تركيا تتعامل بمنطق الغنيمة في تدخلاتها الخارجية

باكو - لم يكن التمدد هدفا وحيدا في تدخلات تركيا الخارجية والتي تناثرت في أكثر من فضاء جيوسياسي من سوريا إلى العراق إلى أزمة قطر وليبيا وصولا إلى جنوب القوقاز، فمنطق الغنيمة كان حاضرا بقوة في كل هذه التدخلات وآخرها في النزاع بإقليم قره باغ، حيث ألقت تركيا بثقلها العسكري في دعم أذربيجان في مواجهة أرمينيا لينتهي التدخل بطرد القوات الأرمينية وسيطرة القوات الأذرية على مناطق في الإقليم الواقع في جنوب القوقاز.

وبدأت أنقرة تجني ثمار تدخلاها دعما لباكو، حيث أعلن الرئيس الأذري إلهام علييف اليوم الجمعة أن بلاده وقعت اتفاقيات جديدة مع تركيا لاستيراد ما وصفها بأنها أحدث الأسلحة التركية وإنشاء نموذج مصغر من الجيش التركي في أذربيجان.

وتلقى الأسلحة التركية رواجا فقط في المناطق التي تدخلت فيها عسكريا لصالح طرف على طرف آخر، فإعلان الرئيس الأذري يأتي مكافأة لنظيره التركي رجب طيب أردوغان الذي تواجه بلاده أزمة اقتصادية حادة جزء منها بسبب استنزاف موارد الدولة لتمويل التدخلات العسكرية الخارجية.

ويسلط هذا التطور الضوء على تدخل تركيا في ليبيا دعما لقوات حكومة الوفاق الوطني في مواجهة هجوم كان قد أطلقه الجيش الوطني الليبي في أبريل 2019 تحت عنوان تطهير العاصمة الليبية من الإرهاب والجماعات المتطرفة وهو الهجوم الذي توقف قبل أشهر بعد تدخل تركي عسكري بالعتاد وآلاف المرتزقة جندتهم أنقرة من فصائل سورية متشددة شكلتها قبل سنوات ودربتها المخابرات التركية.

وفي خضم ذلك التدخل كانت الليرة التركية تمر بأحلك فتراتها مسجلة انحدار قياسيا في قيمتها مقابل الدولار، فأعلنت حكومة السراج حينها وبشكل مفاجئ ضخ أربعة مليارات دولار كوديعة في البنك المركزي التركي.

وكانت تلك الحركة ردا للجميل ومكافأة لأردوغان على إنقاذ حكومة الوفاق من السقوط، إلى جانب الاتفاقيات الأمنية والعسكرية والاقتصادية التي وقعها الرئيس التركي مع السراج.

وتنتظر تركيا أيضا أن تستفيد من عقود اعمار ليبيا وإعادة تنشيط شركاتها العاملة هناك، لكن بعد التطورات السياسية الأخيرة بانتخاب أعضاء جدد للمجلس الرئاسي والحكومة الانتقالية، تبقى حظوظ انتزاع أنقرة صفقات ضخمة في ليبيا غامضة في انتظار أن يتوضح موقف السلطة الانتقالية الليبية من التدخل التركي.

وبالموازاة مع ذلك، أعلن أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أن بلاده ستضخ 15 مليار دولار في السوق التركية على شكل استثمارات وكان الإعلان أيضا بمثابة مكافأة لتركيا على موقفها الداعم للدوحة في مواجهة مقاطعة خليجية وعربية (انتهت في 5 يناير الماضي في قمة خليجية استثنائية أزعجت أنقرة). كما فتحت قطر منافذ تجارية مهمة للحليف التركي لتنفيس أزمته الاقتصادية.

وكان التعامل التركي مبنيا على منطق الغنيمة فتلك الدول التي كانت تمر بفترات حرجة واضطرابات وجدت نفسها مضطرة لتسديد فاتورة التدخل التركي.

وبعد قطر وليبيا جاء الدور على أذربيجان بطلب تركي أو برغبة شخصية في ردّ الجميل، لتسديد فاتورة التدخل التركي وانتزاع السيطرة على مناطق في قره باغ كانت عصيّة على الجيش الأذري.

وبإعلان الرئيس علييف عزم بلاده استيراد أسلحة من تركيا يكون قد فتح متنفسا آخر للصناعات العسكرية التركية التي تعاني ركودا وتواجه مصاعب في الترويج على الرغم من حملة دعاية ضخمة وحملة علاقات عامة تخوضها الحكومة التركية في أكثر من سوق خارجية.

وكانت بيانات رسمية قد ذكرت أن إيرادات الصناعات الدفاعية التركية بلغت في العام الماضي 2.3 مليار دولار، مسجلة انخفاضا بنسبة 14.8 بالمائة مقارنة بالعام 2019.

وتنتظر حكومة أردوغان أن تجني ثمار تدخلها في أذربيجان بانتزاع عقود تسلح سخية وربما تنسج قطر على منوال باكو، لكن إلى حدّ الآن لم تبد الدوحة رغبة علنية في فتح منافذ للأسلحة التركية.