تركيا تتحول إلى دولة الغوغاء

في السنوات الخمس الأخيرة باتت تركيا مكاناً يلقى فيه الانحطاط والفظاظة الإشادة، وهي دولة يمكن أن يُطلق عليها الآن اسم دولة الغوغاء، باستخدام المصطلح الذي صاغه المؤرخ ورجل الدولة اليوناني بوليبيوس.

وتعني دولة الغوغاء أن يحكم الغوغاء أو تجمع من الناس الحكومة أو تخويف السلطة الشرعية. إنها نسخة مريضة للحكم الشعوبي.

يُطلق على أي بلد دولة الغوغاء عندما يأتي الكذابون والفاسدون والمحتالون والمخادعون إلى صدارة المشهد في المجتمع من خلال آلية الاختيار السلبي. يتم استبدال الأشخاص الأذكياء والمهرة والمتعلمين تعليماً جيداً بالأقل تعليماً وغير الأكفاء وعديمي الأخلاق.

يجب أن تكون أعمى كي لا ترى أن هذا ما يحدث في تركيا. ليس فقط لأن الإسلاميين في السلطة، بل لأن هناك علمانيين يندمجون أيضاً في دولة الغوغاء الجديدة هذه.

ولا يمكن تفسير هذا التدهور بمجرد تصاعد الاستبداد في تركيا - وهذا ليس بالأمر الجديد أو المفاجئ. فلم تكن البلاد ديمقراطية كاملة مطلقاً.

لكن هذه استراحة من المسار التقليدي للبلاد. فمنذ عام 1923، عندما تأسست جمهورية تركيا، كانت البلاد تعاني دائماً من مشاكل تدهور أخلاقي ونقص التعليم، لكنها رأت دائماً أنها مشاكل تحتاج إلى معالجة.

فعلى سبيل المثال، أنشأت الكمالية، مبادئ وأفكار مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، نظاماً إدارياً سلطوياً للغاية. ولطالما تعرضت الكمالية لانتقادات بحق لأنها نخبوية وتتبع استبداداً مستنيراً، لكنها لم تتخل مطلقاً عن محاولة حل مشكلات التدهور الأخلاقي والجهل ونقص التعليم. لم تحاول الكمالية مطلقاً إضفاء الشرعية على الانحلال أو الجهل، حتى ولو بشكل غير مباشر.

كان هذا صحيحاً أيضاً بالنسبة لتيار اليمين، على الرغم من أمراضه المتأصلة. كان اليمين في تركيا، المؤلف من مجموعة من الإسلاميين والقوميين، يملك دائماً جناحاً فكرياً. فعلى سبيل المثال، كانت شعارات حركة "الرؤية الوطنية" الإسلامية لرئيس الوزراء السابق نجم الدين أربكان "الأخلاق أولاً" و"التطور الأخلاقي".

الحركة الإسلامية التركية اليوم في حالة متدهورة. وعلى الرغم من وجود الكثير من الأشخاص المحترمين المشاركين في الحركة، فإن الائتلاف الحاكم الحالي المؤلف من الإسلاميين والقوميين اليمينيين المتطرفين يجبر الناس على الصمت والخضوع.

تتبع حكومة اليوم طريق الاستبداد التقليدي، ولكنها تحتاج أيضاً إلى تعزيزه بشعوبية على الطريقة التركية تتطلب المزيد من التدهور. لقد حلت الفظاظة الاستبدادية محل تنوير الكمالية الاستبدادية.

وتحتاج حتى أكثر الأنظمة الاستبدادية إلى أيديولوجية لحشد الدعم. لهذا السبب خلقت الكمالية إطاراً للتاريخ واللغة والمجتمع يتمتع بمستوى معين من التطور.

ففي حين أن الحركة الإسلامية قدمت نفسها في تركيا قبل 40 عاماً على أنها راعية للمهمشين، إلا أنها اليوم تشبه الغوغائيين الذين يهاجمون أي شخص يأتي في طريقهم.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-politics/turkey-becoming-ochlocracy
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.