم الحركة الدينية التي تتهمها الحكومة التركية بتدبير محاولة انقلاب فاشلة في عام 2016، لإقرار هذا الانضمام.

وإنه لأمر مؤسف أن تضطر تركيا لأن تكون طرفاً مفسداً للأمور؛ فقبل كل شيء، لقد كانت أنقرة من المؤيدين لتكامل منطقة البلقان مع منطقة أوروبا الأطلسية منذ البداية في تسعينيات القرن الماضي. وما زالت مصالح تركيا الاستراتيجية الطويلة الأجل لم تتغير، على الرغم من توتر العلاقات مع الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية الكبرى.

وإذا انضم غرب البلقان إلى الاتحاد الأوروبي، فسيكون هناك أمن، فضلاً عن المنافع الاقتصادية التي ستعود على تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي، والتي تمثل جزءاً لا يتجزأ من السوق الأوروبية بفضل الاتحاد الجمركي. وأخيراً وليس آخراً، فإن تركيا بلد ينتمي إلى منطقة البلقان نظراً لموقعها الجغرافي، وتاريخها، وعلاقاتها الإنسانية بجيرانها.

وهذا هو ما يميز تركيا عن غيرها من "اللاعبين من الخارج" مثل روسيا والصين، اللتين تعززان نفوذهما في المنطقة على نحو يبدو للغرب مصدر قلق.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/eu-turkey/eus-balkan-freeze-benefits-turkey
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.