تركيا تطبق خطة قمعية قديمة ضد الأكراد

لعشرات السنوات، سعت تركيا لحسم القضية الكردية عبر سياسات الإنكار والقمع والاحتواء بل والتدمير، لكن كل هذا لم يفض بها إلا إلى حائط مسدود.

لكن لم تبرح هذه الأزمة مكانها منذ زمن العثمانيين، ولا تزال بعد نحو قرن من التمرد ماثلة على رأس قائمة أزمات الدولة. لكن الأكثرية في هذا البلد لا يفهمونها على نحو سليم على ما يبدو.

سوء الفهم هذا مرده سياسة الريبة التي تمارسها الدولة، والتي قدمت الأزمة لسنوات طوال باعتبارها محاولة لمواجهة الخروج على القانون ومكافحة الإرهاب، وبالتالي لا يراها العامة في الشوارع إلا كمسألة أمن قومي.

في هذا الإطار، ليس غريبا أن يرى العوام في الشوارع نضال الأكراد عملا غير مشروع يستلزم ردا عنيفا من السلطة.

هكذا أضحت الحقبة الحالية من الصراع جولات من التدمير والإنكار.

سياسة الدولة في محاولة احتواء الأقلية الكردية تعود إلى الحقبة العثمانية. في تلك الأيام، وبموجب العقيدة السائدة والتي تقوم على أن جميع أبناء السكان المسلمين في الدولة هم أبناء الأمة أو المجتمع المتدين، باتت سياسات الاحتواء تلك تركز على الأسلمة وليس على "الأتركة".

وانتظرت الدولة حتى لفظت الامبراطورية أنفاسها الأخيرة في أوائل القرن العشرين لتنتقل القيادة إلى جمعية الاتحاد والترقي والتي باشرت عملية "الأتركة" على الفور، وهي عملية تسارعت وتيرتها مع تأسيس الجمهورية التركية عام 1923.

أُوكلت لهذه الجمهية مهمة توحيد العرقيات المختلفة تحت لواء هوية تركية وأمة تركية واحدة.

كرست الدولة سياساتها للاحتواء في كل مؤسساتها، من المساجد إلى المدارس. حتى مؤسسة الأسرة أصبحت هي الأخرى مركزا لتطبيق هذه السياسات.

وفي قلب هذه المغامرة كانت خطة هيكلة الشرق، والتي أضيفت في سبتمبر عام 1925، أي بعد أشهر من قمع الجيش التركي لانتفاضة بقيادة الزعيم الكردي الشيخ سعيد في ديار بكر.

الخطة ذاتها مهدت الأرض للدولة لارتكاب مذابح بحق آلاف الأكراد في عملية قمع عنيفة لانتفاضة أخرى بعدها بعشر سنوات في إقليم درزيم بالجنوب الشرقي، وهو إقليم لم يمر وقت طويل قبل أن تغير الحكومة التركية اسمه إلى تونكيلي، وهو اسم تركي.

ورغم التغيير الذي طرأ على السياسات المنفذة في خطة هيكلة الشرق عبر السنوات، فإننا لم نشهد أي تحرك لعشرات السنوات رغم تعاقب الحكومات.

اشتملت الخطة على 27 مادة. أكدت المادة الأولى على ضرورة تطبيق الأحكام العرفية في الأقاليم الكردية بعد حالات التمرد، ويجب أن تظل مطبقة لحين تحقيق الخطة لأهدافها.

تطبيق هذه الخطة عام 1925 كان أول نموذج نشهده لتطبيق الأحكام العرفية مرارا وتكرارا وبكل عنف في الجنوب الشرقي من تركيا حيث الأغلبية من السكان من الأكراد.

لذا، فإن المنطقة لم تكن يوما غريبة على حالة الطوارئ، ولم تشهد يوما نظاما من الحكم الإداري العادي.

عام 1986، انتهت فترة الأحكام العرفية وحلت محلها حالة الطوارئ.

ورُفعت حالة الطوارئ بقرار من حزب العدالة والتنمية بعد صعوده إلى السلطة بانتخابات عام 2002.

تبنت حكومة حزب العدالة والتنمية فضل إنهاء حالة الطوارئ كما لو أنها قامت بثورة. لكن بينما انتهت حالة الطوارئ اسما، فإن الممارسات نفسها استمرت دون انقطاع.

أما المادة الثانية من خطة هيكلة الشرق فقسمت الجمهورية التركية إلى "إدارة عامة" مكونة من خمس مناطق. وسُلمت أقاليم الشرق والجنوب الشرقي التي يغلب على سكانها الأكراد إلى المنطقة الخامسة من مناطق الجمهورية.

وأسفر هذا التقسيم عن نظام به خمس محافظات ظل قائما حتى عام 1984.

آلية مماثلة تماما يمكن أن نراها في الفترة التي فرضت خلالها حالة الطوارئ بعد عام 1986.

لقد حظرت المادة الثالثة على أبناء المنطقة العمل في المحاكم العادية أو محاكم الأحكام العرفية، مدنية كانت أو عسكرية.

بعبارة أخرى، حُظر على الأكراد العمل في الوظائف الإدارية.

كان هذا تعبيرا صريحا عن حالة عدم الثقة التي تشعر بها الدولة حيال الأكراد، الذين لم يُسمح لهم بشغل وظائف حكومية ما لم يتخلوا عن هويتهم الكردية.

ولا تزال هذه السياسة مستمرة بطريقة أكثر قسوة. ومن يرغب في أمثلة على هذا لا يحتاج إلا النظر إلى أعداد الأطباء وموظفين العموم الذين فُصلوا من وظائفهم بسبب تحقيقات أمنية.

كما تنص المادة الثامنة على أن يدفع سكان المنطقة من خلال الضرائب نفقات تحملتها الدولة بسبب الاضطرابات.

هذه إجراءات نجد لها مثيلا اليوم، حيث تطالب السلطات السكان بدفع نفقات ما تتكبده من أموال لعمليات أمنية في المنطقة.

هناك أيضا المادة التاسعة، التي تمنح الحكومة الحق في نفي الزعماء السياسيين والقادة القبليين – بل وأقاربهم – إلى مناطق أخرى داخل البلاد.

خلال الفترة التي أعقبت وضع هذه الخطة، بدأت السلطات حملات لطرد أعداد كبيرة من سكان القرى من مناطقهم، وعادت هذه السياسة في تسعينات القرن العشرين.

يمثل هذا شكلا من أشكال الإبادة العرقية، حيث يُطرد الأكراد بعيدا عن أوطانهم ليتنقلوا إلى مدن أخرى دون منحهم منازل ولا وظائف جديدة.

فحتى وقتنا هذا، خلّفت السياسات  الأمنية أثرا أشبه بالشلل على الاقتصاد في جنوب شرق تركيا، حيث تندر فرص العمل في جميع القطاعات.

وهذا أيضا، تسبب بدوره في نزوح جماعي للشباب من الأكراد إلى المدن الكبرى في مختلف أنحاء تركيا.

نقف أيضا عند محاذير اللغة المنصوص عليها في الدستور، وهي محاذير معمول بها حتى يومنا هذا، رغم ما بدا من مساعٍ لتعديلها في عام 2001.

لقراءة المقال باللغة الانكليزية على هذا الرابط 

https://ahvalnews.com/kurds/turkeys-kurdish-policy-returns-repressive-plan-1925
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.